إنها الأجدر بالمساءلة..!

28/09/2016 - 10:38:44

  سناء السعيد سناء السعيد

بقلم : سناء السعيد

حملت لجنة الشئون الخارجية فى مجلس العموم البريطانى مؤخرا على التدخل البريطانى عسكريا فى ليبيا عام ٢٠١١ للإطاحة بالقذافى، وأنحت باللائمة على رئيس الوزراء وقتئذ “ديفيد كاميرون”، وقالت بأنه لم تكن لديه استراتيجية متماسكة للحملة الجوية البريطانية على ليبيا، وأن مشاركة بريطانيا للناتو فى تلك الحملة لم تستند على معلومات استخباراتية دقيقة، ومن ثم أدت إلى ظهور داعش فى شمال إفريقيا.


شهادة حق نطق بها البرلمان البريطانى بعد مرور خمس سنوات.. وفى معرض الدفاع ذهبت الخارجية البريطانية بأن قرار التدخل العسكرى فى ليبيا كان دوليا إذ دعت إليه الجامعة العربية ووافق عليه مجلس الأمن.. لقد كان لهذه الحملة العسكرية تداعيات كبرى على ليبيا تصدرها انهيار اقتصادى وحرب بين ميليشيات وقبائل وأزمة إنسانية وأزمة لاجئين وتفش لانتهاكات حقوق الإنسان.. أما الطامة الكبرى فتمثلت فى ظهور داعش فى شمال إفريقيا وسيطرته على عدد من المناطق فى ليبيا.


ولاشك أن القضية تسلط الضوء على الدور المشبوه للجامعة العربية وقتئذ، فهو الذى قاد الناتو إلى التدخل العسكرى فى ليبيا لتبادر قواته بحملات جوية تسفر عن استشهاد الآلاف من الليبيين، فتدخل الناتو جاء بعد أن صدر قرار الجامعة رقم ٧٢٩٨ بتاريخ ٢ مارس ٢٠١١ بشأن مطالبة مجلس الأمن بتحمل مسؤولياته إزاء مايحدث فى ليبيا واتخاذ الإجراءات الكفيلة بفرض منطقة حظر جوى وإقامة مناطق آمنة فى الأماكن التى تتعرض للقصف.. بيد أن الناتو لم يتدخل إلا مع نهاية مارس ليقصف مواقع مدنية ومقرات حكومية، فخرج بذلك عن الأطر القانونية والشرعية مبررا حملته بالدعم والتأييد العربى وبالغطاء الأممى.


غاب عن الجامعة العربية وقتئذ أن تدخل الناتو يعد ضد الأمن القومى العربى، الذى يرتكز فى جوهره على منع أى قوة أجنبية أو خارجية من التدخل فى هذا الإقليم.. غاب عنها وهى تندفع لاتخاذ هذا القرار المعيب أن تدخل الناتو بدعم منها يعنى فقدانها ككيان ــ يجسد هوية الأمن القومى العربى ــ زمام المبادرة بشأن الأزمات العربية لصالح الناتو.


بل من شأن هذا أن يرسى سابقة يمكن للناتو أن يبنى عليها تدخله فى أزمات أخرى.. غاب عن الجامعة أن إقحام الناتو فى المنطقة يمثل خطرا على الدول العربية، لاسيما إذا أخذنا فى الاعتبار علاقات الحلف المتنامية مع إسرائيل، والتى تشكل تحديا للدول العربية خاصة فى ظل استمرارية الانحياز الأمريكى المهووس للكيان الصهيونى.. وهو مايستدعى ماحدث فى ٢٠٠٩ عندما وافق الناتو على مشاركة إسرائيل ــ بناء على طلبها ــ فى العمليات، التى يقوم بها فى البحر المتوسط.. بما يعنيه هذا من أن الدول التى ستكون فى حالة حرب مع إسرائيل ربما تجد نفسها فى مواجهة مع حلف شمال الأطلسى.


ما فعلته الجامعة العربية فى ٢٠١١ بالنسبة لليبيا جريمة مروعة رسخت من خلالها الوجود الأطلسى فى المنطقة العربية ومنحت الناتو الفرصة لكى يكون طرفًا فى الترتيبات الأمنية المستقبلية، ورسخت بسياستها هذه آلية التدخل الدولى كحل للأزمات فى المنطقة، وأرست بذلك وضعية جديدة مفادها انتهاء عصر الدولة القومية الموحدة.


هذا فضلا عن كونها جردت نفسها من أن تصبح سيدة قراراتها.. بل وجسدت يومها النموذج على رداءة العمل العربى المشترك من خلال قرارها مطالبة مجلس الأمن بالعمل العسكرى ضد إخوانهم الليبيين.. إنها الجامعة التى خرجت عن الجادة وانحرفت عندما دعت الناتو إلى التدخل عسكريا فى ليبيا، وبالتالى هى التى يجب أن تسأل ويوجه لها اللوم بدلا من ديفيد كاميرون.