الشباب ومستقبل مصر

30/09/2014 - 10:28:15

صوره ارشيفيه صوره ارشيفيه

كتب - السفير د. عزمى خليفة

حسنا فعل السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى باجتماعه برؤساء تحرير الصحف المصرية، وحسنا فعل بالكشف عن المؤامرة الثلاثية التى تحيكها ضد مصر جماعة الإخوان المسلمين التى تخلت عن السياسة ولجأت إلى الإرهاب لاغتصاب السلطة، وقطر التى تسعى إلى لعب دور يتعارض مع مقتضيات التاريخ واتجاهاته ومع الجغرافيا وقيودها، وتركيا التى تسعى إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء بقرن كامل ولم تستوعب دروس التاريخ التى تؤكد أن دور الخلافة الإسلامية الذى لعبته تركيا منذ احتلالها للأقطار العربية فى مطلع القرن السادس عشر وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى لا يمكن أن يعود مرة أخرى حتى وإن كانت تركيا يحكمها اليوم حزب إسلامى لعدة أسباب لعل فى مقدمتها أن تلك الخلافة الزائلة كانت نتاج احتلال عسكرى أساسا يعكس توازن القوى فى القرن السادس عشر ولم تكن نتاج تفوق تركى فى العلوم الإسلامية كالفقه والحديث والتفسير وما إلى ذلك.


وهى العلوم التى برع فيها الأزهر الشريف فأعاد تصدير الإسلام إلى جميع دول العالم بنكهة وسطية وفقا لتعاليم النبى - صلى الله عليه وسلم - بما فيها الدولة التى كانت مهد الإسلام وهى السعودية كما تعود أن يذكرنا فضيلة الشيخ الشعراوى طيب الله ثراه، إضافة إلى أسباب أخرى عديدة إذ إن مياها كثيرة جرت فى نهر التاريخ ومجملها يؤكد استحالة عودة هذه الخلافة مهما ادعى أردوغان وهو ما تعكسه كتابات أحمد داود أوغلو الذى خلفه فى رئاسة الحزب والحكومة بعد أن خلف هو عبدالله جول فى رئاسة الدولة ويسعى جاهدا لتغيير النظام البرلمانى فى تركيا ليصبح نظاما رئاسيا ليناسب طموحاته الديمقراطية.


أقول حسنا فعل الرئيس لأن الاجتماع وما طرح فيه من معلومات حول هذه المؤامرة جاء فى وقت غاية فى الحساسية لسببين أولهما حاجة الشعب لأن يعرف كيف يفكر الرئيس وهى مسألة عبرت عنها مقالات عديدة بالصحف المختلفة مؤخرا ومواقع التواصل الاجتماعى خاصة أن الرئيس لم يستكمل بعد فريقه الرئاسى وثانيهما أن الشعب أيضا يستشعر الخطر المحيط بمصر من الاتجاهات الأربعة للأمن القومى المصرى بقدر ما يستشعر المخاطر المحيطة بالأمن القومى العربى إجمالا والتى تعود فى مجملها إلى مساعى واشنطن لإقامة الشرق الأوسط الموسع الذى أفصحت عنه قيادات أمريكية أخيرا مؤكدة انه يعنى إعادة رسم حدود الدول العربية حينما أكدت هذه القيادات صعوبة الحفاظ على الحدود الحالية التى حددتها اتفاقية سايكس بيكو بعد انهيار دولة الخلافة الإسلامية فى أعقاب الحرب العالمية الأولى، وكانت الأداة الأمريكية لتحقيق مشروعها ما اسمته جماعات الإسلام السياسى المعتدلة مثل الإخوان المسلمين ومثل داعش والنصرة متناسية درس سبتمبر 2001 ودرس حادث المنصة من قبل، واللذان كشفا دون لبس أن محاولة التلاعب بالدين - أى دين- باستخدامه فى السياسة مصيرها الفشل وانقلاب السحر على الساحر، لأن الدين مطلق وينظم فى شق منه علاقة الانسان بالخالق - عز وجل - بينما السياسة نسبية وتهتم بالبدائل فى إطار الممكن والمتاح ومن ثم فالخلط بينهما غير وارد، فضلا عن طموح هذه الحركات غير المحسوب والذى يتولد فور تحقيق أى نجاح وخروجها عن مسار من صنعها ومولها وسلحها ودربها، ورغم هذا الاستشعار من الشعب للمخاطر المحيطة بمصر وعالمنا العربى إلا أنه -الشعب - فى نفس الوقت يستعجل التعرف على رؤية الرئيس لكيفية مواجهة هذه المخاطر ومن ثم فقد جاء الخطاب وما طرح فيه من معلومات مؤكدة وليس تحليلات تحتمل الصواب أو الخطأ ليضع النقاط على الحروف بوضوح تام.


يرتبط بذلك ما حدث الأسبوع الماضى من انقطاع الكهرباء فى أجزاء كبيرة شملت معظم أنحاء الجمهورية وما ترتب على ذلك من خسائر، دون أن تقدم الحكومة أو وزير الكهرباء تبريرا مقنعا، ودون أن يتم تحقيق يحدد المسئولية عن هذاالحادث، أو الإجراءات التى تم اتخاذها للحيلولة دون تكراره مرة أخرى، بل إن وزير الكهرباء خرج على الشعب ببيان يؤكد عدم صحة الأنباء التى أشارت إلى تقديمه استقالته، مما فتح المجال امام تكهنات بان مخربى الإخوان قاموا بالعملية لإيقاف بيع شهادات حفر محور قناة السويس الجديد، وذهب تكهن آخر إلى أن الإخوان قاموا بتفجير محطات توليد الطاقة الرئيسية، وذهب رأى ثالث إلى أن وزير الكهرباء نفسه إخوانى واستند القائلون بذلك إلى ترشحه على قوائم الإخوان فى انتخابات نقابة المهندسين وتعين الإخوان له أمينا عاما للنقابة عام 2011وهى التكهنات التى لم يهتم الوزير بالتعليق عليها نفيا أو إثباتا وكأن الأمر لا يهمه كما لم يهتم بها السيد رئيس الوزراء.


إضافة لذلك فقد عبر الشباب لى عن إحباطهم حينما دعيت منذ فترة لإلقاء محاضرة فى الدورة التدريبية التى ينظمها المركز الاقليمى للدراسات الاستراتيجية ومركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية لحوالى 250 طالباً وطالبة من طلاب بعض الكليات الجامعية وقد خرجت من النقاش الذى أعقب المحاضرة بعدة نتائج كان أولها أن الرئيس قد طرح خمسة مشروعات ضخمة هى محور قناة السويس، ومشروع المثلث الذهبى للتعدين بين قنا وسفاجا والقصير، ومشروع تنمية الساحل الشمالى الغربى، والمشروع القومى للطرق، ومشروع استصلاح مليون فدان فى الفرافرة وسيوة وغرب المنيا وشرق العوينات وتوشكى وبالرغم من ذلك فمعظم الحاضرين لم يرون أن مصر قد تقدمت خطوة للأمام بل رأوا أن الحريات العامة فى مصر قد تراجعت لصالح الأمن وهو ما يمكن تفسيره بأولوية السياسة على الاقتصاد لدى الشباب، وهو أمر منطقى لأن الشباب نزل إلى ميادين التحرير فى 25 يناير وهو مؤمن بضرورة التغيير وإنهاء الفساد الذى استشرى فى جميع شرايين الدولة ولكنه اليوم يشعر بالحيرة إزاء الهجمة الشرسة الممنهجة للثورة المضادة التى يتقدمها رجال الأعمال من خلال بعض القنوات التليفزيونية والصحف الخاصة والتى تصف ما حدث فى 25 يناير بأنه مؤامرة، بل والتأكيد على أهمية عدم إقصاء أقطاب الحزب الوطنى المنحل، وأخيرا من خلال ما حدث فى محاكمة الرئيس الأسبق مبارك وأركان نظامه ويعطى انطباعا للشباب بتبرئة مبارك وأقطاب حكمه.


وثانى هذه النتائج أن هذه الحيرة لدى الشباب قد انعكست على أوضاع وعلاقات كثيرة بالمجتمع والدولة، فقد انعكست سلبا على علاقة الشباب بجيل الآباء والأمهات - كما ذكروا صراحة - نتيجة التأثر بما تبثه الصحف والقنوات الخاصة من تحليلات تعكس رؤى الثورة المضادة، كما انعكست الحيرة أيضا على علاقة الشباب بأساتذتهم والنخبة وبالدولة ففقدوا الثقة فى جميع مؤسسات الحكم والأساتذة ورجال الأعمال وكل من سعى إلى الحفاظ على مكاسبه وتهرب من التبرع فى صندوق "تحيا مصر" الذى موله أساسا المصريون وتحدبدا أبناء الطبقة الوسطى وليس رجال الأعمال الذين أثروا على حساب مصر خلال حكم مبارك، وهو ما أدى إلى استبعاد بعض الشركات من مناقصات أعمال حفر القناة وفقا لتصريحات بعض كبار المسئولين.


كذلك انعكست هذه الحيرة على رؤية الشباب لدور بعض مؤسسات الدولة فيما يتعلق بثروات مصر المنهوبة فقد أعلنت بعض الدول الأجنبية عن تجميد ثروات طائلة لأسرة الرئيس الأسبق مبارك وأقطاب حكمه وصلت فى أمريكا لواحد وثلاثين ونصف مليار دولار كما ذكر كيرى وزير الخارجية الأمريكى ولم يعلن أحد من مصر شيئا عن هذا الأمر: هل هو صحيح؟ هل مبالغ فيه؟ كيف ستستعيد الدولة هذه المبالغ؟ ورغم إعلان بعض هذه الدول عن استعدادها لإعادة هذه الثروات لمصر بناء على حكم قضائى يؤكد أن هذه الأموال ملك للشعب وأنها جمعت نتيجة فساد سياسى إلا أن الدولة تحاكم النظام على تهم لا تفيد فى هذا المجال.


وثالث هذه النتائج أن الشباب يود أن يعرف حقيقة ما حدث وما ينبغى عليه أن يفعله فى المستقبل وحقيقة ما يثار حول إعادة هيكلة بعض المؤسسات وحول ما توصلت إليه بعض لجان تقصى الحقائق التى سبق وشكلها الرئيس المؤقت السابق المستشار عدلى منصور، وكيف تغلبت الدول التى سبقتنا فى الثورة على مثل هذه المواقف، ورغم هذا الحرص على معرفة الحقيقة من الشباب إلا أننى فوجئت بأنهم لا يعلمون الكثير حول العدالة الانتقالية التى تعد الوسيلة الرئيسية للتغلب على مشكلات المرحلة الانتقالية وهى مسألة صاغها المجتمع الدولى وطبقتها الدول المختلفة فى آسيا وأفريقيا، وأوروبا وأمريكا اللاتينية، كما طبقتها دول عربية وغير عربية أيضا، وهى مسألة غير مرتبطة بالثورات فقط ولكنها مرتبطة بالأساس بالانتهاكات المتكررة والممنهجة لحقوق الإنسان فقد طبقتها المغرب التى لم تشهد ثورة ورغم المكانة التى يحتلها جلالة الملك فى قلوب مواطنيه، فما بالنا بدولة شهدت ثورتين فى ثلاث سنوات خلعت فيهما رئيسين صمتا إزاء هذه الانتهاكات.


وإزاء ضعف ثقة الشباب فى الدولة ومؤسساتها وحاجتهم للتعرف على الجهد المبذول اقترحت من جانبى أن يشمل البرنامج التدريبى الذى يعقده أكبر مركزين فكريين فى الشرق الاوسط تنظيم رحلة للشباب لمشروع محور قناة السويس وهى دعوة لاقت ترحيبا من الشباب وأكدت قناعتى أنه من الصعب تغيير توجهات الشباب دون أن يغير المسئولون أولا توجهاتهم وأسلوب عملهم، فالعالم قد تغير والشباب أصبح أكثر دراية ومعرفة بما يجرى فى مصر وفى العالم بفضل ثورة المعلومات التى تغير من طرق تفكيرنا وأساليب عملنا وحياتنا وطبيعة العلاقة التى تربط الحاكم بالمحكوم وطبيعة العلاقات التى تربط المؤسسات فى الدولة ببعضها، إذ إن المعلومة أضحت قوة فى حد ذاتها وتزداد قوتها إذا ارتبطت بالانجاز ومن هنا تتضح أهمية لقاء الرئيس برؤساء تحرير الصحف المصرية وأهمية ما طرحه من معلومات وأهمية توجهه للشعب عامة والشباب خاصة والعمل على كسب تأييدهم للمشروعات التى تنفذها الدولة للخروج من عنق الزجاجة من خلال توسيع نطاق المشاركة وهو ما يطرح تساؤلات عديدة حول دور الأحزاب السياسية فى التعبئة السياسية عامة وتعبئة الشباب خاصة، كما يطرح تساؤلات أيضا حول أسباب ضعف مؤسسات المجتمع المدنى وعجزها عن استيعاب طاقات الشباب الذى يمثل ثلثى سكان مصر ومن هنا تتضح طبيعة المشكلة التى تواجهها مصر فى الوقت الراهن.


فما حدث فى مصر اعتبارا من 25 يناير 2011 كانت ثورة مكتملة الأركان وجاءت موجتها الثانية فى 30 يونيه 2013 وهى الموجة التى لم ترفع اى شعارات متناقضة أو مختلفة عن شعارات يناير وإنما أكدتها بالوقوف فى وجه الإخوان الذين اختطفوا الثورة للإيحاء بأنها ثورة إسلامية وأعلنوا بوضوح تام انحيازهم لأهداف ومبادئ الجماعة على حساب مصالح مصر القومية ومن هنا جاءت فكرة تصحيح المسار للثورة لدى الشعب المصرى بقيادة شبابه.


ومن هذا المنطلق جاءت أهمية اجتماعات الرئيس برؤساء تحرير الصحف المصرية وجاءت أهمية المعلومات التى طرحها، وأيضا من هذا المنطلق تأتى أهمية البحث عن أساليب جديدة لبلورة استمرار دعم الثورة للنظام الجديد فى مصر واستمرار النظام فى حماية الثورة وجوهر هذه الأساليب يكمن فى تطبيق العدالة الانتقالية كما طبقها غيرنا والبحث عن مصالحة سياسية تستند إلى اعتذار الإخوان عن الجرم الذى اقترفوه فى حق الوطن مع تقديم كل من أجرم فى حق هذا الوطن للعدالة، كل من أجرم وليس الإخوان فقط، فعبر هذه الخطوة أولا سنستعيد ثقة الشباب فى أنفسهم وفى الثورة التى صنعوها، وفى الدولة ومؤسساتها، وفى النظام وسياساته، ثم نفكر خارج الصندوق فى كيفية تدعيم دور الشباب فى المشاركة السياسية والشعبية وهو ما يتطلب إعادة النظر فى دور الأحزاب السياسية وبعض جمعيات المجتمع المدنى وعلاقتهم بالدولة وإعادة النظر فى دور وزارة الشباب وما يمكنها القيام به للمشاركة فى استيعاب الشباب الذى يمثل وقود التغيير من خلال تنظيم رحلات لبعض المشروعات القومية التى تم بالفعل الإعلان عنها و من خلال مشاركتهم فعليا فى تنفيذها خلال العطلة الصيفية ومن خلال التفكير فى بعض مشروعات الخدمة العامة ولو على المستوى المحلى أى مشروعات الخدمة العامة على مستوى الحى أو القرية مثلا فلم يعد الانفصال ممكنا اليوم بين الحكومة والشباب ومؤسساته الذى يعد وقود الغد والقوة المحركة للتغيير خاصة أن العالم قد تغير ومازال يتغير ليعطى الشعوب حقوقا أكثر كانت الدولة فيما مضى قد صادرتها ولم تعد قادرة اليوم على تحمل تبعاتها، اللهم إنى قد بلغت، اللهم فاشهد