العمالة المصرية.. وحلول من خارج الصندوق!

22/09/2016 - 12:52:03

بقلم: د. حسيـــن عيســـى

الشكوى لا تنقطع من ترهل الجهاز الإدارى للدولة وطول الإجراءات وضعف كفاءة موظفى الحكومة وسوء مستوى الخدمة المقدمة إلى الجمهور فى مختلف الوزارات والهيئات والمصالح الحكومية، ناهيك عن تفشى الفساد بصور وألوان مختلفة. والحكومة نفسها تئن بالشكوى، فتشير أرقام موازنة ٢٠١٦/٢٠١٧ إلى أن قيمة الأجور والمرتبات وصلت إلى ٢٢٨ مليار جنيه والتى كانت لا تتعدى ٨٠ مليار جنيه منذ ٥ سنوات فقط، وهذه الأجور تنفق على حوالى ٧ ملايين موظف حكومى تشير معظم التقديرات المتفائلة إلى أننا لا نحتاج منهم سوى إلى ما يقرب من ٢ مليون موظف، أى هناك ٥ ملايين موظف تقريباً يشكلون عمالة زائدة غير منتجة تستهلك من إجمالى الأجور ما يقرب من ١٥٠ مليار جنيه.


هل يمكن أن يستمر اقتصاد دولة بهذا الشكل وهناك قوى عاملة غير منتجة تستهلك حوالى ٧٠٪ من إجمالى الأجور والمرتبات، وهى بطبيعة الحال غير راضية عن مستواها المعيشى الذى ينخفض مع كل موجة تضخم تصيب المجتمع، والأمر يزداد تعقيداً عندما يكون هناك أسرة وأولاد ورب الأسرة غير قادر بدخله المحدود على تلبية إحتياجات أسرته، ويتحدث الجميع عن الدعم العينى والنقدى وضرورة توفير الخدمات بأسعار مناسبة أو حتى بالمجان... فالكل يطلب وينادى ويستهلك ويسخط ويغضب وذلك بدون عمل وإنتاج وقيمة حقيقية للمجتمع.


وإذا استمرت الأوضاع الحالية على هذا المنوال فإن النتيجة واضحة.. لا أحد قانع.. فالعاملون فى حالة شكوى مستمرة وعدم رضاء عن أحوالهم المعيشية والوظيفية والحكومة تصرخ من ضخامة عجز الموازنة، وأن أجهزة الدولة تعمل بمستويات متدنية من الكفاءة والمواطنين يملأون صفحات الجرائد شكاوى واستغاثات من تكدس الجهاز الإدارى للدولة بالموظفين من أصحاب المهارات والخبرات المحدودة وبأعداد تفوق بكثير احتياجات ذلك الجهاز مما يعوق سير العمل ويخلق كماً هائلاً من المشاكل والتعقيدات وينشر الفساد الإدارى من أوسع أبوابه.


والملاحظ أن هناك دولاً عديدة اقتحمت تلك المشكلة ولكن بشكل غير تقليدى يقوم على الأفكار التالية:


■ إذا افترضنا أن هناك هيئة حكومية يعمل بها مثلاً ٣٠٠٠٠ موظف وعامل فى حين أن الدراسات تؤكد أن الحجم الأمثل للعمالة فى هذه الجهة لا يجب أن يتعدى ٥٠٠٠ موظف وعامل... هنا لا خلاف حول وجود ٢٥٠٠٠ موظف زائد عن الحاجة لا يؤدون عملاً حقيقياً مما يشكل إهداراً كاملاً للموارد البشرية التى لا نمتلك سواها فى هذا البلد (هذا وضع موجود فى شركة مصر للطيران واتحاد الإذاعة والتليفزيون وبعض الجامعات الحكومية وغيرها من هيئات أجهزة الدولة).


■ يمكن بالتنسيق مع الجهة الحكومية والوزارات المعنية ووزارة القوى العاملة والجهاز المركزى للتنظيم والإدارة إعطاء هذه العمالة الزائدة فترة زمنية لتعديل المسار الوظيفى من خلال الانضمام لبرنامج تدريب تحويلى مكثف لمدة سنة يتقاضى خلالها الموظف ٨٥٪ من دخله على أن تخصص القيمة المتبقية (١٥٪) لتمويل هذا البرنامج التدريبى على أن يرتبط هذا البرنامج بمشروعات تنموية محددة فى المحيط الجغرافى لهؤلاء العاملين، وكذلك الارتباط بمشروع قومى متكامل لدعم المشروعات والصناعات الصغيرة والمتناهية الصغر.


■ فى نهاية فترة التدريب التحويلى يصبح أمام الموظف أو العامل مجموعة من الفرص المتاحة لكى يصبح عضواً منتجاً فى المجتمع وذلك من خلال الالتحاق بأحد المشروعات القومية الجديدة أو القيام بمشروع صغير مملوك له ويتولى إدارته وقد يفضل العمل خارج مصر بعد أن اكتسب المهارات المؤهلة لأسواق العمل الإقليمية والدولية وقد يعود للعمل بالحكومة فى وظيفة حقيقية تحتاج إلى مهاراته وخبراته الجديدة.


■ من الممكن وضع إطار زمنى محدد لتطبيق الأفكار السابقة بحيث يمكن على مدار ٥ سنوات مثلاً أن يتم تخفيض العمالة الحكومية إلى المستويات المقبولة بحيث يتحول ٣ ملايين موظف على الأقل إلى قوى عمل منتجة حقيقية وسوف نرى أن من يستمر فى العمل الحكومى سوف يجد زميله بعد فترة وقد التحق بعمل منتج حقيقى أو أقام مشروعه الصغير وأصبح يشعر بكيانه وقيمته الحقيقية فى سوق العمل ويحقق دخلاً يفوق أضعاف ما كان يحصل عليه عند عمله فى الحكومة... نحن بذلك نقترب من مجتمع الوفرة حيث تزداد معدلات التشغيل ويزيد الإنتاج والمعروض من السلع والخدمات مما ينتج عنه انخفاض الاسعار وتحسن مستوى معيشة المواطنين والمحصلة النهائية خفض أعباء وعجز الموازنة وخفض حجم الدين العام وفوائده التى تتزايد عاماً بعد عام، ومما لا شك فيه أن الأفكار السابقة لا علاقة لها بموضوع الإستغناء عن العمالة كما يدعى البعض. فالعمل حق لكل مواطن قادر عليه راغب فيه ولكنه يرتبط بمنح العاملين الفرصة الحقيقية لكى يتحولوا من عمالة زائدة غير منتجة إلى عمالة منتجة حقيقية تساهم فى زيادة الإنتاج من سلع وخدمات مما يساعد على تحقيق نمو إقتصادى حقيقى.


الأمانة تقتضى أن نقول إن مصر فى حاجة إلى وضع خطة متكاملة عاجلة لاصلاح الأوضاع فى المؤسسات والأجهزة الحكومية فنحن لا نتحمل وجود ٧ ملايين موظف وعامل وهذا يعنى وجود ما يقرب من ٥ ملايين موظف يشكلون بطالة مقنعة غير منتجة تضغط دائماً للحصول على مزايا إضافية فى حين أنه لا يوجد لهم عمل حقيقى فى حين أن هناك العديد من مواقع العمل الحقيقية تبحث عن العمالة المدربة فلا تجد سواء على مستوى الدولة أو على مستوى القطاع الخاص.. فليس سراً أن العديد من شركات المقاولات المصرية تطلب السماح باستيراد عمالة أجنبية للعمل فى المشروعات القومية الجديدة لعدم توافر العمالة المصرية المدربة وهذه كارثة كبرى... ولعلنا سمعنا مؤخراً أن أحد كبار رجال الاعمال الذى له استثمارات ضخمة فى قطاع البترول والتعدين أرسل إلى أندونيسيا يطلب استيراد عدد ٨٠٠ لحام معادن بأجر يصل إلى ١٥٠٠٠ جنيه مصرى شهرى خلاف المزايا الأخرى والسبب عدم توافر عمالة مصرية مدربة فى هذا المجال... كما أن العديد من المحلات والمطاعم والشركات أصبحت تعتمد على العمالة الأجنبية بسبب عدم توافر العمالة المصرية المدربة بتكلفة معقولة.


وإذا كان البعض يرى صعوبة تطبيق الافكار السابقة فإنه يهمنى أن أنقل للقارئ العزيز تجربة حقيقية دائماً ما أفتخر وأعتز بها... فعندما كنت رئيساً لجامعة عين شمس قابلتنى مشكلة نقص كوادر التمريض وهى مشكلة ليست محلية بل أصبحت إقليمية ودولية أيضاً.... فكرت فى تخفيض حدة هذه المشكلة بحلول غير تقليدية فتم الإتفاق مع كلية الطب وكلية التمريض وبتمويل من مؤسسة مصر الخير أن نؤهل عدد ١٠٠٠ شاب وشابة من الحاصلين على مؤهلات متوسطة لوظيفة مساعد ممرض من خلال تدريب تحويلى لمدة ١٠ شهور فى كلية التمريض ومستشفيات جامعة عين شمس ورأينا النتيجة المذهلة.... شباب كانت قيمتهم الحقيقية فى سوق العمل لا تتعدى صفراً... بعد ١٠ شهور تدريبا تحولوا إلى أصحاب مهارات حقيقية وأصبحوا يتقاضون من ٢٠٠٠ – ٣٠٠٠ جنيه شهرياً وقمنا حتى الآن بتخريج ٣ دفعات من هذا البرنامج..


نعم يمكن تحويل مئات الآلاف من عمالة زائدة غير منتجة إلى قوى عمل منتجة تصنع الفارق إقتصادياً وإجتماعياً وأمنياً ونفسياً، نحن فى انتظار مبادرة رئاسية قومية شاملة يتبناها الرئيس السيسى شخصياً قوامها برنامج تدريب تحويلى قومى متكامل يحول مصر خلال ٥ سنوات من دولة الموظفين المترهلة إلى دولة شابة حديثة تقوم على العمل والانتاج وتحقق أحلام مجتمع الوفرة، مع ملاحظة أن الاقتراحات السابقة تنصب على العمالة الحالية.... ولكن ماذا عن المستقبل؟ ماذا عن عشرات الآلاف من الطلاب الجامعيين الذين يتوجهون إلى سوق العمل سنوياً فلا يجدون الفرصة المناسبة فيزداد السخط والاحتقان والشكوى من سوء الاحوال... هنا لابد من التنسيق بين وزارات التربية والتعليم والتعليم العالى والدولة للبحث العلمى مع وزارات القوى العاملة والصناعة والتجارة والاستثمار والتخطيط حتى يتبنى الجميع مخططاً شاملاً لإحداث نقلة حقيقية فى البرامج الدراسية مما يجعلها تقترب من احتياجات سوق العمل المحلى والاقليمى والدولى مع التوصل إلى آلية أو صيغة واضحة لربط التعليم الجامعى والفنى بالصناعة على مختلف المستويات وهذه قضية أخرى سوف نتناولها فى مقالة قادمة بإذن الله.