من السهل أن تبدأ حربا ولكن .. من الصعب أن تنهيها

26/09/2016 - 11:43:44

فيلم انتصار الشباب فيلم انتصار الشباب

كتب - يحيي تادرس

عزيزي القارئ إن كنت مقصرا في «رواية» أحداث الحرب فهذا مقصود لإثارة حماسك للبحث والقراءة لمعرفة بعض أوراق دفتر أحوال مصر في تلك المرحلة بالغة الأهمية في تاريخ مصر الحديث..
...
بدأت مصر تعاني من ويلات الحرب...
الطبقة الوسطي بدأ انهيارها نتيجة للغلاء الفاحش
... في فيلم العزيمة
عشرات اللافتات وعناوين معظم الصحف والمجلات كانت تحمل مانشيتات مفزعة
«لا توجد وظائف خالية»
......
علي الجانب الآخر نشأت طائفة من ذوي الضمائر الخربة استغلت الحرب لصالحهم وبدأت موجات متلاحقة من الغلاء الفاحش وفشلت الحكومات المتعاقبة في ملاحقتهم..
ما أشبه الليلة بالبارحة
... في السينما وقبل أن نستعرض أفلام عام 41 نلحظ أن هناك عددا محدودا من المخرجين تكررت اسماؤهم في العديد من الأفلام:
توجو مزراحي
الفرسان الثلاثة - ليلي بنت الريف
سي عمر.. نيازي مصطفي
إلي الأبد... كمال سليم.. لم يكن نجاحا يذكر
ألف ليلة وليلة.. توجو مزراحي
انتصار الشباب.. أحمد بدرخان
امرأة خطرة .. أحمد جلال
صلاح الدين الأيوبي.. إبراهيم لاما
فارق كبير بين إبراهيم لاما ويوسف شاهين في تناولهما لنفس الموضوع
مصنع الزوجات.. نيازي مصطفي
ليلي بنت مدارس.. نيازي مصطفي
عاصفة علي الريف.. أحمد بدرخان
عريس من اسطنبول.. يوسف وهبي
......
والآن نسدل الستار علي الأفلام ونفتحها علي أحداث الحرب وتداعياتها في العالم... وفي مصر 1941 - وأهمها
.... 8 يناير....
إعلان الحرب بين سيام «تذكرون فيلم أنا وملك سيام ميدل برايز...» والهند الصينية
.........
7 فبراير: الحلفاء يحتلون بني غازي
8 فبراير: تقرر انجلترا دعم اليونان عسكريا
وكم أقامت الجالية اليونانية في مصر احتفالات ضخمة بهذه المناسبة
2مارس: الجيش الألماني يدخل بلغاريا
31 مارس: هجوم روميل ضد الحلفاء في شمال إفريقيا
6 أبريل: الجيش الألماني يدخل فجأة إلي البلقان ويهاجم يوغوسلافيا واليونان 7-8 أبريل: الطيران الألماني يقصف بلجراد ويدمرها
13 أبريل: معاهدة صداقة وعدم اعتداء بين اليابان والاتحاد السوفيتي
26 أبريل: روزفلت «رئيس الولايات المتحدة يعلن أن قواته احتلت قواعد في جرين لاند
ملحوظة : كان قد أعيد انتخاب روزفلت بعد أن يمنح الانجليز 500 سفينة حربية
10 مايو: هروب هيس النازي رقم 3 بطائرة خاصة إلي بريطانيا «بدعوي تحيد بريطانيا ولكنه سجن وحوكم في محاكم نورمبرج فيما بعد»
10 - 13 مايو: ثورة رشيد علي الكيلاني علي الانجليز في العراق و... إخفاق الثورة
23 - 27 مطاردة البارجة الألمانية الجبارة «البسمارك» التي طالما ألقت الرعب في الأساطيل البحرية للحلفاء ويتم تحطيمها
28: بدء محاصرة ليتجراد والتي كانت تسمي من قبل بتروجراد ثم تغير اسمها إلي ليننجراد طبقا لتغيير زعماء الاتحاد السوفيتي
ملحوظة: بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عادت إلي اسمها القديم
...
8 أكتوبر: احتلال عدة مدن سوفيتية طريقا إلي موسكو «بعد انهيار معاهدة التحالف بين الاتحاد... وهتلر...
5 ديسمبر: الألمان يصلون حتي مسافة 25كم من موسكو ... رغم المقاومة الشديدة من الروس
7 ديسمبر: حدث هز الولايات المتحدة
«هجوم ياباني بحري جوي علي الاسطول الأمريكي في بيرل هاربر واليابان تصبح في حالة حرب مع الولايات المتحدة وبريطانيا العظمي
وهنا يبرز دور عائلة كاملة من الجواسيس التي كانت تقيم في بيرل هاربر وأمدت اليابان بمعلومات ساعدتها في إتمام هجومها الذي تحول فيما بعد إلي مادة ثرية لفيلم أمريكي يحمل نفس العنوان:
الجاسوسة الحسناء.. روث كوهين التي يرسلها «جوبلز» مع اسرتها وتستطيع بعلاقاتها الممتدة برجال الاسطول والطيران أن تعرف أهم وأخطر الأسرار التي شكلت بعد هجوم اليابانيين واحدة من أعظم كوارث الحرب وكانت سببا في دخول امريكا الحرب إلي جانب الحلفاء و.... تغيير موازين الحرب
ملحوظة: في هذا الهجوم المفاجئ يتم مقتل آلاف الجنود الامريكيين ومعظم مباني بيرل وتدمير 7 بوارج و200 طائرة كانت تقف علي الأرض.
و... رغم هذا وبعد كشف أمر تلك اليهودية الحسناء يتم إطلاق «روث» في واحدة من ألغاز حكايات التجسس والجواسيس...
المرجع: مجموعة كتب فريد الفالوجي عن أحداث الحرب الثانية
......
هذا عن العالم
... فماذا عن مصر؟
... بحثا عن أخبار الحرب كانت الإذاعة المصرية خاضعة لقيود الرقابة الصارمة..
وهنا يلجأ المصريون رغم الرقابة إلي الاستماع إلي الإذاعة الألمانية الناطقة باللغة العربية ومذيعها المتميز المذيع العراقي يونس بحري والذي كان يهاجم الحلفاء بضراوة وإلي جانب أخبار الحرب كانت تلك الإذاعة تبث ساعات مطولة من الموسيقي والغناء لأشهر المطربين والمطربات حينذاك أما الإذاعة البريطانية فكانت تتصف بالارستقراطية إذا تخاطب جمهورا أكثر ثقافة.
وبين الأحاديث التي لاقت سخرية المستمعين المصريين عن «مرض السل بين قطعان البقر البريطاني»
.....
الوزارات
15 نوفمبر 1940 - 31 يوليو 1941
وزارة حسين سري الأولي
ملحوظة: تولي حسين باشا رئاسة وزارته الأخيرة في 2 يوليو 1952ولم تدم سوي عشرين يوماً.. وبعدها يستقيل قبل قيام ثورة 52 بيوم واحد
....
في هذه الوزارة تناقش السياسة التي تبنتها وهي تجنيب مصر ويلات الحرب
لكن الموقف الدولي سرعان ما يزداد تقصيرا نتيجة للانتصارات الألمانية واقتحامها للحدود المصرية
....
وزارة حسين سري الثانية 31 يوليو 1941- 4 فبراير 1942
وقبلها يدعو الملك فاروق جميع الأحزاب المصرية للالتقاء به للاتفاق علي حكومة قومية «تضم ممثلين من كافة الأحزاب» لكن الوفد يعلن موافقته بشرط:
حل مجلس النواب القائم وإجراء انتخابات جديدة
....
أما «الشعب» فقد كان يشعر بكراهية متضاعفة للوجود البريطاني نتيجة النكسات الهائلة التي واجهها البريطانيون إلي جانب اشتداد الغارات الجوية علي المدن المصرية
....
وفي تقرير ينشره السيد مايلز لامبسون الذي يرسله إلي المستر انطوني أيرن «أحد قادة الحرب الخائبة عام 56 علي مصر:
يبدو أن هيبة الحكومة قد تدهورت ... وكان هذا مؤشرا لما يلي من أحداث شكلت فيما بعد تطورات غاية في الأهمية
....
هذا عن الحكومة فماذا عن جموع الشعب؟
كانت الحياة بعيداً عن وسط البلد في الاحياء الفقيرة - لا تتيح لهم مشاهدة أحد الجنود البريطانيين - الانجليز كما كانوا يسمونهم
....
الصلة الوحيدة مع الحرب كانت - كما ذكرت - عن طريق «الراديو» أما الجرائد «كانت الجريدة تباع بنصف قرش أي أن الجنيه الواحد يشتري «200» جريدة !
وهنا تبدأ موجة الشائعات التي يطلقها كل أطراف الحرب ومنها الألمان:
إن الانجليز هم السبب في اختفاء السلعة الأساسية خاصة السلعة الغذائية بما يلتهمه جنودهم من كميات هائلة من الطعام
...
ويرد المحور بأن هذا كله سيختفى لو انتصر الألمان خاصة أن هتلر قد أعلن إسلامه «نفس الخدعة التي سبق واستخدمها نابليون خلال حملته علي مصر!».
... ويطلق العامة علي هتلر عدة اسماء منها:
محمد حيدر أو هيدر....
أما قمة الشائعات وذكاء الألمان فكانت حين تشاهد القاهرة لأول مرة طابورا طويلا من الأسري الألمان في محطة السكك الحديدية ويبادر «الانجليز» بأن هذا دليل علي بداية هزيمة الألمان لكن الألمان يرددون بأن هؤلاء الأسري المزعومين قد أرسلهم هتلر إلي مصر ليكونوا في انتظاره .. حينما يصل إلي القاهرة!
....
ماذا يفعل الانجليز
يقومون بتشكيل هيئة من 350 من العلماء المصريين من شتي التخصصات ليعملوا علي نشر العديد من الشائعات لصالحهم لكن أطرف ما في الأمر أن هذه الهيئة كانت تستعين بقارئي البخت والطوالع والمجاذيب الذين يجلسون إلي جدار المساجد وينشرون بقرب انتصار الحلفاء!
....
لكن أخطر ما كان يواجه مصر - ليست الغارات وتغيير الوزارات ولكن الجريمة - ودور الأمن المتعاظم في مواجهتها والآن إلي تقرير وضعه د. عبدالوهاب بكر في كتابه القيم عن البوليس المصري 1942 - 1952:
... كانت متاعب مصر الاقتصادية الارتفاع المتوالي في أعباء المعيشة وفشل الحكومات في مواجهته ومنها:
اختفاء المنسوجات والوقود «الكيروسين» والذي كان يستخدم في لمبات الجاز والمواقد «وابورات الجاز.......» خلط دقيق القمح بدقيق الذرة
... اضطراب المواصلات
.. تزايد زحف الأهالي من القري إلي المدن - خاصة القاهرة
...
في ظل هذه الظروف.. بدأت ملامح موجات من الجريمة تغزو مصر
أمتعة الجيوش وعتادها مما يغري الفقراء بالسرقة
عربات الجيوش المحملة بالبضائع المكشوفة تغدو وتروح في الشوارع بلا حراسة
قوات محاربة تطوف الطرق وتغشى محال اللهو وتحتك بالأهالي
ظهور جرائم جديدة تهدد الاقتصاد الوطني مثل تزوير العملات الورقية والمسكوكات «العملات المدنية»
... بداية ظهور تنظيمات عصابية منظمة
.. كل هذا تستغل الحكومة الأحكام العرفية وتنشئ معتقلات خاصة بمن لا يرجي صلاحه «معتقل الطور»
....
وفي هذا العام تحديدا تظهر جرائم صدمت الرأي العام:
خطف الغلمان من المدن وتدريبهم علي النشل
رأيناه فى فيلمي النائب العام وأولاد الشوارع
استخدام السلاح في مهاجمة البنوك
وتزايد جرائم المخدرات الهيروين والحشيش والأفيون التي دمرت تحديدا حياة العديد من أهل الريف الذين وفدوا للقاهرة وبدأوا يعملون في خدمة الحلفاء ولما كان معظمهم يشكو من الانكلستوما والبلهارسيا فكانوا يستعينون بالمخدرات التي كانت تعطيهم «وهما» بالعافية التي تمكنهم من العمل
... وفي هذا العام 41 تبلغ كميات المخدرات المضبوطة 2491 كيلو جراما
...أما تهريبها فكان يتم عبر القطارات الحربية والسيارات العسكرية ... البريطانية!
... وكان لابد من استحداث وسائل حديثة وزيادة مرتبات رجال البوليس لمقاومتها
... عزيزي القارئ
أنا لست مؤرخا - لكنني قارئ نهم - أتجول بين العديد من الكتب والمراجع والموسوعات لأكتب رءوس موضوعات أملا مني - في أن أثير شهيتكم للقراءة والبحث في تلك الفترة العصيبة التي مرت بها مصر..
فإن كنت مقصرا في تغطيتها ....
فهذا مقصود!