مصر وتحدى بناء الصورة الخارجية زيارات الرئيس وحدها لا تكفى.. والمطلوب استراتيجية شاملة للدبلوماسية العامة

22/09/2016 - 1:43:24

بقلم : د. حسن أبوطالب

لم تعد المعارك قاصرة على جبهات القتال وحسب، بل شملت مناحى مختلفة مادية ومعنوية، والأبرز هنا ما يتعلق ببناء صورة ذهنية عن بلد ما يمتلئ بالوقائع المختلقة والتوجهات السلبية كمنهج متعمد للتأثير على مكانتها وسلب مناعتها الذاتية وتحييد دورها ومحاصرتها فى الدفاع الدائم عن نفسها. ومن قبيل العادات الإعلامية السيئة، وقبل أى حدث مصرى مهم، تخرج علينا وسائل إعلامية أمريكية وبريطانية شهيرة، ولأسباب مكشوفة، بنقد للرئيس السيسى خاصة ونظام حكم ٣٠ يونيه عامة.


رأينا ذلك فى التحليل الشهير لمجلة «الإيكونوميست» بعنوان «خراب مصر» قبل أيام معدودة من المفاوضات الرسمية بين بعثة البنك الدولى والمسئولين المصريين بشأن قرض الاثنى عشر مليار دولار للسنوات الثلاث المقبلة، كما رأيناه مؤخرا فى تحليلات ومقالات نشرت فى صحف ومواقع كبيرة كالإندبندنت البريطانية وهافينتجتون البريطانية وموقع المونيتور الأمريكى والواشنطن بوست الأمريكية، وذلك قبل أيام من مشاركة الرئيس السيسى فى أعمال الدورة الـ ٧١ للجمعية العامة للأمم المتحدة، والتى تضمنت لقاءات مع قيادات ورؤساء دول كبرى، ورئاسة اجتماعات لرؤساء أفارقة، فضلا عن حوارات مع وسائل إعلام أمريكية ورؤساء شركات أمريكية كبرى. وبينما تُعد مشاركة الرئيس السيسى فى كل هذه الأنشطة دليلا على أن دور مصر نشط واتساع مجالات تحركاتها الداخلية والخارجية، وتصحيحا لكثير من المغالطات التى ألحقت بالصورة الذهنية لمصر فى الخارج، لاسيما بعد ٣٠يونيه، فما تزال عديد من المصادر الإعلامية الدولية مُصرة على نظرتها السلبية غير المبررة لمجريات الأمور المصرية.


علامة خاصة


الصورة الذهنية لبلد ما هى العلامة الخاصة التى تميز بلدا عن آخر، هنا يلعب الإعلام الدور البارز فى تحديد ملامح هذه الصورة الذهنية، سواء الإعلام الخارجى أو الإعلام الداخلى، جنبا الى جنب وسائل التواصل الاجتماعى والتى تموج فيها المعلومات دون تمحيص وتتلاعب فيها اللجان الإلكترونية المعادية بالوقائع والحقائق تلاعبا محسوبا ولخدمة أهداف محددة كثيرا ما تغيب عن المتلقين العاديين لهذه المعلومات المغلوطة. فضلا عن التقارير والدراسات التى تنشرها مراكز البحوث وتتعمد أحيانا وضع الأمور فى غير سياقها الطبيعى. وكل هذه الوسائل تسهم بدرجات معينة تختلف بين لحظة تاريخية وأخرى فى تشكيل الصورة الذهنية لبلد أو لكيان، وتوجهها العام سلبا أو إيجابا، حقا أو زيفا، مبالغة أو واقعا. وما بين الحقيقة والزيف هناك مسافة واسعة للغاية وينفذ منها الكثير من التأثير والكثير من الضغوط والكثير من التحديات.والتحدى الأكبر أن إطلاق معلومة غير صحيحة يحقق تأثيرا سلبيا مباشرا، بينما الرد المفعم على هذه المعلومات المغلوطة يأخذ وقتا أطول للوصول الى التصحيح المطلوب.


مصر ليست استثناء من تحدى الصورة الذهنية التى يرسمها إعلام دولى نافذ، ويسهم فى تشكيلها بطريق غير مباشر إعلام محلى مرتبك ومتنوع المصالح والأيديولوجيات. وللأسف الشديد فإن صورة مصر الخارجية خاصة منذ ٣٠ يونيه ٢٠١٣ أقل ما توصف به بأنها ليست على ما يرام أو أنها تجافى الحقيقة، وفى الصميم فهى صورة مُفعمة بالمغالطات وقائمة على تزييف الواقع والمبالغة فى تصوير أقل خطأ عابر وتجاهل أى إنجاز كبير، وفى كل الأحوال فهى تعكس وجهة نظر أساسها معاقبة مصر شعبا وحكومة ورئيسا. ولا يعنى ذلك أن مصر خالية من الأخطاء أو أن واقعها وردى الحالة، فالإنصاف يقتضى منا أن نؤكد على وجود كثير من الأفعال غير المبررة والكثير من المشكلات والكثير من الوقائع المؤلمة بشكل عام والتى يُستند إليها فى تضخيم صورة مصر السلبية، ولكن دون ذكر أن هناك جهدا كبيرا يُبذل للإصلاح والتطوير، وأن هناك جهودا كبيرة تُبذل من أجل تجاوز ميراث عقود ستة متتالية لا يرضى أبدأً بالرحيل الطوعى، بل من خلال معركة طويلة المدى تحتاج إلى إستراتيجيات مواجهة شاملة قد تتخلف فيها بعض الجوانب نظرا لندرة الموارد البشرية المؤهلة والموارد المالية التى لا غنى عنها.


٣٠ يونيه علامة فارقة


لقد كانت ثورة الشعب المصرى فى ٣٠ يونيه على حكم جماعة الإخوان علامة فارقة فى معركة الصورة الذهنية الخارجية لمصر، والتى بدورها مرت بأكثر من مرحلة فرعية، كل منها استند إلى أحداث كبرى. ففى المرحلة التالية مباشرة لثورة ٣٠ يونيه تشكلت صورة مصر الجديدة على غير الواقع، فبينما آمن المصريون بأنهم أصحاب ثورة شعبية أيدتها مؤسسات الدولة، قضت على حكم جماعة لم تؤمن قط بالدولة المصرية ومؤسساتها ولا بالحقوق المتساوية لكل المواطنين، إلا أن هذ التوجه الشعبى تم إهماله والتلاعب به، وتم تصوير ما جرى باعتباره انقلابا قاده عسكريون كبار من أجل مصالحهم الخاصة، وأن النظام الجديد هو نظام إقصائى ذو طابع استبدادى لا يمت إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان بصلة. وهى صورة تأثرت قطعا بحلفاء الجماعة فى الخارج، والذين قدموا الكثير من الدعم لتثبيت هذه الصورة المغلوطة عن مصر وشعبها من خلال تحركات سياسية محسوبة وجهود إعلامية جبارة كجزء من عملية أكبر لإسقاط النظام واستعادة نظام الإخوان مرة أخرى لحكم مصر وفقا لتخيلاتهم وأوهامهم.وقد تم توظيف مشكلات المرحلة الانتقالية فى تثبيت هذه الصورة الذهنية، خاصة عام الحكم الانتقالى برئاسة رئيس المحكمة الدستورية العليا المستشار عدلى منصور،وهو العام الذى شهد بدوره وقائع درامية أبرزها إنهاء اعتصام الإخوان وحلفائهم فى ميدانى رابعة والنهضة بالقوة بعد مناشدات عديدة لإنهاء الاعتصام طواعية، لكنها لم تجد آذانا صاغية ولا عقولا صافية، فما كان سوى الدواء المر.


وبالرغم من إنجاز كل استحقاقات المرحلة الانتقالية، كصياغة الدستور والاستفتاء عليه ثم الانتخابات الرئاسية وبعدها بعام الانتخابات البرلمانية وتشكيل برلمان يعكس التوجهات الحقيقية للمصريين، وهو ما كان يفترض أن يؤدى إلى تصحيح الصورة الذهنية البائسة التى تم تشكيلها لمصر وثورة شعبها، إلا أن الاتجاه العدائى العام لم يتغير، وبدأت مرحلة فرعية ثانية تم فيها تجاهل الدلالات المهمة لما حدث، خاصة بناء المؤسسات كالرئاسة والبرلمان عبر انتخابات حرة ونزيهة، جنبا إلى جنب التركيز على بعض التعثر فى ملف أو آخر مع تجاهل التغيرات الكبرى فى ملفات رئيسية أخرى، وأخذ ملف حقوق الإنسان يتصدر عملية تشويه الواقع المصرى الجديد، وذلك من خلال طرح منظور جزئى يتعلق بحق التظاهر المطلق بلا أية ضوابط قانونية كما هو معمول به فى كافة بلدان العالم، مع تجاهل تام للنظرة الشاملة لحقوق الانسان التى استندت إليها التحركات والسياسات الرسمية كالحق فى الحياة والحق فى الأمن والحق فى العدالة الاجتماعية والحق فى البيئة النظيفة، فضلا عن تجاهل تام لطبيعة مواجهة الإرهاب العابر للحدود وهى المعركة التى فُرضت على مصر وشجعتها دول وأجهزة استخبارات كبرى، وما زالت تجرى حتى اللحظة وتتحمل فيها مصر تضحيات بشرية كبرى وتكلفة مادية عالية، ولكنها لا تجد أدنى تقدير من الخارج.


ونظرا لأن عملية تشويه الصورة الخارجية لمصر لم تحقق أهدافها الكبرى الرئيسة خاصة كسر التلاحم الشعبى مع نظامه الجديد، أخذت مفردات التشويه تتسع لفرض قناعة بأن البلاد تتجه إلى الخراب الشامل والسقوط المدوى وأن المسئولية تقع على الرئيس السيسى وما سمى بسياساته الاقتصادية وابتعاده عن الشباب، كما جاء على سبيل المثال فى تحليل مجلة الإيكونوميست قبل أربعة أسابيع، وهو التحليل الذى تجاوز كل الأعراف المهنية وطالب بعدم ترشح الرئيس السيسى لدورة ثانية وفقا لما ينص عليه الدستور المصرى. والمفارقة الكبرى فى مثل هذا التحليل وغيره من تحليلات سياسية تظهر بصورة متتابعة فى الإعلام الأمريكى والغربى بشكل عام، أنها تجاهد فى سبيل تثبيت صورة خراب مصر ولا ديمقراطيتها فى وقت ترى فيه الحكومات الكبرى والمؤسسات المالية الشهيرة أن هناك خطوات إيجابية كبيرة يتخذها النظام الجديد بهدف الإصلاح والتطوير ومواجهة الفساد، وأن الشعب المصرى رغم تحمله فاتورة الإصلاح وتأثر مستوى معيشته اليومية بهذه الإجراءات كرفع الدعم عن الكهرباء وفرض قانون القيمة المضافة وارتفاع الأسعار بوجه عام، إلا أنه يُبدى تجاوبا كبيرا رغم المعاناة اقتناعا بأن هذه الإجراءات تصب فى النهاية فى مصلحته ومصلحة الأجيال المقبلة.


الإصرار على تشويه مصر والمبالغة فى تصوير بعض الوقائع الجزئية العابرة ارتبط أيضا باصطناع وقائع لم تحدث، والمثل الأكبر هنا اعترافات جريدة «الجارديان» البريطانية فى مايو الماضى بأن مراسلها فى القاهرة قام بفبركة العديد من التقارير عن أحوال مصر، وأنه استند إلى مصادر غير موجودة وادعى حوارات لم تحدث مع شخصيات مهمة، وأنه خان الثقة التى أولته له الجريدة، والتى قامت بحذف أكثر من ١٣ تقريرا عن مصر نشرت فى الفترة ما بين ٢٠٠٩ حتى ٢٠١٣ بعد أن تأكد لها أنها تقارير غير موثوقة ومفبركة. وبالرغم من الدلالة المهمة لهذا الاعتراف فإن الجريدة لم تعتذر عن هذا الخطأ الفادح بحق مصر وشعبها.


ما العمل؟


هذا التتابع فى تشويه مصر ورئيسها لن يتوقف، وهو ما يفرض علينا جميعا السؤال الشهير ما العمل؟


بداية فمن المهم التذكير بأن مهمة تصحيح صورة مصر فى الخارج، أو بالأحرى بناء صورة ذهنية واقعية تمزج بين التحديات وبين الإصلاح والتطوير ليست فقط مهمة ذات طابع رسمى وحسب، بل هى مهمة مركبة ومتداخلة بين أكثر من جهة وأكثر من مؤسسة. ولا شك أن مصر بحاجة إلى استراتيجية بعيدة المدى ليس فقط لتصحيح صورة مصر الخارجية الراهنة، بل لبناء صورة واقعية تتسم بالديناميكية والشفافية تقدم مصر كما يفترض أن تكون. الحديث عن هذه الإستراتيجية بات أمرا ملحا، وهو ما تم رصده فى مطلع هذا العام، ففى مارس الماضى التقى الرئيس السيسى برئيس الوزراء وعدد من الوزراء لبحث تصحيح صورة مصر فى الخارج، ومواجهة عمليات التشويه المتتالية من خلال جهد بعيد المدى ومشاركة كل الجهات المعنية بما فى ذلك مؤسسات المجتمع المدنى. وقد تصدى المجلس الأعلى للثقافة لهذا التحدى من خلال اجتماع تشاورى شارك فيه ممثلون لعدد من الوزارات كالثقافة والتعليم والهجرة والتعليم العالى واتحاد الإذاعة والتليفزيون والأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والأزهر والكنيسة الإنجيلية وعدد من الإعلاميين والأكاديميين وناشطين فى مؤسسات مجتمع مدنى وبعض النواب، وفيه تم عرض الإستراتيجية المقدمة من المنظمة العربية للحوار والتعاون الدولى لمواجهة التشويه الذى تتعرض له مصر فى الإعلام الخارجى.


من الأفكار إلى البرامج العملية


ولا شك أن هذه الجهود الفكرية والنظرية مهمة ولكنها تظل بحاجة الى برامج محددة وموارد بشرية، جزء منها تطوعى وجزء آخر محترف ومتفرغ لهذه المهمة الكبرى، فضلا عن موارد مالية يجب توفيرها بأى شكل كان، سواء من خلال عمل صندوق خاص تطوعى، أو من خلال مخصصات مالية محددة فى الموازنة العامة للدولة، أو من خلال الأمرين معا نظرا لجسامة المهمة واتساع مجالاتها. وهذا هو الأفضل والأكثر تأثيرا.


وفى هذا السياق يتصور البعض أن مهمة تصحيح الصورة مصر الخارجية هى مهمة تقتصر فقط على الهيئة العامة للاستعلامات، وفى ذلك ظلم كبير للهيئة وتفريغ المهمة من أبعادها المختلفة. ولا شك أن هناك دورا على الهيئة أن تقوم به، غير أن السؤال الأكبر هنا يتعلق بمدى توافر الموارد للهيئة لكى تكون لاعبا رئيسيا فى هذه المعركة الكبرى. وللأسف الشديد تتعرض الهيئة إلى ضغوط كبيرة منذ تم فى عهد الإخوان تقليص ميزانيتها وإغلاق العديد من المكاتب الخارجية بحجة ترشيد الإنفاق، وهو النهج الذى استمر لاحقا بحجة تقليص الإنفاق الخارجى، حيث تم إغلاق أكثر من ٥٢ مكتبا، والإبقاء فقط على ١٥ مكتب إعلام خارجى فقط فى عدد من العواصم الرئيسية، وتفتقر هذه المكاتب إلى العناصر الإدارية المساعدة وتعمل بأقل الموارد المالية، ولا تتوفر للقائمين عليها أية موارد للتواصل المستمر مع الرموز والمؤسسات الإعلامية فى البلدان التى يعملون بها، مما يجعل قدرتهم على التأثير محدودة مقارنة بما تقوم به جماعة الإخوان وتنظيماتها الحليفة فى البلدان الأوربية حيث المقرات الكبيرة والإنفاق الهائل واستقطاب إعلاميين وصحفيين ينقلون ويرددون وجهة نظر الجماعة بدون تردد. وهو ما يتطلب إعادة النظر فى نهج تقليص موارد الهيئة وإفساح المجال لإعادة فتح العديد من المكاتب الإعلامية لا سيما فى البلدان الإفريقية وبما يساعد على تعميق العلاقات مع هذه الدول المهمة مثل كينيا وأوغندا فى تنزانيا، والسنغال، وجنوب السودان، وكينيا، وكينشاسا وغيرها من الدول التى لا يجب الغياب الإعلامى عنها نظرا لأهميتها للمصالح المصرية الإفريقية بعيدة المدى.


تأثير زيارات الرئيس الخارجية


وفى الحقيقة فإن زيارات الرئيس الخارجية لاسيما فى الولايات المتحدة والدول الأوربية، والتى تصاحبها فعاليات شعبية من قبل الجاليات المصرية المقيمة للترحيب بالرئيس وإظهار التأييد لنظام ٣٠ يونيه ومواجهة الفعاليات المضادة التى تقوم بها جماعة الإخوان وحلفاؤها المناهضون لمصر ورئيسها، هو أمر إيجابى ولا يخلو من دلالات مهمة، على الأقل تؤكد أن وجهة نظر الإخوان ليست الوحيدة فى الساحة، والمؤكد أنها ليست الأكبر والأعلى صوتا. والمشكلة هنا أن هذه الفعاليات تظل مرتبطة بحدث زيارة الرئيس، فى حين أن المطلوب هو فعاليات مستمرة طوال العام، وهو ما لن يتحقق إلا من خلال جهد دبلوماسى رسمى وشعبى متواصل، يستهدف كل صناع الرأى فى البلدان الأوربية والولايات المتحدة سواء أشخاصا ذوى حيثية إعلامية أو أكاديمية أو مؤسسات إعلامية أو صحف ومراكز بحوث وجامعات وأحزاب وجمعيات مدنية.


فمصر معنية أولا وأخيرا ببناء حالة دائمة يتفهم فيها الآخر الأوربى والأمريكى ما الذى يجرى فى مصر، ومدى التنوع السياسى والمجتمعى القائم فيها، وطبيعة التحديات التى يواجهها المجتمع والدولة وطبيعة الجهود التى تبذل لمواجهة تلك التحديات. كما من الضرورى أن تتفهم مراكز الأبحاث السياسية والأمنية التطورات المصرية بكل تعقيداتها وبكل مساراتها المحتملة، وأن يتعرف الفنانون والمثقفون فى البلدان المختلفة على واقع الفن والثقافة فى مصر ومدى ارتباطه بما يجرى من تطورات سياسية واجتماعية وفكرية. وكل ذلك لا يتأتى إلا من خلال وفود شعبية وأكاديمية وفنية وإعلامية تتواصل مع نظرائها بين الحين والآخر من خلال فعاليات دورية حتى تحقق أهدافها وهو بناء صورة ذهنية واقعية عن مصر وأحوالها.


صندوق تطوعى للتواصل الشعبى


وبالقطع فإن مشكلة تمويل مثل هذه الفعاليات المتكررة والدائمة تعد عقبة كبرى، ولذا فمن المهم التفكير فى إنشاء صندوق تطوعى لدعم التواصل الشعبى، ويا حبذا أن يكون بعيدا عن أى دور حكومى، ومن خلال تبرعات المصريين وفى مقدمتهم رجال الأعمال الذين يدركون بأن زيادة استثماراتهم فى الداخل وفى الخارج ومن خلال شراكات دولية كبرى تتأثر أيضا بصورة مصر سلبا أو إيجابا، وأن تصحيح التشوه المتعمد لصورة مصر هو عمل وطنى من طراز رفيع. وما نقترحه ببساطة أن يكون هناك تواصل دائم ومنظم وجهات مدنية وشعبية تقوم على رعايته يقابلها جهات ومنظمات ومؤسسات فى البلدان الأخرى التى تريد أن تفهم وأن تتعرف بوعى وبدون غرض على المجريات المصرية. وهنا يمكن للجاليات المصرية فى هذه البلدان أن تلعب دورا تنسيقيا يسهل المهمة المطلوبة ويوفر الاساس المعلوماتى الدقيق للتحرك الفعال، وبذلك يتحقق المزيد من التواصل البناء وتوظيف التوجهات الوطنية الخالصة للمصريين فى الخارج.


ولا يغيب عنا الدور الذى يقوم به البرلمان فى الدفاع عن مصر وصورتها فى الخارج ومواجهة التشويه المتعمد الذى يخرج أحيانا من كيانات برلمانية كبرى كالبرلمان الأوربى الذى أصدر بيانات مجافية للحقيقة بشأن أوضاع حقوق الإنسان فى مصر. وقد لعبت بالفعل لجنة العلاقات الخارجية فى عدد من المناسبات دورا مهما فى التواصل مع اللجان المناظرة لها فى برلمانات مختلفة، كالبرلمان الإيطالى الذى عبر عن غضبه أكثر من مرة بشأن تحقيقات الطالب المغدور ريجينى. وهو التواصل الذى وضع الأمور فى سياقها الصحيح. والمطلوب مزيدا من هذه الأنشطة والحركات خاصة بعد أن استعادت مصر عضويتها فى الاتحاد البرلمانى الدولى فى مارس الماضى والبرلمان الإفريقى وغيرها من الكيانات البرلمانية ذات الطابع الإقليمى والدولى.


مهمة صعبة وليست مستحيلة


ما سبق يؤكد ما هو معروف لدى المتخصصين، فعملية إعادة تشكيل صورة مصر الخارجية فى إطار متوازن يعكس تفاعلات الواقع المصرى كما هو بمشكلاته وتطلعاته ليست بالأمر الهين، وليست مسئولية جهة أو مؤسسة واحدة فى مصر أيا كانت هذه الجهة وأيا كانت هذه المؤسسة، إنها مسئولية مشتركة بين الجميع بداية من الرئيس شخصيا وكل ما ينتمى الى مؤسسة الرئاسة، ومرورا بالأداء الحكومى العام خاصة ما يُعرف بالوزارات السيادية كالخارجية والدفاع والداخلية والعدل، ومصحوبا بالأداء البرلمانى والذى يعكس بدوره توجهات عموم المواطنين من خلال نوابهم المنتخبين تجاه بلدهم ومصالحها العليا، ونهاية بأداء كل من ينتمى إلى المجتمع المدنى من أحزاب وإعلام وجمعيات أهلية ومنظمات تعنى بحقوق الإنسان ومراكز البحوث والجامعات ومجتمع الأكاديميين والفنانين والشخصيات العامة، وهم الذين يشكلون البنية الأساسية للقوة الناعمة لمصر. إنها أقرب الى عمل حربى دائم ومستمر، يحتاج التخطيط والموارد والتنفيذ المتأنى والمتابعة الدائمة التى لا تكل ولا تمل. وبالقطع إنها ليست جولة أو معركة واحدة وتنتهى، بل جولة تلو أخرى، وفى كل الأحوال إنها معركة النفس الطويل.