أمريكا والإرهاب والتحالف .. إلى أين؟

30/09/2014 - 10:09:37

هجمات 11 سبتمبر هجمات 11 سبتمبر

بقلم اللواء دكتور: نصــر ســـالـم

بنهاية ثمانينيات القرن العشرين أعلنت مراكز الدراسات الإستراتيجية في الولايات المتحدة الأمريكية تمام تحقيق الهدف الإستراتيجى الذى حدده الرئيس الأمريكى «هارى ترومان» بتوقيعه على التوجيه الرئاسى رقم 98 لسنة 1950 وهو تفكيك الاتحاد السوفيتى وتحقيق تفوق عسكرى أمريكى كامل عليه.


وانطلقت مراكز الدراسات والأبحاث الإستراتيجية الأمريكية تبحث عن هدف إستراتيجى جديد يضمن للولايات المتحدة الأمريكية عدم التخلى عن القمة التى وصلت إليها بعد كفاح امتد من انتهاء «الجيل الأول من الحروب» وهى الحرب التقليدية وطيلة سنوات الحرب الباردة التى تمثل «الجيل الثانى من الحروب» وكان الهدف الإستراتيجى الجديد هو : أن يبقى القرن الواحد والعشرين قرنا أمريكياً».


ولتحقيق هذا الهدف تحت غطاء أخلاقى وقانونى استيقظ العالم يوم 11 سبتمبر 2001 ليشهد أول هجوم على الولايات المتحدة الأمريكية فى عقر دارها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية التى شهدت تدمير الأسطول الأمريكى عل شواطىء بيرل هاربر الأمريكية وما أعقبها من أول وآخر هجومين بالقنابل الذرية على المدينتين اليابانيتين هيروشيما ونجازاكى.


لقد كان الهجوم على برجى التجارة فى مدينة نيويورك ومقر وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" بالشكل الذى شهده العالم وقتها كافيا لأن تبدأ الولايات المتحدة الأمريكية "الجيل الثالث من الحروب" وهو الحرب ضد الإرهاب - وليقف الرئيس الأمريكى وقتها چورچ بوش الابن ويعلن "على العالم أن يختار إما أن يكون معنا ضد الإرهاب وإما أن يكون ضدنا".


وبدأ بناء التحالفات بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية للوصول إلى الإرهاب فى عقر داره والقضاء عليه.


وكان باكورة الحرب على الإرهاب عبارة عن بيان عملى بالذخيرة الحية استخدمت فيها الولايات المتحدة الأمريكية أحدث ما فى ترسانتها الحربية من أسلحة فتاكة متعددة القدرات فوق الأرض وتحت الأرض فى أعماق الكهوف .. بمبدأ "اضرب المربوط يخاف السايب" بينما العالم أجمع يحبس أنفاسه مترقبا من الذى سيطاله الدور . ومن أفغانستان الإرهابية إلى العراق المارقة (النووية). لم يحرك العالم ساكنا فى مواجهة هذا الأسد الأمريكى الجريح.


إن تحقيق الهدف الإستراتيجى الجديد للولايات المتحدة الأمريكية. وهو أن يبقى القرن الواحد والعشرون قرنا أمريكيا احتاج إلى رؤية شاملة بحسابات دقيقة للعالم أجمع على طول الكرة الأرضية وعرضها شمل توزيعا للأدوار والمهام يرضى طموحات وآمال شركائها ويجعل المواجهات أكثر توازنا فكانت الأدوار كالآتى:


- المحور الآسيوى (روسيا الاتحادية - الصين - الكوريتان - اليابان - الهند) يقع تحت المسئولية المباشرة للولايات المتحدة الأمريكية.


- القارة الإفريقية (بثرواتها ومشاكلها) هى نطاق مسئولية الاتحاد الأوربى.


- أما منطقة الشرق الأوسط الكبير (الذى يشمل الدول العربية الاثنتىن والعشرين بالإضافة إلى باكستان ، وأفغانستان وإيران) فقد تم تحديدها نطاقاً لمسئولية إسرائيل تتولاها بالمراقبة والتعامل المباشر وغير المباشر وضبط حركتها وإيقاعها بما يناسب ويحقق مصلحة دول الغرب عامة والولايات المتحدة الأمريكية خاصة.


وحتى يتسنى لإسرائيل فرض سطوتها وإرادتها على هذه الدول مجتمعة أو منفردة كان لزاما على الغرب والولايات المتحدة التدخل لتغيير ميزان القوى فى المنطقة لصالح إسرائيل وقد رأى العالم نموذجا للتدخل المباشر بالحرب فى أفغانستان والعراق لإخراجهما من المعادلة ثم سوريا بعمل أقرب إلى ذلك وهو تفجير حرب أهلية وبنآء تنظيمات مسلحة ضد النظام الحاكم فىها ثم كانت ليبيا نموذجا مشتركا من الحرب الأهلية والهجوم الخارجى (الحظر الجوى).


ولكن دولا أخرى فى مسرح الشرق الأوسط الكبير استعصت على كل ذلك فلا هى مارقة ولا هى راعية للإرهاب ولا هى نووية مثل (مصر والسعودية ودولة الإمارات العربية وغيرها من الدول المعتدلة).


فكان هناك جيل مستحدث من الحروب هو الجيل الرابع أطلق له العنان لتفكيك هذه الدول من الداخل بمنظمات مختلفة بأسماء رنانة وأفكار غريبة. نجحت إلى حد كبير فى تحقيق أهدافها وتعطيل مسيرة بعض الدول مثل مصر إلى فترة من الوقت .


وعندما استفاقت مصر وهبت من كبوتها فى الثلاثين من يونيه 2013 أدركت قوى الشر أنها ابتعدت عن تحقيق أهدافها فأطلقت من معاقلها ما أعدته من قبل من تنظيمات إرهابية تحت ستار (الإسلام) وهو منها براء ومنها على سبيل المثال لا الحصر.


- تنظيم جماعة الإخوان فى مصر الذى أخفى تحته العديد من الجماعات الإرهابية بأسماء مختلفة مثل (أنصار بيت المقدس ، وجند مصر .. وخلافه) .


- جماعة أنصار الشريعة فى ليبيا وهى امتداد للإخوان فى مصر .


- جماعة النصرة فى سوريا.


وجميع هذه التنظيمات ارتبطت بتنظيم القاعدة بعلاقة وثيقة أوجدت بينها تنسيقاً دائماً وأهدافاً مشتركة.


وكان هناك تنظيم وليد ظهر فجأة على أرض العراق وسوريا يتبنى أفكاراً أكثرحدة وانحرافا اتخذ من الرعب سلاحاً يرهب به أعداءه حتى بغير قتال لدرجة أن فرقتين عراقيتين مكتملتى التسليح والعتاد أنفق عليها من الخزينة العراقية أكثر من عشرين مليار دولار أمريكى .


هاتان الفرقتان بمجرد اقتراب هؤلاء المقاتلين مطلقى الشعر واللحى والأكثر شبها بإنسان الغابة - ترك جميع ضباط وأفراد الفرقتين العراقيتين الموجودتين فى مدينة الموصل كل الأسلحة والعتاد وخرجوا رافعى الأيدى إلى أعلى خافضى الرءوس إلى الأرض طالبين النجاة بأنفسهم من الذبح الذى سنه هذا التنظيم الإرهابى المسمى (داعش) وهى اختصار لكلمات (دولة الإسلام فى العراق والشام).


هذا التنظيم الإرهابى ولد من رحم تنظيم القاعدة المعروف وبدأ طريقه بإعطاء البيعة لزعيم القاعدة (أيمن الظواهرى) ولكنه بعد أن اشتد عوده وزادت قوته بدعم مستور من الولايات المتحدة الأمريكية التى أعدته ورعته بأيديها المخابراتية الفائقة . شق عصا الطاعة على تنظيم القاعدة وزعيمها وأعلن أحقيته بخلافة دولة الإسلام وطلب من أيمن الظواهرى أن يعطى البيعة لزعيم (داعش) أبو بكر البغدادى .


ظهر تنظيم داعش فى العراق لتوقف به الولات المتحدة الشيعة وحكومة المالكى المدعومة من إيران عند حدها وتعيدها إلى صوابها مرة أخرى تنقذ وتطيع الإدارة الأمريكية. فتم تغيير حكومة المالكى وأوتى بحكومة جديدة واستكمل الأكراد أركان دولتهم بضم كركوك البترولية إليها وفرض سطوة جيشها (البشمركة) على كل أراضيها وانزوى السنة لا يدرون من أمرهم شيئا هل يقفون إلى جانب داعش أم يختارون موقفا مستقلا يعبر عن هويتهم .


وكعادة التنظيمات الإرهابية فى العالم وهى أن إرهابييها ينفذون أهداف أعدائهم المعلنين وهم يحسبون أنهم يحاربونهم (وهى مسألة يطول شرحها يمكن توليها فى مقال آخر).


ظهر على شاشات الفضائيات منظر هو الأكثر بشاعة وهمجية لإرهابى من داعش وهو يذبح صحفىاً أمريكىاً ثم تلاه آخر.. فى شريط آخر . ومن بعده مواطن بريطانى يذبح كسابقيه . كان هذا المشهد كافيا بعد كل ما سبقه من أخبار يتناقلها العالم عن أعمال القتل والرعب التى تقوم بها داعش على مساحة من الأرض تقرب من 250 ألف كم2 أرض العراق وسوريا. ليعلن الرئيس الأمريكى أوباما فى خطوة هامة نحو انطلاق حرب أمريكية واسعة للقضاء على (داعش) الإرهابى . ويوافق مجلس النواب الأمريكى الذى يسيطر عليه الجمهوريون على خطة الرئيس أوباما التى تشمل :


1 - بناء تحالف دولى كبير للتصدى لتنظيم داعش على أرض العراق وسوريا .


2 - تزويد عناصر المعارضة السورية بالسلاح حتى يستطيعوا الدفاع عن أنفسهم .


3 - تدريب المعارضة السورية على أيدى ضباط أمريكيين خارج الأراضى السورية .


4- إعادة تسليح الجيش العراقى لتمكينه من العمل على الأرض.


5 - أن يقتصر دور قوات التحالف على العمل من الجو بضربات جوية .


انعقد مؤتمر جدة فى السعودية حضرته مصر ودول الخليج وجاء إليه وزير الخارجية الأمريكى - ليوضح للجميع أنهم ليسوا فى حاجة لموافقة مجلس الأمن على التدخل فى العراق لأن حكومتها هى التى طلبت ذلك من الولايات المتحدة وبناء عليه فسوف تقوم الطائرات الأمريكية وحلفاؤها بمهاجمة داعش والقضاء عليه على أراضى العراق وسوريا (التى لم تطلب ذلك).


ثم جاء وزير الخارجية الأمريكى إلى القاهرة وفى لقائه مع الرئيس السيسى الذى كان واضحا وحازما حيث أوضح للوزير الأمريكى أن مصر تؤيد أى عمل دولى ضد الإرهاب فى إطار ضوابط هى :


1 - أن يكون التحالف تحت راية الأمم المتحدة وطبقا لميثاقها.


2 - أن يتم إعداد خطة كاملة للقضاء على الإرهاب توضح دور ومهمة كل طرف.


3 - أن يتم التعامل مع الإرهاب كله فى وقت واحد وفى جميع الأماكن والبلدان دون استثناء.


4 - أن يتم تحديد مدة زمنية محددة لتنفيذ هذه الخطة.


5 - هذا كله مع تقديم الدعم الكافى لمصر للقضاء على الإرهاب على أراضيها .


- تلى مؤتمر جدة مؤتمر فرنسا الذى حضره ثلاثون دولة وعدد من المنظمات وتتضح اتجاهات وأدوار الدول بين مشارك ومتحفظ وممتنع (مثل تركيا التى امتنعت نظراً لوجود 49 دبلوماسياً تركىاً رهائن فى يد داعش) ولا يستبعد تغير موقفها بعد الإفراج عنهم بالأمس. لينالها نصيب من الوليمة.


وبعد هذا وذلك ما هو هدف الولايات المتحدة الأمريكية من بناء هذا التحالف وشن هذه الحرب على الأراضى العراقية والسورية.


أليس الهدف هو إسقاط بشار الأسد وإلا لماذا يتم تدعيم الجيش السورى الحر والمعارضة السورية وتدريبها .


وما هو مغزى توجيه ضربات جوية أمريكية (تحالفية) على الأراضى السورية دون إذنها أو التنسيق معها والتوعد لها بالويل والثبور إن تصدى جيش بشار لها.


هل داعش البالغ تعدادها 20 : 30 ألف مقاتل بالأسلحة الخفيفة والمنتشرة على مساحة (250 ألف كم2) أى بلا كثافة تذكر تستدعى كل هذا الحشد.


- ألا تمثل هذه الضربات إنهاء للتحدى الإيرانى فى سوريا وقطعاً للحبل السرى الــــذى يصل من إيران إلى حزب الله اللبنانى عبر سورية .


- ألا يمثل إسقاط حكم الأسد فى سورية صفعة للتواجد والتسهيلات الروسية فى ميناء طرطوس السورى ردا على نجاحاتها فى أوكرانيا وشبه جزيرة القرم.


- لن تنتهى هذه العملية إلا بإسقاط بشار الأسد أو إضعافه وتحجيمه لينتهى الأمر بتقسيم سورية إلى أربع دويلات:


1 - دولة العلويين على البحر المتوسط.


2 - دولة السنة على حدود العراق.


3 - دولة الأكراد فى الشمال .


4 - دولة الدروز فى الجنوب .


أما عن العراق فلاتسل فسوف تظل تراوح بين السنة والشيعة والأكراد دون ارتفاع قدرة واحد منهم على الآخر حتى لا يتمكن من ضم الآخرين تحت لوائه وذلك بفضل داعش وصورها (المتعددة) الجاهزة للظهور فى الوقت المطلوب لضبط عملية تفتيت هذه المنطقة.


وتتحول الولايات المتحدة الأمريكية إلى منطقة ومناطق أخرى أكثر قربا من مصر شدا للأطراف وقلقلة للاستقرار لعلها تنجح.


ولكن"والله غالب على أمره".


حفظ الله بلادنا حفظ الله أوطاننا حفظ الله مصر