نخبة الوطن والفعاليات الفاشلة!

28/09/2016 - 10:44:41

  مدحت بشاى مدحت بشاى

بقلم - مدحت بشاى

يبدو أننا وفى معايشتنا لكل تفاصيل حياتنا، وعندما نواجه مشاكلنا، ونمارس فنون المعارضة بكل أشكالها فى البيت والشارع ودواوين الحكومة وفى كل المؤسسات حتى المعنية منها بأمر إنتاج الفكر الإصلاحى والرأى الحر.. فى كل تلك المواقع نمارس حقنا فى الاعتراض على بعض الظواهر السلبية، وتتوقف مشاركتنا للأسف عند اقتراح ووضع حلول توفيقية غير حدية جازمة ملزمة تنقلنا إلى مواقع التطبيق ومن ثم إمكانية حدوث الانفراجة .. حلول نتوهم فيها الخلاص رافعين شعارا افتراضيا يُرضى كل الأطراف، فنصل فى النهاية إلى حال نبدو فيه وكأننا واجهنا المشكلة وكأننا قد وضعنا الحلول ..إن اتباع نظرية وضع “كأن” فى مواجهة العواصف والأزمات أمر خطير، لابد من تجاوز التعايش السلبى معها، والمثل واضح فى مواجهة الأحداث الطائفية كمثال ..


عقب كل حدث طائفى يتنادى أهل الرأي، وتتدفق الحلول على طاولات الحوار..وتنشب معارك غريبة حول خيارات مثل:


هل الحل فى إنشاء مجلس للمواطنة، أم ندع الأمر للمجلس القومى لحقوق الإنسان ؟!


إنشاء لجنة عليا تضم شيخ الأزهر وبابا الأقباط، أم الاكتفاء بلجنة حكماء ولا داعى لإقحام المؤسسات الدينية ؟!


تفعيل ميثاق الشرف الصحفي، أم تطبيق آليات المساءلة النقابية؟!


كل ذلك وأكثر طرحه رؤساء تحرير صحف ومجلات مصر، ونخبة من أهل التنوير، وقد يكون البعض منهم من رموز التبكيت على أحوال البلاد ومن عليها من عباد..نعم العباد بعد أن بات أمر تعايش بعضهم سوياً مشكلة فى زمن صعب !


ويظل هناك حوار مختلف فى الشارع .. ينظر الناس فى وجوه بعضهم وهم يتابعون بملل ودهشة فى آن واحد وجوه نخبة الوطن .. الملل مبعثه تكرار حدوث مثل هذه الفعاليات بنفس السيناريو، وكانت الدهشة عندما حدقوا النظر فى وجوه البعض منهم، وتأكد لهم تورطهم فى ذات الفعل الذى من أجل مناهضته كان الاجتماع، ومع ذلك أتوا بكل براءة يحدثوننا عن الفتن وسنينها !


فى اجتماع شهير عُقد فى الزمن المباركي، خرج المجتمعون بـ ٢٦ توصية من بينها ١٥ توصية موجهة للحكومة و٦ توصيات للصحافة والإعلام أبرزها تجريم الخطاب الطائفى و٤ توصيات للمؤسسات الدينية، وتوصيتان للأحزاب السياسية، أوجز البعض منهم كلامه فى أربعة محاور:


الأول: النخبة التى يجب أن تدير حوارا فيما بينها وأن يتواصوا بالحق، وأن يكون لديهم وعى بخطورة الإستخدام الطائفى حتى يعود الجميع إلى جادة الصواب.


الثاني: الرادع المؤسسى مما يعنى تفعيل مواثيق الشرف الصحفى وتوقيع جزاءات على الخارج عن هذا النهج من النقابات.


الثالث: الصحافة المصرية لم تكن على المستوى المطلوب فى معالجتها لأحداث الفتنة الطائفية عندما تناولت موضوعات الأسلمة والتنصير كوسيلة لإحراز توزيعات صحفية غير مسبوقة ..


كلام طيب ومتكرر، وتوصيف يتم تحديثه وفق تجدد شكل الفتن وصانعيها والظروف المحيطة لصياغتها ..ولكن يبقى ما توقف عنده الكاتب الصحفى مجدى سلامة بجريدة الوفد، وهو الأهم والذى ينبغى أن نتذكره، ونذكر به الحكومات المتعاقبة، التى وصفها ــ ومعه كل الحق ــ إنها مركز إشعال الفتنة الطائفية لأنها لم تفعل ما لديها من قوانين .. هناك المادة ١٦٠و المادة ١٦١ من قانون العقوبات تجرم التشويش على إقامة شعائر ملة أو احتفال دينى خاص بها أو عطلها بعنف أو تهديد، وأيضاً تجريم كل من استغل الدين فى الترويج أو التحبيذ بالقول أو بالكتابة أو بأية وسيلة أخرى لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة أو تحقير أو ازدراء إحدى الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الإضرار بالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعى أو الطعن فى كتاب مقدس أو تحريفه عمداً أو السخرية من الاحتفالات الدينية، كما أضافت المادة ١٧١ من قانون العقوبات نصاً يقضى بعدم التعدى بالنشر بكل الوسائل «الصحف والكتب، وغيرهما من وسائل النشر على أى دين» .. ماذا فعلنا بكل تلك القوانين سوى انتقاء نخبة قليلة شاع أمرها، ولم يتم تفعيلها مع من قاموا بسب الأديان ورموزها وعقائدها وتعاليمها ؟! ..


إلى من يتنادون للتوصيف والإقتراح، العقوبات موجودة والمواطنة أمرها مرهون ببسط يد العدالة .. نعم العدالة وتفعيل القانون .. إن ما تم ذكره من قوانين أرى ضرورة تكرار تصديرها إعلامياً لتوقيف من يشعلون الحرائق بكل بساطة واستهتار مقيت، وحتى لا نكتفى بتصور وكأننا واجهنا الفتنة !! ..


بقى أن أذكر أن مثل تلك الاجتماعات منذ ذلك الزمان الحاشد بالفتن والكوارث الطائفية، وحتى تاريخه وبعد قيام ثورة من أجل إقامة عدالة اجتماعية، وأخرى لإسقاط حكم دينى مستبد، يجرى على أرض الوطن، وداخل أول برلمان بعد الثورة الأخيرة وكتابة الدستور الأحدث .. لم تخلف لنا إلا مجموعة أوراق بحثية، هىّ إجتماعات يعمرها وجهاء المجتمع وأشاوس الكلام، ولا شيء يحدث !!


إلى برلماننا فى دورته القادمة، فليكن أمر إقامة مفوضية مناهضة التمييز الدينى هو الأمر الأولى بالرعاية حقناً لدماء ضحايا التخلف الفكرى وشهداء جرثومة التخلف الحضارى ... إلى الرئيس السيسى ينبغى التأكيد للشعب وأعداء الحرية أن هناك إرادة سياسية حقيقية للتغيير وتحقيق حلم إقامة دولة مدنية معاصرة..


«ليكن الوطن محلاً للسعادة المشتركة بيننا نبنيه معاً»


قالها رفاعة رافع الطهطاوى رائد التنوير فى مصر الحديثة..


هل نستجيب ؟!