بعد صراخه المستمر لعقود طويلة «تصبحون علي وطن» .. مارسيل خليفة : أين هو هذا الوطن؟!

26/09/2016 - 11:55:10

مارسيل خليفة مارسيل خليفة

حوار: أحمد إبراهيم

ولد مارسيل خليفة عام 1950م في بلدة عمشيت بجبل لبنان، ويعتبر أحد أهم الفنانين العرب كمؤلف موسيقي ومغني أحد الذين دمجوا الموسيقى العربية بالغربية، واشتهر بأغانيه الوطنية والتزامه بقضية فلسطين، وطبعت أول أسطواناته في باريس عام 1976م وضمت أربع قصائد لمحمود درويش وقصيدة جفرا للشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة ثم غنى عام 1984م في استاد الصفا ببيروت أمام مائة ألف متفرج قصيدة «بالأخضر كفناه» لعز الدين المناصرة.
انتمى مارسيل خليفة للحزب الشيوعي اللبناني في بداياته إلا أنه لم يلتزم كثيراً بهذا الانتماء بينما رافقه إيمانه بالقضية الفلسطينية والنضال الفلسطيني طوال رحلته حتى بعد أن اختلفت تجربته الفنية خلال الحرب الأهلية اللبنانية عن مرحلة السلم اللبناني، ثم ما بعد الطائف واتفاق أوسلو الفلسطيني.
لحن مارسيل في أواخر السبعينات والثمانينات قصائد لشعراء كثر أبرزهم محمود درويش الذي تمتزج في قصائده صورة المرأة الأم والحبيبة بالأرض والوطن، وكانت البدايات قصائد ريتا والبندقية - وعود من العاصفة، واستمر مارسيل يمزج موسيقاه بشعر درويش فكانت قصيدة أمي ثم جواز السفر أغنيات رددها العرب بعد النكسة، حيث صنع مارسيل ودرويش ثنائياً في الأذهان رغم أنهما لم يلتقيا إلا متأخراً.
اتجه مارسيل للموسيقي البحتة في التسعينات، فكانت معزوفة «جدل» حواراً بين العود القديم والعود الجديد وشاركه شربل روحانا في العزف، ثم ألف موسيقى تصويرية للعديد من مسرحيات عبد الحليم كركلا مثل «حلم ليلة صيف - الأندلس- الحلم المفقود أليسا - ملكة قرطاج».
استلهام القرآن
تعرض مارسيل في عام 2003م لدعوى قضائية في لبنان لأنه استلهم من القرآن قصة يوسف عليه السلام في أغنية أنا يوسف يا أبي وهي قصيدة لمحمود درويش عن فلسطين، وتمت تبرئته، ثم اعتبرته منظمة اليونسكو سفيراً للسلام عام 2004م بعدها قاد فرقاً أوركسترالية بها العديد من العازفين العالميين؛ لكن صوت نواب البرلمان البحريني 2007 م على التحقيق معه ومع قاسم حداد بشأن عرض «مجنون ليلى» في فعاليات مهرجان ربيع الثقافة في البحرين، حيث اتهم النواب الإسلاميون العرض بوجود إيحاءات جنسية، فأصدر بالاشتراك مع قاسم حداد بياناً يستهجن الإرهاب الفكري، وما زال مارسيل خليفة يؤلف الموسيقى ويغني بعدما تجاوز سن الستين وأشهر ألبوماته الموسيقية هي:
أحمد العربي - وعود من العاصفة -ع الحدود - سلام عليك - ركوة عرب- مداعبة - جدل العود - كونشرتو الأندلس - تصبحون على وطن - حلم ليلة صيف - بساط الريح - الجسر - سعادة - تقاسيم - أعراس - من أين أدخل الوطن - الله ينجينا من الآت - أغاني المطر - سقوط القمر- ريتا - شدو الهمة - أحن إلى خبز أمي - يطير الحمام.
أجرت الكواكب هذا الحوار مع مارسيل خليفة عقب حفله الساهر في مكتبة الإسكندرية في نهاية شهر يوليو الماضي...
كيف كانت بداية الرحلة؟
تدربت على الغناء مع جوقة الكنيسة وأنا طفل في بلدة عمشيت اللبنانية ولم تكن الموسيقي فقط ما يجذبني فقد كنت طفلاً عاشقاً للحياة أبحث عن رائحة الورد في صفحات المجلات، وأتوق لتذوق طعم الندى، وأهيم في حصة الرسم حيث تولد نجمة وبدر على صفحات الورق هيأنى حب الحياة لأحلم وفق طقوسها وخيالاتها، فكبرت على مهل رغم أني كنت وما زلت أريد القفز للغد بسرعة الصاروخ لكن حبت طفولتي مع القمر في ليال عارية... هواءها ساكن لا يحرك حتى أوراق الشجر، فتعلمت أن أرى وأسمع ألحان الطبيعة المرئية والمسموعة وتعودت على طاعة النغم.
لمن تغني؟
أغني للحب وليكون الأبيض لون قلوبنا... أغني لأجتاز الحقارة، ولنجمة الليل التي هي نجمة القلب... أغني لقمر الحب... أغني للحريّة والثورة الشاملة على الأنظمة البالية وحتى ثورة على الثورة وخيبات الثورات... أغني ضد من يتاجرون بدمائنا... أغني لوعد جميل مزروع في مستقبلنا لتبقى لدينا القدرة على الرؤية في الظلام.
ما هي الموسيقى بالنسبة لمارسيل خليفة؟
الموسيقى شريكة حياتي اعيشها يومياً وانهمك فيها كل لحظة... هي حلمي الجميل الذي يمنح حياتي معنىً خاصاً ولذة نادرة... لم اطلب في حياتي شيئاً آخر سوى الموسيقى فهي همي الوحيد وهاجسي الذي لا ينازعه هاجس آخر سوى الحب... عشت تجارب صعبة ومريرة حمتني منها الموسيقى ومنحتني قوة صمود وأمل... لذلك لم أُهزم داخلياً... منعتني الموسيقى أن انهار أو اتراجع... كتابة موسيقى سواء لقصيدة أو أغنية من أجمل وسائل تفادي اليأس، اكتب موسيقى تبني جنتي زهرة زهرة... وردة وردة... وكلما تمكنت من استدراج المستمع لهذه الجنة... تيسر لي بعض الاطمئنان بأن في الحياة متسع من الوقت للاتصال بمن يبحث عن ذاته في ذوات أخرى، أو في فتح الروح على أرواح أخرى وكلما شعرت برفقة المتلقي، تيسر لي الشعور بقليل من الثقة كي أذهب نحو تجربة جديدة، يشاركني خوف الخطوة التالية في كل عمل فني جديد دائماً حتى بعد أن انتهي منه... البحث يولد قلقاً لا ينتهي وخوف لا ينضب... لأن حلم المبدع بالعمل الخالد لا يتحقق، فأظل ابحث حتى يخرج العمل من بين يديّ فلا أستطيع شيئاً حياله حيث يتمرد عليّ ويصبح مشاعاً.
ما هو تأثير الأماكن عليك؟
سحرتني الأماكن وقيدتني بأزمنتها فكنت أقف على أبواب المدن المحاطة بالبؤس والشقاء... تملأ حياتها الأشواك، ويملأ سماءها هواء أصفر بطعم الغبار، لا يمنحها الحياة إلا البشر... شيخ مسن ينكت أرض الشارع بعصاه أراه أسداً يمضي بينما يمحو تراب الطريق والحذاء عمره... كلما دقت عقارب الساعة، ينقضي الوقت في الأماكن وتلسع الروح بالوجع... المدن حكايات... المدن نساء، وكل امرأة حكاية ومدينة وكل حكاية مشروع أغنية ولحن، تنشده عيون القادمين من المستقبل، وتغنيه فتهدر الأصوات تصنع إيقاعاً كامل التمام يحاذي الفرح والنور.
احببت مدينتي بيروت وكانت تستهويني فكنت اذرعها وحيداً في المساءات طليقاً تعوي قدمي في الفضاء منذ جئتها من بلدتي على صهوة حلمي المبلّل برذاذ الطفولة لأدرس في المعهد الموسيقي... أسير في دروبها وعيني تمسحان الناس والواجهات وسحرها الخرافي من شارع الى آخر، ثم أتى الرصاص والحرب، واتت اغنياتي العاشقات بعد حين لينتحرن على شرفة وتر تنقره الأصابع في جنون الموسيقى... سكنتني المدينة التي روضّت صوتي على الوداعة... اذرف اليوم دمعة على مدينة لا تشبهنا... ما الذي تغيّر حتى تنتصر البشاعة وهذا الاستسلام غير المشرّف للفوضى، وتنظيم المتاهة، ونسف اليقين الطاهر لفكرة الوطن الذي ضاع منّا، أو لأوطاننا التي ضاعت منّا؟ ما الفائدة في أن نعمّر في هذا الفراغ المرّ وكل شيء ينهار أو انها فعلاً؟ إزرف دمعة حارقة كصديد على مدننا العربية ورغم ذلك سأظلّ أغني لهذه المدن.
ما الذى دفعك لغناء شعر محمود درويش؟
عاش شعر محمود درويش معي من بداياتي للآن، وصنع مؤاخاة روحية بيني وبين درويش ساعدتني على كتابة موسيقى درامية أحبها الناس وغنوها معنا...مكثت سنوات عمري مع شعر محمود درويش أبحث كل يوم عن جديد فأجد، أنت تعيش معاناة تلقي بثقلها على الذاكرة كما الروح والجسد، فتحاول التخلص من أشياء عديدة ترمي بثقلها عليك فتتلاقى مع فكرة ترتبط بها، وتحاول أن تلتقط سنين الحياة التي تتساقط من شجرة العمر كثمار حان قطافها، فتقف مستدعياً كل شيء عرفته من جديد، وتشعر برغبة قوية في الإمساك بالزمن وأحداثه وتواريخه وانطباعاته، ورواية كل ذلك بجرأة وشجاعة... أنا أرتب أحلامي مع شعر محمود درويش، فتتدفق ذكريات ضاع بعضها مع الأيام فأستدعيها وأعيش معها والتقطها من الماضي، وأرغب في تسجيل الأحداث والانطباعات ورواية أحداث كل تلك السنوات التي عشت والتي ما زالت تلهمني حتى في تأليف الموسيقى البحتة كما في التأليف الغنائي الحر.
يصنف البعض أعمالك الفنية على أنها فن تحريضي.
لست من المؤمنين بأن للموسيقى والأغنية وظيفة تحريضية لأن الإبداع ليس وسيلة إعلامية إخبارية ولأن هناك آليات وأدوات تعبير مختلفة لإبداء المواقف والاستنكار والتعبير عن الذات؛ لذلك لا تميل أعمالي للكتابة الفورية ولكن تأتي في مرحلة لاحقة... أنا لا أصمد إنسانياً أمام مشهد الحروب والقتل في بلادنا ... ربما يكون لدى البعض القدرة على التفاعل المباشر ولكن لا بدّ من التأكيد على ضرورة عدم تجيير الإبداع أو توظيفه إعلامياً، فأنا أكون قلقاً جداً إذا كتبت موسيقى أو اغنية تلبية لانفعال قوي دون أن تتوفّر شروط اقتناعي فنياً بها فالأغنية لا تذهب إلى أي مكان غير الذي يأخذها الإنسان اليه... الأغنية حرّة بقدر حريّة مؤلفها.
شهد شبابك الحرب اللبنانية وعاصرت مراحل مؤلمة من الصراعات في بلد كان جنة فكيف رأيت ذلك؟!
أنا أكره العنف والحرب أسوأ أنواع العنف... سأحكي لك واحدة من أسوأ تجاربي مع الحرب حتى تعرف إلى أي حد أكرهها... كانت الراقصة الأولى أميرة ماجد تضيء عوالم الفرح في قصر الأونيسكو ببيروت، وحضرت الحفل وحين خرجنا من القاعة كان الظلام يعم بيروت، وأصيبت أميرة ماجد برصاصة اخترقت ظهرها وأقعدتها مدى الحياة... عدت إلى بلدتي الشتائية منكسراً وحزيناً وكان كل شيء في لبنان قد أصابه العطب، وتعطلت الحياة، وبدأت لبنان تعرف جولات المركبات العسكرية وكانت تجربة جديدة علينا، وبدأت مظاهر الحرب تُسقط ظلالها على كل لبنان ومنها بلدتي الهادئة، وأصبح منظر المسلحين غير المألوف يغدون، يروحون مشهداً عادياً، وانقطعت الطرقات، وأصبح بيتي هو سجني المحتجز فيه ليس معي سوى عودي وأشعار محمود درويش... هل اختفت الحرب اليوم من لبنان بعد عدة عقود؟ توارت... لكنها حاضرة فيما تركت من أثر على حياتنا وفي أرواحنا.
عرفت بداياتك انتماءً للحزب الشيوعي ثم انسحبت... لماذا؟
لم أحب التنظير الايديولوجي فقد تعرّض فنانون كُثر للاضطهاد الايديولوجي والمسخ والإلغاء، فأرهقتني هذه المسألة ونجوت من اضرارها المحتملة لأن الشك والأسئلة تُقلق المبدع، وتجعله قادراً على التحول المستمر وفعلاً حياً في الحياة وبعدها؛ عكس الأيديولوجية التي تصنع قيوداً ملزمة للشخص الأيديولوجي؛ حيث تُنتج شهوة الأسئلة الإبداع على عكس الأجوبة المستقرة الجاهزة القادمة من الماضي وهذا ما جعلني غير خاضع للأيديولوجيات، فلم أُقدسها وكان تحرري منها مبكراً لسبب فني فقد رفضت أن يكون لها أي تدخل في حريّة مخيلتي رغم دورها في تجربتي كممارسة يوميّة، فعشت أسهر على صياغة روحي دوماً فصرت حراً أكثر بمعنى الحريّة العميق.
هل توافق على تصالح المبدع مع النظم السياسية؟
طبيعة المبدع الحقيقي أن يكون متمرداً وخارج السلطة مهما بطشت أو تجرأت أو بالغت في العنف... في حالتي كنت قوياً بضعفي، ولم تقو أية قوة على تحطيمي أو التغلّب على روحي لأني كإنسان متماسك روحياً لا يستطيع أن يطاله أحد ابداً... كنت حراً بالفعل في مواجهة كل سلطة حاولت أن تقمع روحي، وتعلمت الزهد في الأشياء، واكتشفت قيمة الحب بصدق وبلا مقابل... كان هاجسي الحب وأن الحياة لا تستحق أن تعاش بغير الانتصار على كل ما هو ضد الحب والحرية... أنا مؤمن أن لا شيء يعادل الحرية والحب أو يضاهي الصدق... واجهت تجارب صعبة قاسية وعميقة جعلتني اتألم على واقع الشارع العربي... رأيت عذابات الناس في المهاجر وأوطانهم، وعانيت في وطني الصغير وهذا الوطن العربي الكبير دون أن أشعر بأي تغيير في شهوة الحرية مهما واجهت من هجرات قسرية واقتلاع من المكان... أعادت تجاربي تكوين كياني الإنساني روحياً ومعرفياً بعمق، وعرفت أن أكثر القضايا أهمية هي الحرية والحب والصدق والعدالة والأخلاق والفكر والفن الذين يجب أن يعيشوا في أفق رحب من الحرية المطلقة.
ألا ترى ضوءاً مشرقاً في آخر نفق واقعنا العربي؟
الإشراق! أين هو الإشراق؟ ماذا أصابنا؟ سنوات وأنا اصرخ "تصبحون على وطن." أين هو هذا الوطن؟ أين حرية التعبير؟ حرية التجديد مع الأصيل والجيّد من التراث... لا شيء جميل عندنا... كل المعتقدات خطأ... كل ما نفعله خاطئ... فلنخلخل الإيمان بكل المعتقدات الخاطئة لنغيّر عالمنا ليصبح أكثر جمالاً وسعادة فالعلّة داخل أرواحنا متوحشة وقاتلة... يستعبدنا لصوص الاحتكار ويزوّرون ويتاجرون بلحمنا الحي ونحن نأكل بعضنا البعض... سمسرة وعمالة وبنوك وتهميش وفشل في كل بلادنا من المحيط إلى الخليج... سرقوا كل شيء وشوهوه بدءاً من الله وانتهاءً بالشيطان حتى أصبحنا يعوزنا الأكسجين لنتنفس من اختناقنا الذي صنعه الإجرام الذي مورس على أرضنا والفظاعة التي ارتكبت والابتزاز والقتل.
هل يعني ذلك أن الأحلام ماتت؟
رغم مللنا من استمرار دورة الإرهاب والإرهاب المضاد إلى ما لا نهاية، وواقع دفع بنا الى أحط درجات الفقر والتآكل ومنتهى الانهيار، قضت فيه الحروب الصغيرة والكبيرة على أحلامنا؛ إلا أنني كلما اضعت حلماً حملني حلم إلى آخر وهذا هو الذي يضيئني... هذه الشعلة التي لا تنطفئ هي الحدس الغامر بوجود واقع آخر... أنا متمرد حتى على نفسي... لا يغريني سوى الاشتعال... أحب الأشياء متأججة كشعلة مقدسة وأنا مستعجل على كل شيء لذلك أحب ان امتطي الريح رغم سوداوية الواقع فأنا ما زلت أحلم لأننا بدون الأحلام نموت ولأن الأحلام أيضاً لا تموت.



آخر الأخبار