صفقة زواج..

28/09/2016 - 10:33:22

أحمد سعدة

فى «نص الليل».. تتهيأ القلوب للشكوى والبوح بما فيها، وترسل أوجاعها إلى السماء، بعد أن يئست من رحمة أهل الأرض.. «المصور» تحاول أن تشارك قراءها هذه الآلام وتلك الاعترافات وتقدم لها الحلول


أنا سيدة فى الثلاثين من العمر.. ولدت فى قرية صغيرة تابعة لمحافظة القليوبية بجوار سجن أبوزعبل.. وهى القرية الأشهر فى مصر التى يرتادها العرب وبخاصة السعوديون للزواج من الفتيات المصريات.. مع العلم أن أطول فترة زواج من هذا النوع لا تستمر أكثر من عام، يعود بعدها نفس الرجل ليتزوج من أخرى.. تجارة رائجة دخلت ضمن أهم موارد قريتنا اقتصاديا..


ولا تعتقد يا سيدى أنى أبالغ.. ويكفيك زيارة واحدة لقريتنا لتجد أن فيها أكثر من عشر سيدات وسيطات لهذه العملية التجارية، ونسميهن «الخاطبة».. تدخل الخاطبة بالرجل العربى بيوت القرية ليشاهد ويفحص ويختار إلى أن يستقر على بضاعته التى يعقد فورا عليها بعد أن يمنح والدها مقابلا من المال يتم تقديره حسب عمر الفتاة وجمالها..


الآباء هنا بلا عمل.. والزراعة لم تعد تأتى أُكلها.. لكنى لا أعذرهم فى الاضطرار للتجارة فى أجساد بناتهم بورقة زواج.. إنه «البغاء المقنن» يا سيدى..


رحلة عمل تنحصر وظيفة الفتاة فيها على إمتاع التاجر الذى اشتراها امتداد مدة صلاحيتها لديه أطول فترة.. تأكل وتشرب وتنعم فى حياة من الرفاهية، وترسل لأهلها ما تستطيع لتأمين مستقبلها..


وحتى لا أكون ظالمة.. فإن هناك من الرجال «الحقيقيين» فى بلدتنا من لا يزالون يحتفظون ببقية من طابعهم الإنسانى، ويرفضون تمامًا هذه التجارة المؤسفة، أو بالأدق تلك «الدعارة الشرعية»..


أنا أصغر فتاة بين شقيقاتى.. لى أختان غيرى، وأخ وحيد.. وبيتنا يدخله العرب باستمرار لمعاينة شقيقاتى.. لكننا لسنا على قدرٍ من الجمال الذى يقنع هؤلاء التجار.. وكانت كلها معاينات بلا اتفاق..


إن والدى يعمل كحارس أمن بسيط لمصنع زجاج بالقرب من القرية.. ولم يكن يحلم لنا بمجرد عريس عادى من القرية أو من القرى المجاورة.. لأن مثل هذا العريس سيكلفه نفقات تجهيز لا يملك منها شيئا.. ولذا كان دائما فى حالة انتظار لصفقة تأتيه من شبه جزيرة العرب.. لكن طال الانتظار.


كان بداخلى منذ صغرى تمرد على هذه الأوضاع المؤسفة، وكنت أحلم دائما برجل أحبه ويحبنى، كما أشاهد فى مسلسلات التليفزيون.. وقد حدث أن انتقلنا بشكل مفاجئ للعيش بأحد الأحياء الشعبية بالقاهرة بعد أن نقل صاحب مصنع الزجاج مقره إلى القاهرة.. وقام بتعيين شقيقى كمحاسب بالمصنع إضافة لعمل والدى كحارس أمن..


وهنا فقط تنفست الصعداء.. لقد هربنا بهذا الانتقال من شبح زواج المتعة.. لكننا يا سيدى أصبحنا نواجه شبحا آخر.. شبح العنوسة والبوار.


لقد اقتربت شقيقتى الكبرى من الثلاثين دون أن يطرق بابنا عريس واحد، رغم أنها أنهت تعليمها المتوسط واشتغلت بشركة للاستيراد والتصدير.. وأختى التى تصغرها بعامين على نفس الحال..


أما أنا فقد كنت فى ذلك الوقت فى الثامنة عشرة من العمر.. وكنت أدرس فى السنة الأولى بكلية التربية.. وحدث أن شاهدنى شاب قطرى كان يزور صديق له يسكن فى نفس شارعنا.. وظل لأكثر من شهر يراقبنى فى الجامعة، ثم بعدها تكلم معى وقال أنه يحبنى وأنه يدرس هنا بإحدى الجامعات الخاصة، وأنه يريد الزواج منى..


لن أستطيع أن أصف لك إحساسى.. شعرت أن سعادة الدنيا كلها غمرتنى، وشعرت أن حب العالم كله تجمع فى قلبى له..


وأرسل لوالده فى قطر كى يأتى لطلب يدى من والدى.. وبالفعل أتى والده، لكنه رفض زواج ابنه منى رفضا تاما معترضا على مستوانا الاجتماعى.. لكنه رضخ فى النهاية بعد إصرار ابنه الكاسح على الزواج منى..


وبالطبع أنت لست فى حاجة لمعرفة رأى أهلى فى هذا الزواج الذى لم يكلفنا مليما واحدا.. وسافرت معه لدولة قطر، وكنت أعود فقط فى أوقات الامتحانات.. وعشت معه حياة لم أكن أحلم أبدا بها.. ورزقت منه بطفلين.


وانتقلت مع هذا الزواج لمستوى اجتماعى مختلف تماما.. بل ونقلت أهلى أيضا لمستوى آخر.. وعشت هنا كالملكة التى تجد كل ما تطلبه.. وأصبحت أمتلك رخصة قيادة سيارة.. ولى سيارتى الخاصة التى لا يقدر حتى صاحب مصنع الزجاج الذى يعمل فيه والدى على امتلاكها.. ولدى ثلاث فلبينيات يقمن بخدمتى.. وكنت أرفض النوم من شدة سعادتى بتلك الحياة.


لكنى على ما يبدو كنت فى غيبوبة الحرمان.. أن زوجى شاب محترم جدا، تعليمه متوسط.. ولا يبخل على بأى شىء أطلبه.. لكنه بخيل جدا فى مشاعره.. هو يريدنى زوجة وأم لأطفاله.. ولا يريدنى أى شىء آخر.. لا حق لى فى أن احتضنه أو ألمسه.. إنه يلمسنى فقط حينما يريد.. وقد يمر بيننا شهور دون أن يريد.. وحينما يريد فإنه يلخص إرادته فى دقائق..


تحدثت إليه، واشتكيت، لكن بلا فائدة.. لا يعنيه إذا كنت مريضة أو حتى أنزف دما فى منتصف الليل.. لا يعنيه حالتى النفسية.. لا يعنيه مغازلات شقيقه الأكبر العلنية لى أمامه.. لا يعنيه أى شىء سوى أنى أم أطفاله.


لكننى أصبحت أنظر للأمر بشكل آخر.. أصبحت أنظر لزواجى كصفقة.. مجرد صفقة.. هو يريدنى أما لأطفاله وأنا سأجعل منه خادما لطلباتى.. واهتممت بنفسى وشكلى فى أرقى بيوت التجميل والأزياء.. واهتممت بمعيشة أهلى وساعدتهم ببذخ.. وأنهيت شهادتى الجامعية.. وكل فترة أستقدم والدى ووالدتى وأستضيفهما عندى..


لكن فى النهاية ظل شىء بداخلى منكسرًا.. وظللت فى حاجة إلى راحة مشاعرى..


ووجدت ضالتى مع أحد أقربائى فى القاهرة.. تواصلت معه وحكيت له عن حرمانى العاطفى، ونمت بيننا مشاعر ساخنة، تحولت لعلاقة كاملة كلما زرت القاهرة.


وكرهت نفسى بعدما تورطت فى خيانة زوجى.. لكنى لم أتوقف عن خيانته، وهو بمنتهى التبلد لم يلاحظ، ولم يسأل عن زياراتى المتكررة للقاهرة.. وعشت فى شتات وصراع رهيب بين ما أفعله، وما يجب أن أفعله..


وستسألنى لماذا لم أطلب الطلاق ؟.. وسأقول لك: بالفعل فكرت.. لكنه مجرد تفكير عابر، أصبت بعده بحالة من الرعب.. رعب من أن أعود مرة أخرى لحياة الفقر فى بيت أبى.. أن حياتى يحسدنى عليها كل من عرفنى.. بل وزوجى أيضا يحسدوننى عليه.


وسأقول لك أيضا أننى الآن أصبحت مواطنة قطرية بعدما حصلت على جنسية دولة قطر التى من اشتراطاتها أن أتنازل عن جنسيتى المصرية..


وأقف الآن كالتائهة بعد أن أصبحت أعيش غربة داخلية.. وغربة وطن.. وغربة مشاعر.. واشتعلت فى رأسى حرب أهلية بين الحلال والحرام.. وبين الغنى والحرمان.. وبين زوجى وعشيقى.. ولا أملك إرادة حقيقية للاختيار..


فهل يمكن أن تدلنى على اختيار؟


الــــــــــــــرد


خياران لاثالث لهما، إن كنتِ حقا تريدين إنهاء الصراع الذى اشتعل فى رأسك..


إما أن تحسمى أمرك بطلب الطلاق، وتتحملى تبعات ما بعد هذا القرار أيا كانت نتائجه، وتضحى بحياة الرفاهية.. وإما أن تعيشى كزوجة محترمة ومخلصة مع زوجها وأطفالها، وتضحى بموضوع المشاعر والحب..


وفى هذا العالم لن تجدى شخصا يأخذ كل شىء.. ولكل قرار نأخذه فى حياتنا ثمن ندفعه، وأمور نضحى بها..


وكنت أتمنى أن أقرأ فى رسالتك سطرا واحدا تقولين فيه أن زوجك كان يتعمد إهانتك أو ضربك، ولا أمل فى إصلاحه.. أو أنه مصاب بمرض مزمن أو ما شابه، ولا أمل فى علاجه..


لكن اختصرتِ شكوتك فى أنه متباعد عنك عاطفيا وبلا إحساس، وهى بالفعل مشكلة.. لكن لم تحكِ لنا عن جذور تلك المشكلة، وكيف حدث هذا الابتعاد وتطور.. وخصوصا بعد قصة حبكما التى بسببها وقف أمام والده مصرا على الزواج منكِ..


وهنا تصير كل شكواك «كلام فارغ، ودلع مودرن» وشائع فى هذه الأيام..


فلماذا لا يكون تبلد مشاعره بسبب أنكِ لم تحبيه من الأصل، وأن الحكاية كلها أنكِ تصرفتِ بنفس المنطق الذى كان يفكر به والدك.. وأن الأمر بالنسبة لكِ كان مجرد صفقة كالتى كنتِ تشتكين منها فى بداية رسالتك..


وأنا أتفهم جيدا مشاعر الحرمان لفتاة فقيرة ولدت فى مجتمع يتاجر فى أجساد البنات ويبيعهن لأى تاجر بورقة زواج عرفى.. وفى ظل شبح العنوسة الذى هدد بيتها، تجد شابا غنيا محترما يريد الاستقرار معها وليس مجرد زواجها للمتعة.. أن ظهوره بالنسبة لك كان طوق نجاة..


وأنا أعذرك.. وأعذر أى فتاة فى حالتك.. لكن لا أعذرك فى أن يكون فعلك بعد الزواج خالٍ تماما من الشرف.. والخيانة دائما لا عذر لها..


وهنا سأسألك: هل اجتهدت فى أن تحبى زوجك ؟.. وما الذى فعلته كى يحبك ؟!


لقد ارتضيته زوجا بإرادتك، وقد تكفل تماما بك وبأهلك.. وأكرمكِ وأكرمهم.. وقلة حيلتك وقتما تزوجك، لن تبرر لك الآن سوء تصرفاتك بعد أن صنع منكِ امرأة مجتمع غنية تذهب لأرقى بيوت الأزياء والتجميل..


وقد صار من أوجب الواجبات عليك أن تتفانى فى الإخلاص له، وتجعليه حبيبا لكِ وليس مجرد زوج.. بل تتفانى فى العطاء بلا حدود لتتجاوزى ذنبك فى حقه، وخيانتك له..


وغير ذلك.. فالطلاق أشرف لك..