علي الحجار والرهان الكسبان

26/09/2016 - 11:56:21

فوزى إبراهيم فوزى إبراهيم

بقلم: فوزى إبراهيم

قبل ثورة يناير بسنوات خمس عرفت مصر أول مركز ثقافي خاص هو مركز ساقية الصاوي، وعرفنا معه ما سمي بعهد مابعد الثقافة الحكومية ووجدت فنون الشباب آفاقا حرة انطلقت فيها ومنها تجاربهم للبحث عن رؤي جديدة متمردة علي كل ماهو سائد من فنون،بدأت بتجارب البحث عن الأغنية البديلة في فرق الشباب التي راحت لموسيقي (الجاز) و(البلوز ) والموسيقات الغجرية وموسيقي (الراب) وكذلك موسيقي (الروك) وأشكال من موسيقات وثقافات أخري،وجاءت الثورة لتزيد من مساحة التمرد والرغبة في التغيير فزاد الجنوح للأشكال والأساليب الغربية حتي في الآداء الغنائي لمفرداتنا العربية.
وبجرأة يحسد عليها قرر علي الحجار اقتحام هذه المساحة ليكون رمانة الميزان بما يملك من تجارب بها من التمرد مايجعله كبير المتمردين في أجيال مابعد عبد الحلبم حافظ،بل إنه وهب حنجرته لكل متمرد وباحث عن الجديد بداية من بليغ حمدي في أغنية (علي قد ماحبينا) التي قدمه بها من كلمات عبدالرحيم منصور في بداية الثمانينيات،والمتمرد الأكبر صلاح جاهين في ألبوم (ولد وبنت) ومرورا بسيد حجاب والأبنودي وجمال بخيت وعصام عبدالله وإبراهيم عبدالفتاح، وعمار الشريعي وعمر خيرت وأحمد الحجار وياسر عبدالرحمن ومحمد الشيخ وفاروق الشرنوبي وغيرهم من الباحثين عن التنوع والتجديد،وبما يملك أيضا من حرص علي الهوية المصرية التي يجب ألا تضيع وسط حمي التغريب من أجل التغريب.
وإن هي إلا سنوات حتي أصبحت حفلات علي الحجار هي الأكتر مبيعا وإقبالا والأكبر كثافة في ساقية الصاوي،وكأن جمهور ساقية الصاوي قد وجد أغنيته البديلة في تجارب علي الحجار وفي رصيده المتنوع والمتجدد الذي لم يقف عند شكل واحد أو لغة واحدة أو روح واحدة، ويوما بعد آخر وجدت جمهور علي الحجار بين الشباب يكبر ويتسع داخل الساقية وخارجها خاصة بعد ثورة يناير مادفعني للذهاب إلي حفلته منذ أيام باحثا عن سر اتساع مساحة العشق بين علي الحجار وجمهور الساقية.
وهناك ذهبت ولم أستطع أن أجد مكانا في الصفوف الأولي وبالكاد وجدت مكانا في منتصف القاعة لأن الصفوف الأولي بيعت كاملة بعد نهاية حفلته السابقة مباشرة لأشخاص بدا من حفظهم لأغانيه وحفظه لأسمائهم أنهم جمهور دائم لحفلاته تلك،وهنا اكتشفت أن المتعة في هذه الحفلات لا تأتي من المطرب النجم فحسب بل من جمهوره الذواق أيضا حيث هذا الانسجام الذي يخلق طربا علي طرب، وهذا الوعي بكل مفردة يغنيها في أغانيه التي طالما ظننا أنها بعيدة عن مستوي فهم الجمهور وقت أن قدمها علي الحجار في ألبوماته بل إتهمناه بالتعالي علي الجمهور بإختياره لتلك المفردات والموضوعات، وكثيرا ماجلدناه بمثل هذه الانتقادات، وكان أطيبنا يتجه لأسلوب الجلد بالنصيحة له خشية أن ينفض عنه جمهوره، وكان هو لايرد ولا يدافع عن نفسه وأحيانا يتظاهر بأنه يقبل النصيحة لكنه- كما المؤمن بشئ لايراه سواه- كان يستمر في رهانه،ولم يكن حزنه في انتقاداتنا ونصائحنا سوي لتشكيكنا في وعي جمهور طالما راهن علي حسن ذوقه ونضج إحساسه.
وهذا كان اكتشافي الثاني في تلك الليلة فقد تأكد لي أن حسن الذوق والوعي موجود بوفرة بين جمهور مصر من الشباب والكبار، وأن السر في اتساع جماهيرية علي الحجار لايكمن في حالة الإنضاج التي أحدثتها ثورتا يناير ويونيه بين الشباب فحسب وإنما يكمن في أن هذا الجمهور كان موجودا طوال الوقت إلا أن أغاني التسطيح و التغييب كانت أعلي صوتا في سنوات مضت فأوهمتنا أنه لاوجود لحسن الذوق والوعي.
أما الاكتشاف الثالث فهو أن علي الحجار امتلك مالم نمتلكه من بصر وبصيرة بحقيقة وجود قطاع لايستهان به من جمهور ذواق واع يحسن السمع والفهم ويطرب للمعني قبل المغني ويجد متعته فيمن يحترم وعيه ورغبته في البحث عن فن يطرب العقل والقلب ويبحث عن الذات والهوية،جمهور غني له علي الحجار وغني معه مايقرب من ثلاثين أغنية وتتر مسلسل علي مدي أربع ساعات لا مجال فيها للتعب أو الملل،بل المتعة والبهجة والانتشاء والتأكيد علي أن جمهور مصر مازال بخير رغم كل شئ وأن علي الحجار هو مطرب الرهان الكسبان.