كيف ستنفق الحكومة قرض صندوق النقد الدولى؟

22/09/2016 - 1:17:09

بقلم: عبدالقادر شهيب

تنوعت واختلفت ردود الفعل على الإعلان على الاتفاق المبدئى بين مصر وصندوق النقد الدولى والذى يقضى بحصولها على قرض مقداره ١٢ مليار دولار على ثلاث سنوات مقابل التزامنا بتنفيذ برنامج إصلاح هيكلى مالى واقتصادى يتضمن تخفيضًا لعجز الموازنة والدين المحلى بعد تخفيض الإنفاق العام من خلال تخفيض الدعم أساسًا وزيادة الإيرادات العامة من خلال الضريبة المضافة أساسًا.. فهناك من رفضوا هذا الاتفاق من حيث المبدأ وفى المقابل هناك من أيده ودافع عنه بحماس باعتباره ضرورة تحتاجها مصر ليس فقط للحصول على قرض كبير، وإنما أيضًا للحصول على دعم الصندوق لبرنامجها الاقتصادى وبالتالى لاقتصادها.. وما بين هؤلاء وهؤلاء كان هناك الموافقون بتحفظ والذين اتخذوا موقف الترقب.. ولكن ما جمع بين كل هؤلاء الذين اختلفت مواقفهم وتنوعت هو المطالبة بضرورة إعلان الحكومة مسبقًا مع توقيع هذا الاتفاق بعد أن تقره إدارة الصندوق على الطريقة التى سوف تتصرف فيها بقرض الصندوق الكبير والذى يبلغ فى السنة الواحدة نحو أربعة مليارات جنيه سوف يتكرر لنحو ثلاث سنوات معًا، أو كيف ستنفق الحكومة هذه الأموال التى سوف تحصل عليها من الصندوق ومن جهات وهيئات تمويل أخرى تسعى الحكومة للحصول على مزيد من القروض منها، وذلك لسد الفجوة التمويلية التى لا يكفى قرض الصندوق سوى لسد قدر منها «نحو نصفها» فقط.


ماذا سوف تفعل الحكومة بقرض الصندوق وفى أى وجوه سوف تنفقه هذا هو السؤال المطروح الآن على الحكومة والذى يتعين أن يكون لديها إجابة شافية وتفيصلية وبالأرقام والبيانات والمعلومات الدقيقة قبل أن تذهب باتفاقها المتوقع إبرامه مع الصندوق فى غضون الأسابيع القليلة المقبلة إلى البرلمان للحصول على موافقته على هذا الاتفاق فى المقابل يتعين على البرلمان أن يحصل على إجابة هذا السؤال قبل أن يمنح موافقته للحكومة على مثل هذا الاتفاق.. فإن قرض الصندوق مختلف عن قروض البنك الدولى التى تكون دائمًا مخصصة لتمويل مشروعات واستثمارات وأعمال محددة سبق الاتفاق عليها سلفا بين البنك والدولة المقترضة.. أما قرض الصندوق فإنه لا يتم فيه ذلك، وإنما يخصص لهدف عام هو مساعدة الدولة التى تبرم اتفاقًا مع الصندوق على سد الفجوة التمويلية الموجودة لديها وتعانى منها اقتصاديا.. ومن هنا أثار البعض تخوفات من أن تلجأ الحكومة لاستخدام المليارات من الدولارات التى ستحصل عليها من صندوق النقد الدولى فى تغطية العجز الذى تعانى منه فى مواردها من النقد الأجنبى لإصلاح أحوال العجز فى الميزانية دون أى يتم إصلاح هيكلى حقيقى فى اقتصادنا فتجد نفسها أو تجد أى الحكومة سوف تأتى بعدها نفسها فى احتياج لمزيد من القروض والتمويل الخارجى مجددا مضافًا إليه أعباء دين خارجى تزايد نتيجة لما سبق أن حصلت عليه من قروض.


وهؤلاء يذكروننا بما حصلنا عليه فى السنوات الأخيرة التى أعقبت ٢٠١١ من أموال عربية تعد بمقياس التدفقات المالية العربية قبل يناير ٢٠١١ كبيرة وضخمة رغم هذه التدفقات زاد العجز فى الموازنة وزاد بالتالى معدل التضخم، وأيضًا زادت الديون المحلية حتى اقتربت من جملة كل الناتج القومى، كما زادت أيضًا الديون الخارجية، وفى ذات الوقت انخفضت احتياطيات النقد الأجنبى التى يحتفظ بها البنك المركزى من ٣٦ مليار دولار فى يناير ٢٠١١ إلى نحو ١٧ مليار دولار فقط فى أغسطس ٢٠١٦ وكان السبب أن استخدمنا معظم ما حصلنا عليه من أموال عربية فى تمويل وارداتنا الأساسية من الخارج، وعلى رأسها وارداتنا البترولية فضلًا بالطبع عن نحو ٢٠ مليار دولار من احتياطياتنا لدى البنك المركزى، ومع ذلك انخفضت قيمة الجنيه المصرى نتيجة لشح فى النقد الأجنبى مازلنا نعانى منه حتى الآن.


وحتى إذا اعتبرنا أن الفترة التى عشناها منذ عام ٢٠١١ وحتى الآن هى فترة استثنائية بكل المقاييس التاريخية نظرًا لأنها شهدت انتفاضتين واسعتين فى حياة شعبنا وتغييرًا لمرتين فى نظام الحكم، افتقادًا للأمن لوقت ليس بالقصير، عنف وإرهاب واسع مازلنا نواجه بعضه بضراوة خاصة فى سيناء، ولذلك لا يصح المقارنة بها أو القياس عليها.. فإن لدينا تجربة مصر مع صندوق النقد الدولى خلال حكومة د.عاطف صدقى التى أبرمت اتفاقًا مع الصندوق حصلت بمقتضاه على قرض منه وارتبط بذلك أيضًا إبرام اتفاقات استثنائية بعد حرب تحرير الكويت قضت بإسقاط كل الديون العسكرية وديون عربية علينا، بالإضافة إلى إعادة جدولة الديون المستحقة علينا لمجموعة دول نادى باريس.. فقد حقق كل ذلك بعض الاستقرار النقدى والمالى وأيضًا الاقتصادى لمصر فى سنوات التسعينيات، لكنها عادت مع نهايتها فى أواخر أيام حكومة د. الجنزورى وفى كل أيام حكومة د. عاطف عبيد لتواجه ذات الأزمة بذات أعراضها وهو تزايد العجز فى الموازنة وزيادة الديون المحلية وندرة وشح النقد الأجنبى وانخفاض الجنيه المصرى..


ولذلك يخشى هؤلاء أن يكون اتفاقنا مع الصندوق والقرض الكبير الذى سوف يتيحه لنا هو مجرد مسكن لآلام الاقتصاد المصرى لفترة من الوقت.. ثم تعود ريما إلى حالتها القديمة.. أن نعود لنعانى ذات الآلام ونبحث عن قروض أو مساعدات مالية جديدة ترفع من رقم ديوننا الخارجية وتزيد بالتالى أعباؤها علينا.. ومن هنا تأتى أهمية الأسلوب أو الطريقة التى ستنفق بها الحكومة قرض صندوق النقد الدولى وما ستحصل عليه من أموال إضافية من مصادر أخرى لتدبر قرابة عشرين مليار دولار لسد الفجوة التمويلية التى قدرتها.


فإذا استخدمنا هذه الأموال بذات الطريقة السابقة التى استخدمنا بها ما توفر من تمويل خارجى وتحديدًا عربى بعد ٢٠١١ أى فى تمويل استيراد احتياجاتنا الأساسية من الخارج لن نحصل فى نهاية المطاف إلا على ذات النتيجة التى سبق أن حصلنا عليها ما دامت المقدمات واحدة، وهى مزيد من الأزمات الاقتصادية الحادة.


أموال الصندوق وأية أموال أخرى سوف نحصل عليها هى أموال ضرورية ليست فقط لدعم احتياطاتنا من النقد الأجنبى وبالتالى زيادة قدرة البنك المركزى على مواجهة المضاربات المتعمدة والممنهجة على سعر الجنيه وإنما يتعين أن تكون وسيلة لمساعدتنا على تحقيق إصلاح هيكلى اقتصادى حقيقى ونحن آمنون من شح النقد الأجنبي.


وهذا الإصلاح الاقتصادى الحقيقى ليس له سوى دعامتين أساسيتين.. الأولى خفض إنفاقنا غير الضرورى والذى يمكن الاستغناء عنه دون أن يؤثر بالسلب على نشاط الاقتصاد وحركة الإنتاج.. والدعامة الثانية زيادة مواردنا خاصة من النقد الأجنبى بما يمنحنا القدرة على سداد هذه القروض الكبيرة التى سوف نحصل عليها وتدبير ما نحتاجه من نقد أجنبى سواء لتمويل وارداتنا الضرورية والأساسية مثل القمح وأيضًا زيادة احتياجاتنا من النقد الأجنبى حتى يتمكن البنك المركزى من إدارة خالية من الضغوط للسياسة النقدية تكبح جماح التضخم وتحمى المنتجين والإنتاج المصرى من الأذى والضرر.


وبالنسبة لإنفاقنا وتخفيضه فالأمر يحتاج من الحكومة جهدًا حقيقيًا فى هذا الاتجاه خاصةوأنها لم تتخذ أية إجراءات فاعلة وجادة فى هذا الصدد، رغم أن اتفاقات الجات والتجارة العالمية تمنحها حق اتخاذ إجراءات كبيرة لتخفيض وارداتها من الخارج بوقف استيراد بعض السلع.. والأمر هنا يقتضى مراجعة شاملة لكل واردتنا من الخارج لتحديد ما نستطيع الاستغناء عنه فعلا خلال فترة قادمة محددة زمنيا، بما لا يؤثر على إنتاجنا.. أى مثلا يجب ألا نمنع استيراد قطع غيار أو مستلزمات إنتاج حتى لا يؤثر ذلك بالسلب على إنتاجنا من سلع محددة ويضر بمنشآت إنتاجية يجعلها تتوقف عن الإنتاج أو تغلق أبوابها على غرار عدة مئات من المصانع والمنشآت الإنتاجية.. وبذلك التخفيض فى وارداتنا لن ينصلح حال الميزان التجارى وميزان المدفوعات فقط بانخفاض عجزهما، وإنما سوف نقلل ما سوف نقترضه أساسا من الخارج لسد الفجوة التمويلية، وبالتالى نقلل من أعباء سداد ما نقترضه علينا.. ووقتها يمكن استخدام قدر ليس بالقليل من قرض الصندوق لزيادة احتياطياتنا من النقد الأجنبى على غرار ما فعلناه مع بعض الودائع التى حصلنا عليها من الدول العربية الخليجية النفطية.. وعندما سوف تزيد هذه الاحتياطيات خلال هذه الفترة سوف تزيد بالتالى قدرة البنك المركزى على مواجهة المضاربين فى سوق النقد الأجنبي.. وعندما سيحل موعد سداد هذا القرض سيكون لدينا فى احتياطياتنا ما يكفى ويزيد للسداد على غرار ما فعلنا مع الوديعة القطرية التى سددناها كاملة.


أما بالنسبة لزيادة مواردنا من النقد الأجنبى فهذا هو الأهم الذى يتعين أن تولى اهتمامها به وأن تركز جل جهودها من أجل تحقيقه.. وهنا لابد من زيادة وتنمية كل مواردنا من النقد الأجنبي، خاصة مواردنا الأساسية مثل السياحة والصادرات والاستثمارات الأجنبية.. وزيادة مواردنا من الصادرات يقتضى أولًا زيادة إنتاجنا وثانيا أن يكون هذا الإنتاج يفيض عن حاجتنا وثالثًا يتسم بالقدرة على المنافسة فى الأسواق الخارجية سواء من حيث الجودة أو من حيث السعر.. وحتى تتحقق زيادة كبيرة ومؤثرة فى إنتاجنا لا يكفى ما تقوم به الحكومة من أعمال تنشيطية وجهود تنموية واستثمارية وإنما الأمر يقتضى توسيع قاعدة المنتجين المصريين.. أى يجب ألا نظل محبوسين فى قفص الاعتماد على عدد محدود من كبار رجال الأعمال الذين حتى إذا أخلصوا النيات فإن توسعاتهم الاستثمارية لا ترقى إلى ما نحتاجه.. وهنا يصير لزاما على الحكومة فتح الأبواب الإدارية والبيروقراطية المغلقة أمام الشريحة الوسطى من رجال الأعمال، وهى شريحة كبيرة العدد ولديها ما يكفى ويزيد من الأموال وتعطلها فقط بيروقراطياتنا العتيقة، التى لا توفر لهم ما يحتاجونه من تراخيص بدون تعقيدات أو ما يحتاجونه من أراض يقيمون عليها مشروعاتهم الصناعية بيسر.


وإذا نشط الاستثمار المحلى سوف ينشط الاستثمار الأجنبي، خاصة إذا مضينا قدما من خلال ما سوف نحصل عليه من قرض الصندوق فى دعم استقرار سعر صرف الجنيه وقدمنا قائمة مشروعات جاذبة للمستثمرين الأجانب، وأيضًا وجدنا حلولًا لمشكلة تحويل الأرباح بالنقد الأجنبى لهم، وضمنا استقرار التشريعات العمالية.. وهنا قد نحتاج لمحاكاة التجربة الصينية فى جذب الاستثمارات الأجنبية، وهى تجربة ناجحة، اعتمدت فى تقديم مزايا خاصة للمستثمرين الأجانب لنوعية المشروعات التى يحتاجها الاقتصاد الصينى وفى المناطق التى تحتاجها الدولة الصينية، ولم تقدم مزايا عامة لجميع المستثمرين فى كل المجالات مثلما فعلنا فى السبعينيات ثم الثمانينيات والتسعينيات والذى لم نحصد مقابله شيئًا يذكر فى الاستثمارات الأجنبية.. فلم نتمكن من جذب استثمارات أجنبية غير بترولية سوى فى فترة محدودة للغاية لم تتجاوز سنتين ثم عادت هذه الاستثمارات للتراجع بعد الأزمة المالية العالمية فى عام ٢٠٠٨.


وبجانب السعى لجذب الاستثمارات الأجنبية نحن نحتاج سعيا حقيقيا وجادا لجذب السائحين الأجانب.. وحسنا ما نفعله من أجل استعادة السياحة الروسية والألمانية والإيطالية والإنجليزية، خاصة أنها كانت الغالبة على حركة السياحة الأجنبية لنا قبل ٢٠١١.. ولكن التجربة أثبتت أننا فى حاجة ماسة لتنويع مصادر السياحة الأجنبية الوافدة لنا على غرار ما نفعله حاليا فى تنويع مصادر السلاح وما فعلناه من قبل فى تنويع مصادر واردتنا من القمح.. أى يتعين علينا بذل جهد لنحظى بنسبة مناسبة من السائحين الصينيين واليابانيين والعرب والأفارقة أيضًا بجانب السائحين الأوربيين الذين اعتمدنا عليهم طوال فترة ازدهار السياحة. وبالطبع إذا زادت مواردنا من النقد الأجنبى سواء من الصادرات أو الاستثمارات الأجنبية أو من السياحة سوف نقلل مما يفعله البعض خاصة الذين لهم صلة بجماعة الإخوان لحجب تحويلات المصريين فى الخارج.. فعندما سوف يستقر سعر الصرف سوف تزيد تلك التحويلات تلقائيا وبدون حاجة لجهد أمنى لملاحقة بعض سماسرة وتجار العملة أو مطاردة بعض أصحاب شركات الصرافة.. وقد جربنا ذلك خلال معظم الفترة التى تولى فيها د. فاروق العقدة مسئولية إدارة البنك المركزي.


وهكذا.. مطلوب أن تعلن الحكومة بكل شفافية ماذا ستفعل بقرض صندوق النقد الدولى؟.. كيف ستنفقه؟.. أو فى أى الوجوه ستنفقه ولكن أيضًا بجانب أن تحسن الحكومة استخدام قرض الصندوق أن تتخذ إجراءات فاعلة تتجاوز ما فعلته حتى الآن سواء من خلال المشروعات القومية أو من خلال قانون الضريبة المضافة أو من خلال قانون المصالحات الضريبية التى تعتزم تقديمه للبرلمان.. بجانب هذا كله مطلوب من الحكومة أن تسعى سعيا حقيقيا لزيادة مواردنا من النقد الأجنبى وأيضًا تخفيض إنفاقنا منه بتخفيض وارداتنا من الخارج.