قيمة وارداتها ٣ مليارات دولار أمنعوا استيراد السيارات

22/09/2016 - 12:55:00

تقرير: أميرة جاد

رغم أزمة نقص الدولار، التي ضربت مصر طوال الأشهر الماضية، والشكوى من عدم توافر العملة الصعبة، فضلاً عن شكاوى الأسر المصرية من ارتفاع الأسعار والتي تأثرت بشكل كبير بارتفاع الدولار؛ إلا أننا نجد أن «المصريين استوردوا من الخارج سيارات وهي ليست سلعة أساسية بـ ٣ مليارات دولار»، الأمر الذي فتح الباب على مصرعيه وتساؤل لماذا لا تمنع الحكومة استيراد السيارات من الخارج ولماذا ايضا لم تُصنع مصر حتى الآن سيارة مصرية ١٠٠٪ بدلاً من الاستيراد من الخارج. خبراء أكدوا أن «عدم وجود سياسات واضحة لتنمية صناعة السيارات أضعف قُدرة المُنتج المحلي على المُنافسة»، لافتين إلى أن «طموحات الحكومة في سوق السيارات لا تتحقق، والسيارة المصرية لا يُمكنها أن تُنافس بالخارج».


تقرير صدر مؤخراً عن البنك المركزي بعنوان «واردات مصر خلال العام المالي ٢٠١٤- ٢٠١٥» كشف الكثير عن عالم الاستيراد والتصدير في مصر. والتقرير مأخوذ من إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن تحقيق الواردات من سيارات ركوب الاشخاص ٣ مليارات دولار و١٨٥.٧ مليون دولار خلال العام العام المالي، مُقارنة بـ ١,٥ مليار دولار خلال العام السابق عليه.. أي أن واردات مصر من سيارات ركوب الأشخاص تضاعفت خلال عام واحد بالرغم من أزمة نقص العملة الأجنبية، التي تعاني منها مصر منذ أكثر من عامين، تضاعف واردات السيارات الخاصة في ظل أزمة نقص العملة الأجنبية، وتراجع المستويات المعيشية على خلفية موجات التضخم المتتالية.


«المصور» فتحت ملف استيراد سيارات الركوب الخاصة ومدى تأثيرها وتأثرها بأزمة نقص الدولار وإمكانية تصنيع سيارة مصرية ١٠٠٪ توفيرا للعملة الصعبة، وزيادة في مُعدلات الإنتاج المحلية التي علي أثرها ترفع معدلات التشغيل ومعدلات العرض أيضا.


ويقول عمر بلبع عضو المجلس المصري للسيارات، رئيس شعبة السيارات بغرفة الجيزة التجارية، القفزة التي شهدتها الواردات من السيارات الخاصة لم تكن بسبب زيادة أعداد السيارات التي تم استيرادها، وإنما نتيجه أن الملاءة المالية للجنيه أمام الدولار انخفضت، لافتا إلى أن انخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار هي التي رفعت قيمة الواردات من السيارات بالدولار، مؤكدا أن العام الماضي شهد زيادة في حجم الإنتاج المحلي من السيارات، إذ بلغت نسبة السيارات المجمعة محليا نحو ٥١ ٪ من إجمالي المعروض في السوق، وهي سابقة الأول من نوعها في تاريخ سوق السيارات.


«بلبع» أكد أنه بالرغم من ارتفاع نسبة التجميع المحلي للسيارات مُقارنة بالمستورد؛ إلا أن أسعار السيارات - التي شهدت ارتفاعا بلغ نحو ٣٠ ٪ خلال الثماني أشهر الأولي من العام الجاري – تأثرت بارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه، لأن مدخلات التجميع المحلي ٦٠ ٪ منها مستورد و ٤٠ ٪ منها محلي.


وأضاف «بلبع» أن ارتفاع أسعار المدخلات المستوردة بسبب الدولار، خلق فجوة بين العرض والطلب؛ إذ أصبح العرض أقل من الطلب، وهو ما خلق سوقا سوداء في السيارات، موضحا أن إجمالي مبيعات السيارات خلال عام ٢٠١٥ سجلت ٢٧٠ ألف سيارة مقارنة بـ ٢٩٣ ألفا خلال ٢٠١٤ و٢٠٠ ألف متوقعة خلال ٢٠١٦.


وحول تفادي مخاطر تأثير سعر الصرف علي تجارة وصناعة السيارات في مصر من خلال تبني استراتيجية قومية لتصنيع سيارة مصرية، قال «بلبع» إن استراتيجية تنمية صناعة السيارات التي تحدثت عنها الحكومة في أكثر من مناسبة لم يبدأ العمل فيها بعد، وهي استراتيجية طموحة يعتمد فيها كل وزير على أنه لن يكون موجودا في منصبه مع حلول موعد الانتهاء من الاستراتيجية، مؤكداً أن ما ينبغي عمله حاليا هو زياة نسبة المكون المحلي في السيارات التي يتم تجميعها في مصر لتفادي جزء من مخاطر تقلبات سعر الصرف، وخاصة الاستثمارات القائمة في التصنيع والتجميع والتي يبلغ حجمها ٨.٣ مليار جنيه متمثلة في نحو ٥٥٦ شركة منها ١٧ شركة مجمعة للسيارات، سوف تواجه تحديات في ظل تطبيق اتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي، حيث تلزم مصر بالإلغاء الكامل لكافة الرسوم والضرائب على السيارات المستوردة بحلول ٢٠١٩، مما يعطي الفرصة للشركات الأجنبية زيادة صادراتها من السيارات بمعدلات أكبر.


وأشار «بلبع» إلى أن الـ ١٧ شركة المجمعة تعمل على أكثر من ٢٧ خط إنتاج، وأكثر من ٨٠ شركة تعمل في الصناعات المغذية، حيث تساهم هذه الصناعة في توفير حوالي ٢٠٠ ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، وهو الأمر الذي يتطلب دعم هذه الصناعة حفاظا علي الاستثمارات و فرص العمل التي توفرها.


وعن الاستراتيجية التي تعتمدها الحكومة لتطوير صناعة السيارات، قال «بلبع» «الكلام سهل جدا» بحسب تعبيره، مشيرا إلى أن جميع المسئولين يتحدثون عن تطوير وتنمية صناعة السيارات في مصر من سنوات ولا يوجد أي تقدم في المجمل.


يشار إلى أن الحكومة قد راجعت خططها فيما يتعلق بتنمية صناعة السيارات، فبعد إعلان وزارة الصناعة والتجارة الخارجية نهاية ٢٠١٥ عن أنها أوشكت علي الانتهاء من وضع استراتيجية لتصنيع سيارة مصرية ١٠٠٪ تراجعت الوزارة، وأعلنت عن عدم قدرة مصر علي تصنيع سيارة مصرية ١٠٠٪، وأنها سوف تتبني استراتيجية بديلة لتنمية صناعة السيارات، حيث قال المهندس طارق قابيل «لن نصل إلي سيارة مصرية ١٠٠٪»، مرددًا «لن نعمل نصر» في تصريحات صحفية.


وحول استراتيجية تنمية صناعات السيارات، قال فريد الطوبجي الرئيس التنفيذي للمجموعة البافارية للسيارات، إنها حلم المصنعين منذ ٢٠٠٤ ولم يتحقق إلي الآن، أن يكون هناك استراتيجية واضحة لصناعة السيارات في مصر، لافتا إلي أنه أمر يأمله المصنعون وينتظرونه؛ ولكن الوصول بسوق السيارات لمليون سيارة بحلول ٢٠٢٥ فهو أمر منطقي – بحسب وصفه – بالنظر الي معدلات نمو سوق السيارات منذ ٢٠٠٤ .


وأوضح «الطوبجي» أن حجم سوق السيارات في مصر يسجل معدلات نمو سنوية تتراوح بين ١٠- ١٥ ٪ سنويا، مؤكدا أن حجم السوق سجل ٤٠ الف سيارة في ٢٠٠٣، أما الآن فقد بلغ نحو ٢٩٣ سيارة، ولو سارت معدلات النمو علي نفس النهج، فليس مستبعدا أن يصل حجم السوق لمليون سيارة بحلول ٢٠٢٥.


وعن التحديات التي تواجهها صناعة السيارات من أجل الوصول إلي تنافسية عالية للتمكن من التصدير قال الطوبجي، إن فكرة التصنيع من أجل التصدير من النقاط الهامة التي نطالب بها منذ ٢٠٠٤ تقريبا، لافتا الي أن انعدام استراتيجية حكومية للتصنيع ساهمت بشكل أساسي في عدم قدرة المنتج المحلي علي المنافسة في الأسواق الخارجية، لافتا إلى أن تصنيع السيارات في مصر يفتقر إلي أدني اساليب التحديث الصناعي والتكنولوجيا، مؤكدا أن العالم يتجه الي السيارات بالكهرباء والغاز والهايبريت وهو ما لا يتطرق إليه السوق المصري إلي الآن.


في الوقت نفسه، أشار «الطوبجي» إلى أن الاتجاه للتصدير يقتضي التطابق مع المواصفات العالمية، وهو ما يفتقره السوق المصري أيضا إذ إن السوق المحلي لم يستطع سوي الالتزام بـ ١٠ مواصفات قياسية فقط من إجمالي ١١٠ مواصفات ومطابقة قياسية دولية تمكن الملتزمين بها من النفاذ إلي الأسواق الدولية.


وعن التوقعات لسوق السيارات في العام القادم، قال «الطوبجي» لا يمكن التنبؤ بمعدلات إنتاج معينة أو حتي حجم مبيعات واضخ، لافتا أن التوقع بمستقبل صناعة وسوق السيارات يستلزم سياسات حكومية واضحة تجاه الصناعة التي تشغل نحو ٢٠٠ ألف مصري، مشددا على ضرورة دعم القوة الشرائية للمواطنين من خلال البنوك عن طريق تحفيض سعر الفائدة، واعتماد نظم السداد لـ١٥ سنه الي جانب تفعيل المشروعات التي تعزز نسبة المكون المحلي في السيارات المجمعة محليا، بالإضافة الي اعتماد استراتيجية واضحة لتخريج عمالة مدربة علي صناعة السيارات.


في السياق نفسه، قال المهندس طارق عبد اللطيف المدير الإقليمي لشركة عبد اللطيف جميل – مصر والسودان، إن طموحات الحكومة والمصنعين في سوق السيارات لا تتحقق لأن كل طرف يعمل بشكل منفرد وهو ما يؤدي الي انعدام وفورات الإنتاج وارتفاع التكلفة النهائية للمنتج المحلي من السيارات المجمعة داخليا، موضحا أن لدينا عددا كبيرا من المصانع تنتج أرقاما إنتاجية هزيلة مما يجعل كل وحدة منتجة مرتفعة الثمن.


وأشار «عبد اللطيف» إلى أن حل هذه المشكلة لدي طرفين المصنعين والحكومة إذ ينبغي علي المصنعين المحليين في مصر الاندماج، وهو ما يجعل عدد الكيانات أقل؛ ولكن كميات الإنتاج أكبر مما يؤدي إلي انخفاض التكلفة الإنتاجية، ومن ثم انخفاض الأسعار وارتفاع القيمة المضافة للمنتج للاقتصاد المصري، أما الطرف الثاني فهو الحكومة التي ينبغي عليها الإعلان عن محفزات صناعية معينة تنص علي أن الوصول لمعدلات إنتاجية معينة يقابله حوافز وإعفاءات ضريبية مختلفة، مما يسهم في النهوض بالصناعة المتشرذمة، وهو ما حدث بالضبط في التجربة المغربية والتي أصبح ٣٠ ٪ من إنتاجها فقط للسوق المحلي و الـ ٧٠ ٪ المتبقية للتصدير.


وعن إمكانية التصدير للخارج، قال «عبد اللطيف» إنه لا يمكن التنبؤ بمستقبل التصدير في الوقت الراهن في ظل غياب استراتيجية حقيقية لدعم صادرات السيارات للخارج، مؤكدا أن السيارة المصرية لا يمكنها أن تنافس بالخارج بأي حال من الأحوال لأسباب متعددة أهمها، أن المواصفات المعتمدة في التصنيع المصري متخلفة – بحسب تعبيره – عن باقي المواصفات المعتمدة خارجيا، بالإضافة إلي ارتفاع أسعار السيارات المصرية عن ميثلاتها في الخارج؛ بل إنها تعد الأغلي عالميا بسبب ارتفاع تكلفة الإنتاج المحلي والضرائب والجمارك علي مكوناتها المستوردة.


أما عن السيارة المصرية بنسبة ١٠٠٪ فقال المدير الإقليمي لشركة عبد اللطيف جميل، إنه لا يمكن لمصر إنتاج سيارة مصرية بنسبة ١٠٠ ٪ دون الاستعانة بمصنعين دوليين كبار، وهو أمر مفروغ منه من واقع التجارب الدولية، لافتا الي أن كيا نشأت بمساعدة ماذدا وأن هيونداي بدأت مع ميتسوبيشي ودايو ظهرت مع أوبل، وهو الأمر الذي يؤكد ضرورة أن يكون هناك مستثمر استراتيجي يمتلك الخطة والمحفزات للنهوض بالصناعة بشكل تدريجي لتحويلها لـ١٠٠ ٪ مصر.


وأوضح «عبد اللطيف» أنه ليس من المستحيل الوصول بالسوق المصري بعد ١٠ سنوات لمليون سيارة، لافتا إلى أن وضع السوق المصري يتشابه مع أوضاع أسواق مختلفة مثل ايرا وتركيا والتي يبلغ عدد مستهلكيهم ٩٠٠ مليون تقريبا؛ ولكنهم يستهلكون متوسط ٧٠٠ ألف سيارة، في حين أن المصريين يستهلكون ٢٨٠ ألف سيارة تقريبا بشكل سنوي، مشيرا الي أن ما يحول الآن دون تحقيق نفس المتوسط للاستهلاك ارتفاع ثمن السيارة المصرية بالمقارنة بدول مثيلة وانخفاض دخول المواطنين بشكل عام، موضحا أن اعتماد استراتيجية حقيقة لتصنيع السيارات في مصر سيخفض من أسعارها، وهو ما يؤدي بالتبعية لزيادة الاستهلاك وتحقيق مستهدف المليون سيارة بعد ١٠ سنوات.


في حين تشير إحصاءات المنظمة العالمية لمصنعي السيارات «أويكا» الي أن الإنتاج العالمي للسيارات عام ٢٠١٤ بلغ ، حوالي ٩٠ مليون سيارة عام ٢٠١٤، أنتجت الصين٢٤ مليون سيارة منها ما يوازي حوالي ٢٥٪ من إجمالي الإنتاج، والولايات المتحدة ١٢ مليونا، وألمانيا ٤ ملايين، واليابان ١٤ مليونا، ودول البريكس ٣٤ مليون سيارة ما يوازي ثلث الإنتاج العالمي، وأنتجت جنوب إفريقيا نصف مليون سيارة . فيما بلغ إنتاج مصر حوالي ١٠٠ ألف سيارة، وهو مايعادل ١ على ألف من إنتاج العالم. وقد بلغت مبيعات السيارات في مصر خلال عام ٢٠١٥ نحو ٣٠ مليار جنيه بتراجع طفيف مقارنة بالعام الماضي الذي سجل ٣١ مليار جنيه العام الماضي، بحسب بيانات مجلس معلومات السيارات «الأميك «.