اليمن تحت القصف الحوثى ومصيره أسوأ من العراق وسوريا

30/09/2014 - 10:01:21

صوره ارشيفيه صوره ارشيفيه

تقرير : إيمان عبدالله

بعد مفاوضات عسيرة وبرعاية أممية وقع الحوثيون اتفاقاً سياسياً مع السلطات اليمنية وسط مؤشرات لا توحى بالاطمئنان وفقاً للتجارب السابقة. توقيع الاتفاق لم يتم إلا بعد استعراض واضح للقوة نجح فيه الحوثيون فى بسط سيطرتهم على العديد من المؤسسات الحكومية السيادية مثل إذاعة صنعاء والبنك المركزى ومقر القيادة العامة بدعوى حمايتها من أعمال السلب والنهب . حالة من الهدوء الحذر تعيشها صنعاء بعد استقالة رئيس الوزراء ومحافظ صنعاء أملا أن يكون الاتفاق هو نهاية المطاف لإنقاذ اليمن من الانزلاق إلى هاوية الحرب الأهلية التى ستكون عواقبها أكثر دموية من العراق وسوريا.


وسط أنباء عن إرسال الحوثيين تعزيزات عسكرية جديدة لمحيط العاصمة صنعاء، وقع الرئيس اليمنى عبدربه هادى منصور مع جماعة انصار الله (الحوثيين) اتفاقاً سياسياً يحقن دماء اليمنيين . وتشمل بنود الاتفاق على وقف فورى لإطلاق النار وإنهاء مظاهر العنف وتعيين رئيس للوزراء خلال ثلاثة أيام وتشكيل حكومة كفاءات خلال شهر وكذلك خفض أسعار الوقود التى اتخذها الحوثيون مبرراً للأعتصام فى صنعاء . الصدام بين قوات الجيش والحوثيين جعل الأوضاع الأمنية تتفاقم وتخرج عن نطاق السيطرة.


اتسعت دائرة القتال لتتداخل فيها أطراف عدة فى المعادلة السياسية اليمنية فتحولت ساحات صنعاء إلى جبهتين : مناصرى الحوثيين وحلفائهم من القبائل وأنصار الرئيس اليمنى السابق من جهة ومؤيدى الجيش والرئيس وآل الأحمر أقوى القبائل اليمنية وميليشيات حزب التجمع اليمنى للإصلاح فى جهة أخرى. حرب الشوارع التى جرت فى العاصمة صنعاء وصلت حتى محيط منزل الرئيس عبدربه هادى منصور وأجبر القصف العنيف لأحياء صنعاء المئات من مواطنى العاصمة اليمنية البالغ عددهم 5،3 مليون نسمة على الفرار هرباً من لهيب المعارك . حدة المواجهات التى وصلت حتى مطار صنعاء دفعت شركات الطيران العربية والأجنبية لإلغاء رحلاتها من وإلى العاصمة اليمنية حتى إشعار آخر . ومع فشل الرئيس اليمنى فى التوصل لمبادرة تنقذ اليمن من أتون الحرب الأهلية، خرج الرئيس مرتدياً زيه العسكرى لأول مرة منذ 18 عاماً ليعلن أن الهجمات الأخيرة التى يقوم بها الحوثيون هى محاولة انقلاب للإطاحة بالدولة .


تصاعد وتيرة العنف والذى راح ضحيته حتى الآن مايقرب من مائة وخمسين شخصاً معظمهم من الحوثيين، دفعت جمال بن عمر المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة للتوجه إلى صعدة معقل الحوثيين لعقد مشاورات مع زعيمهم عبدالملك الحوثى فى محاولة لإقناعه بإنهاء المواجهات التى يخوضها الحوثيون مع قوات الجيش فى صنعاء ومحافظة الجوف شمال البلاد. وتتمثل مطالب الحوثيين فى التراجع تماماً عن قرار رفع الدعم عن المشتقات البترولية وإسقاط الحكومة التى يتهمونها بالفساد والبدء فى تنفيذ مخرجات الحوار الوطنى الذى يمنحهم امتيازات سياسية . جمال بن عمر المبعوث الأممى أعلن أن الحوثيين وقعوا بالفعل على اتفاق بدون شروط أو تحفظات. هذا الاتفاق الذى بدا هشاً منذ اللحظة الأولى شأن كثير من المبادرات السابقة لم تفلح فى وقف الاشتباكات على الأرض واستمرار تبادل الاتهامات بين كلا المعسكرين. ويلقى الكثير من اليمنيين بمسئولية تدهور الأوضاع فى اليمن على شخص الرئيس منصور هادى الذى ترك للحوثيين الحبل على الغارب فبعد أن كانت سلطتهم لا تتعدى معقلهم محافظة صعدة، امتدت إلى عمران ثم الجوف ليتواصل زحفهم حتى العاصمة اليمنية . وقد أخذ الحوثيون يشعرون بأنهم الطرف الأقوى بعد اختلال توازن القوى فباتوا يريدون فرض شروطهم واستخدام لغة السلاح لرفع سقف مطالبهم. الرئيس اليمنى. من جانبه اتهم الحوثيين بأنهم حاملو أجندات خفية ومشبوهة يرفعون شعارات كاذبة للعب بعواطف ومشاعر الفقراء وتشير السلطات اليمنية بأصابع الاتهام لإيران لسعيها تعميق الشعور المذهبى لدى الحوثيين الشيعة وتأجيج المشاعر بتقصير الدولة تجاههم وأنهم لم يأخذوا حصتهم من المشاركة فى السلطات .


ويتهم السياسيون فى اليمن السلطة بالتخاذل فى التعامل مع اعتصام الحوثيين فى صنعاء وتركهم المشكلة تتفاقم مما دعا الحوثيين لاستغلال قرار رفع الدعم عن المشتقات البترولية لإثارة غضب الشارع اليمنى من أجل تحقيق مطالبهم المتمثلة فى تحديد فترة زمنية لتشكيل حكومة وحدة وطنية يشاركون فيها مع الدعوة لعقد انتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة، ثم مالبث أن تحول الأمر من التظاهر لتحقيق المطالب إلى حرب انتقامية دارت رحاها للسيطرة على مقر الفرقة الأولى مدرع التى يقول الحوثيون إنها لاتزال تحت سيطرة اللواء على محسن الأحمر - مستشار الرئيس السياسى حاليا - والذى قاد فى السابق حربا طويلة ضدهم ويقال إنه فر بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء. كما وجه الحوثيون ضرباتهم الثقيلة أيضا ضد جامعة الإيمان التى يديرها الشيخ عبدالمجيد الزندان وهو من قياديى حزب الإصلاح السلفى الذى يعد من ألد أعداء الحوثيين، ويقول الحوثيون إن المواجهات الدائرة حالياً ليست بينهم وبين الدولة ولكن مع من أسموهم العناصر التكفيرية والإرهابية التى تضم أنصار القاعدة وداعش . ووفقاً لقناة بى. بى. سى فإن استخدام الحوثيين للدبابات للوصول إلى ساحة التغيير فى قلب العاصمة وكذلك توجيه ضرباتهم لمقر الفرقة الأولى مدرع وجامعة الإيمان بالمدفعية الثقيلة بات يثير الكثير من علامات الاستفهام حول مدى تواطؤ وزير الدفاع معهم. ويرى المحللون السياسيون أن الحوثيين الذين يملكون أكثر من مائة ألف مسلح باتوا يعبثون بأمن اليمن وأنهم ليسوا جادين فى التوصل لاتفاق حقيقى وأن الخطر الداهم الذى يهدد العاصمة اليمنية قد يدفع بالبلاد إلى شفا الحرب الأهلية . ويجد الرئيس عبدربه منصور هادى نفسه فى مأزق شديد لايحسد عليه . فالرئيس الذى وصل إلى السلطة بفضل المبادرة الخليجية التى أطاحت بالرئيس السابق على عبدالله صالح بعد 33 عاما من الحكم ليس له قاعدة شعبية كبيرة فى شمال اليمن كونه ينحدر من أصول جنوبية . ورغم سعيه لإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، لايزال العديد من قادة الجيش ينتمون إلى المذهب الشيعى ومن ثم فإن اتخاذه قرارا بشن حرب واسعة ضد الحوثيين قد يتسبب فى حدوث انقسام حاد داخل المؤسسة العسكرية . ومن جهة أخرى فإن هناك حالة من الإحباط المتزايد تجاه الرئيس من جانب السنة الذى يعتبرونه شخصاً ضعيفاً مكن الشيعة من بسط نفوذهم خلال عامين فقط من توليه السلطة. وقد فجر القتال الدائر حالياً بين الحوثيين الشيعة والقوات الموالية لحزب الإصلاح السنى أسوأ أزمة طائفية تمر بها البلاد منذ عام 2011 . عدم قدرة هادى على وقف زحف الحوثيين على العاصمة قد تدفع القبائل السنية للمطالبة بإقالته ، وفى الوقت نفسه فإن نشوب الحرب فى دولة مثل اليمن مدججة بالسلاح سيجعلها الأسوأ بين دول الربيع العربى لما تحمله طبيعة البلاد من أبعاد مذهبية وسياسية وعسكرية وقبلية ونزعات انفصالية وهجمات إرهابية من تنظيم القاعدة فى شبه الجزيرة العربية . أضف لذلك ظهور جماعات المصالح وتصفية الحسابات مثل أنصار الرئيس اليمنى السابق على عبدالله صالح. فرغم أن صالح تخلى عن الرئاسة طواعية إلا أن من الواضح أنه لم يتخل بعد عن نفوذه السياسى من خلال تمسكه حتى الآن برئاسة حزب المؤتمر الشعبى العام قائماً بكل أنشطته وربما يسعى صالح لاستثمار المناخ السياسى واستغلال موجة التذمر الشعبى ضد حكومة الوفاق لصالحه رغم تصريحاته فى أكثر من مناسبة بالالتزام ببنود المبادرة الخليجية . وقد كشف الرئيس منصور هادى فى لقاء مع شخصيات سياسية يمنية عن استمرار وجود تشكيلات عسكرية لاتزال تتلقى أوامرها من الرئيس المخلوع وربما يفسر ذلك انسحاب مجموعات من الجيش من أماكنها فى العاصمة ليبقى الطريق مفتوحاً أمام الحوثيين .


لقد أصبحت أزمة الحوثيين تمثل التحدى الأكبر الذى يواجه مرحلة التحول الديمقراطى التى تدعمها الأمم المتحدة فى اليمن فإذا ماتدخلت أطراف عربية أو دولية للسيطرة على القتال الدائر حالياً وتفعيل بنود الاتفاق الأممى فيصبح ذلك هو الأمل للدفع بمسيرة التغيير السلمى وترسيخ مبدأ الشراكة الوطنية وإعادة الأمن والاستقرار إلى البلاد وإلا فإن اليمن سيسقط فريسة لصراع القوة الذى سيقضى على الأخضر واليابس