الإبداع من أجل الفقراء

22/09/2016 - 12:47:03

بقلم - د. حامد إبراهيم الموصلى

حصلنا على منحة – ونحن هنا تعود على الجمعية المصرية للتنمية الذاتية للمجتمعات المحلية- من وكالة التنمية السويدية Sida فى إطار برنامجها المسمى: الإبداع فى مواجهة الفقرInnovation against poverty، حيث احتلت جمعيتنا المكانة الأولى على مستوى الشرق الأوسط وذلك عن مشروعنا للإستفادة من المنتجات الثانوية للنخيل فى صناعة الأثاث والباركيه والكارينة وعلف الدواجن فى واحدة من أفقر ١٠ قرى بمحافظة المنيا: قرية القايات.


يعنى هذا ضمنا أن هناك جمعيات أهلية كجمعيتنا تهتم بقضية الفقر والفقراء، ولكن هل مؤسساتنا العلمية والبحثية تهتم بالفقر والفقراء أيضاً؟ أشك فى ذلك كثيراً، فلقد تعودنا نحن –أساتذة الهندسة- وتحديداً فى المجال الذى أنتمى إليه: التصميم وهندسة الإنتاج على أن نعرض خدماتنا على رجال الصناعة وأن ننتظر أن يكون لنا دورٌ فى تحسين ظروف الإنتاج أو رفع الكفاءة، الخ، وأن نوجه بحوثنا وبحوث شباب الباحثين الذين يعملون تحت إشرافنا لخدمة الصناعة، أتكلم عن النموذج السائد لدينا Mode of operation للإنجاز والتحقق فى الحياة العملية، هذا حسنُ، إن كان ممكناً، فرجال الصناعة يفضلون –فى الأغلب- مشروعات تسليم المفتاح Turn key projects عملاً بالقول المأثور لدينا: “شراء العبد ولا تربيته”، ويؤثرون الحلول الجاهزة الواردة من الخارج على الاعتماد على الحلول التى يقدِّمها العلماء والباحثون من أبناء وطنهم، أعتقد أن نفس التوجُّه سائد فى باقى تخصصات الهندسة، كالعمارة والمدنى والكهرباء، الخ: أى التوجه إلى الأعمال الكبيرة Big business أو إلى الشرائح الإجتماعية العليا من الطلب على كافة السلع والخدمات.


الطلب الصامت


الطلب الصامت هو ذلك الطلب غير القادر على التعبير عن نفسه سوقياً، وهو طلبٌ على سلع أو خدمات، لكن من طبقات اجتماعياً أكثر احتياجاً، والأمثلة كثيرة: مواد بناء محلية ورخيصة الثمن، وسائل صرف صحى مناسبة، مصادر طاقة بديلة فى الريف، وصولاً لخدمات تكنولوجيا المعلومات Information technology، هناك حاجة فى هذه الحالة إلى قوة دفع تكنولوجى Technology push -فى مقابل قوى الشد Demand pull التى تمثلها الشرائح الاجتماعية القادرة على التأثير على السوق- للوصول إلى ذوى الحاجات ومساعدتهم على ترجمة طلبهم الصامت إلى طلب فعَّال يستجيب له السوق، هنا يمثل الإبداع التكنولوجى ضرورة لبناء جسرٍ بين الطلب الصامت والسوق وذلك وفقاً للقول الشائع “الضرورة أم الاختراع”.


الحاسب البسيط Simputer


هو حاسب محمول منخفض التكلفة لا يتعدى ثمنه ٢٠٠ دولار أمريكى يعمل ببطاريات بسيطة يمكن شحنها يدوياً- ويمكن أن يعمل أيضاً بالطاقة الشمسية- وليس بحاجة إلى Windows software ويمكن تشغيله بنظام Linux system المتاح مجاناً، كما يمكن لكافة مصممى البرامج المجانية الدخول عليه، وهو مزود ببرنامج يسمح بالتعرُّف على الخطوط اليدوية وبالتشغيل من خلال اللغة الشفاهية مما يجعله ميسراً للاستخدام للأميين. والحاسب البسيط مصمم كىّ يعمل بالكارت Smart card مما يسمح بمشاركة العديد من الأفراد فى استخدام أو تأجير نفس الجهاز دون الحاجة لشرائه من قِبَلْ الأفراد.


ميلاد الحاسب البسيط: نموذج مختلف عنَّا!


شهد مؤتمر الاتصالات العالمية الذى انعقد فى بانجلور Banglore فى الهند عام ١٩٩٨ بدايات نشأة الحاسب البسيط حيث ناقشت مجموعة من رجال الصناعة وأساتذة الجامعات فكرة حاسب يناسب الإنسان العادى فى الهند ويقوم بالوظائف التى يحتاجها أبناء المجتمعات المحلية: فى المدن الصغيرة والقرى وما يتطلبه ذلك من تغيير فى تصميم الحاسب واختيار أساليب التشغيل Interfaces الملائمة التى تيسر استخدامه من قبل العامة بما فيهم الأميون، والبرامج التى تسمح باستخدام اللغات المحلية حيث تضم الهند ٢٢ لغة، ولقد أدى ذلك إلى إنشاء تجمع Simputer trust –لا يستهدف الربح- يضم العديد من الأكاديميين وخبراء التكنولوجيا الحريصين على الاستفادة من إمكانات الحاسب البسيط لصالح القطاعات الواسعة من المجتمع.
رؤيتى للفقر


أود أن أفرِّق بين مصطلح الفقر بمعناه العام والفقر بمعناه المرتبط بالفئات الاجتماعية الأكثر احتياجاً، فالفقر بمعناه الأول تعانيه مجتمعاتنا العربية ككل، أقصد به فقر الفكر والخيال، وأزعم أن لدينا ثقافة سائدة تسهم فى إعادة انتاج الفقر بالمعنى السابق: أقصد ثقافة التبعية للخارج والاعتماد -فى حل أغلب مشكلاتنا على المستوى القومى– على الحلول الجاهزة الواردة من الخارج، الفقر بمعناه الإجتماعى هو ذلك المستوى من الحرمان القسرى من وسائل إشباع الحاجات الأساسية الذى يضير بفرص الفرد/الجماعة فى إنضاج القدرات البشرية والوصول بها لمستوى التأثير فى المجال العام Public domain، بهذا المعنى، فالفقر لا ينبت طبيعياً كالأشجار، والفقر ليس بالتالى مسئولية الفقراء وحدهم، بل هو بالأساس مسئولية المجتمع ككل، والخسارة المجتمعية الأكبر الناتجة عن الفقر بالمعنى السابق تتمثل فى إهدار القدرات البشرية للفقراء التى قد تُدفَن إلى الأبد وفى إنحسار ينبوع النبوغ والإبداع الإنسانى نتيجة لذلك.


رؤيتى للكفاح ضد الفقر


أرى أن نبدأ الكفاح ضد الفقر بأن نكافح الصورة الراسخة فى أذهاننا عن الفقير باعتباره طرفاً أدنى وعاجزا ومجرد وعاء فارغٍ سلبى متلقٍ للإحسان، علينا أن ندَرِّب أنفسنا على التعامل مع الفقير من أعلى الشلال كندٍ ذى قدرات كامنة لكنها غير مُفَعَّلة، وأن نساعده على إطلاق طاقاته واكتشاف قدراته وتوظيفها فى سياقات اجتماعية محددة، تمكِّنه من أن يلمس ويرى بنفسه ناتج عمله فيدخل فى دائرة جديدة للتغير والتغيير وهكذا.


إبداعنا من أجل الفقراء


نحن –أقصد جمعيتنا- فى ثغرة إبداعية Innovation niche: ليس لأننا أكثر ذكاءً من غيرنا، بل لأننا وجَّهنا اهتمامنا العلمى والتقنى: لأهل الريف والفقراء وعامة الناس: دفعنا هذا دفعاً للاهتمام بما يحوزونه من موارد فى أيديهم وأحياناً حتى تحت أرجلهم: هذه الموارد كانت موجودة دائماً أبداً -فنحن لم نخترعها- بل إنها من أكثر الموارد التى اصطحبتنا طوال مسيرتنا الحضارية الطويلة، لكنها كانت مختفية عنا –كباحثين وعلماء ومهندسين- فى دائرة الفقر: إنتاجاً وتصنيعاً واستهلاكاً، وهنا يعبِّر شعار إعادة اكتشاف الموارد المحلية تعبيراً جيداً عن توجهنا التنموى/البحثى: إننا نحاول أن نرى هذه الموارد التى أشاح الباحثون وجمهور العلماء وجهه عنها لأنها موصومة –ولم تزل- بالفقر، إننا نحاول أن نرى هذه الموارد بعيون جديدة من أجل مساعدة أهل الريف والفقراء وعامة الناس على أن ينمُّوا أنفسهم بأنفسهم وأن يطلقوا من خلال التنمية طاقاتهم وقدراتهم وأن يعبِّروا عن أنفسهم كذوات. هذا هو السر وراء وقوعنا فى ثغرة الإبداع: إننا كنا سبَّاقين فى الاهتمام بالفقراء وعامة الناس وما لديهم من موارد، وفيما يلى أمثلة:


مربى تين شمَّاس


«شمَّاس» هى إحدى القرى البدوية الفقيرة، وهى تقع على الساحل الشمالى الغربى فى محافظة مطروح. عندما زرنا هذه القرية وجدنا أن التين البرشومى من أهم المحاصيل التى يزرعها البدو على مياه المطر، حيث يجرى تصدير التين الناضج طازجاً إلى الأسواق ويُترَك التين الصغير فى الأرض، وخلال الدراسة الميدانية لَمَعَتْ لدينا فكرة المشروع: هل يمكن أن يكون التين الصغير معدوم القيمة سوقياً أساساً مادياً لمشروعات مدرِّة للدخل فى القرية؟ قمنا بتجارب لتصنيع التين الصغير فى كلية الزراعة، جامعة الإسكندرية، ولقد أكدت نتائج هذه التجارب إمكانية استخدام هذا التين الصغير فى تصنيع مربى عالية الجودة.


وهنا واجهنا سؤال : كيف نختار التكنولوجيا المناسبة لتصنيع مربى التين فى قرية شماس؟ وجدنا أن القرية تضم ٢٩١ منزلاً تتناثر فى محيط مساحته حوالى ١٠٠ كيلومتر مربع: ويفصل بين المنزل والآخر مسافة حوالى ٢ – ٣ كيلومترات وأكثر، كذلك أدركنا أن زراعات التين قريبة من المنازل وأن المرأة تقع على كاهلها بالكامل الأعمال الإنتاجية المنزلية وأن الرجل يقوم بالأعمال خارج المنزل مثل التجارة والنقل أو العمل على السيارات، كذلك تأكدنا من أن التقاليد السائدة فى مجتمعات البدو لا تسمح – إلا فيما ندر – بخروج المرأة للعمل خارج المنزل. لذا قررنا اختيار نموذج التصنيع المنزلى : أى أن تنتقل الصناعة –كنشاط- للمرأة فى المنزل، وقمنا بوضع الاشتراطات الصحية التى يتوجب على المنتفعات الوفاء بها فى حجرة التصنيع بالمنزل حتى تتحقق المواصفات القياسية العالمية المطلوبة فى مربى التين المُنتَجة منزلياً.


ولقد تم تحليل مربى تين قرية شماس فى المعمل المركزى للبيئة فى هلسنكى بفنلندا وحازت القبول للتصدير وفقاً للمعايير الصحية لجمارك فنلندا، لقد علمّنا هذا النموذج أنه من الممكن، بل من اليسير، نشر ثقافة الصناعة – أو الصناعة كثقافة – من خلال النسيج الإجتماعى الحضارى الحىّ للمجتمع المحلى، وأنه من الممكن أن يهضم ويستوعب ذلك النسيج: مفاهيم هندسية مثل القياس وضبط الجودة.


كفر العرب: علف غير تقليدى


فى قرية «كفر العرب»، مركز فارسكور، محافظة دمياط، واجهنا وضعاً فى غاية الغرابة: قرية تتميز بتصنيع الجبن الرومى والأسطمبولى، وإنتاجها مطلوب سوقياً، وهى أيضاً مشهورة بتربية الماشية من أجل إنتاج الألبان، وجدنا أن ٤ مصانع من ثمانية مصانع إنتاج منتجات الألبان قد توقفت عن العمل والأربعة الباقية تعمل بنصف قدرتها الإنتاجية، كما اتجه المربون إلى ذبح أمهات الماشية وبيعها كلحم بسعر الكيلو ٢٤ جنيها! ما المشكلة؟ وجدنا أن العلف الذى يشتريه المربُّون من خارج القرية والذى يتم تصنيعه بمدخلات مستوردة قد ارتفع سعره وفاق قدرة المربين على شرائه، من هنا بزغت فكرة المشروع: التوجه إلى صغار المربين/المزارعين وإقناعهم بتصنيع علف غير تقليدى باستخدام العديد من البواقى الزراعية المتوفرة لديهم والتى يجرى إحراقها أو تركها فى الحقل مثل قش الأرز وعيدان الذرة الشامية وعروش البطاطا وبنجر السكر، وكذلك تدريبهم على صناعة هذه الأعلاف وفقا لشعار: “اصنع علفك بنفسك”. ما الذى انتهت به التجربة؟ لقد قام هؤلاء المربون/المبادرون بإنشاء جمعية كفر العرب لتنمية الثروة الحيوانية والتى تقوم حالياً بمساعدة كل من يرغب من المربين/ المزارعين بالقرية فى أن يقوم بنفسه بتصنيع الأعلاف غير التقليدية التى يحتاجها.


سماد فارس العضوى


تقع «قرية فارس»، مركز كوم أمبو بمحافظة أسوان غرب النيل وتشتهر بزراعات النخيل، نخيل التمر والدوم وكذلك زراعات المانجو ويؤدى إهمال تقليم النخيل إلى نشوب الحرائق التى تأتى على النخيل وإلى انتشار السوسة الحمراء Red weevil والتى أصبحت تشكل خطراً داهماً على زراعة النخيل فى أغلب محافظات مصر. وجدنا كذلك أن أبناء القرية مغرمون باستصلاح الأراضى الصحراوية حول زمام القرية وأن الفقير منهم قد يمد مياه النيل بماسورة طولها ٢-٣ كيلومترات إلى الغرب كىّ يستصلح فداناً أو أكثر، كذلك وجدنا من دراسات ميدانية سابقة، أن الإستخدام المفرط للسماد الكيميائى غالى السعر فى غياب الإرشاد الزراعى الفعَّال قد أدى إلى انتشار لوكيميا الدم بين الأطفال، هكذا وُلِدَت فكرة المشروع: تصنيع سماد عضوى من نواتج تقليم نخيل التمر والدوم وأشجار المانجو. نجحنا فى الوصول - من خلال عملنا الميدانى الدؤوب ـ إلى جمعية أهلية لرعاية الأيتام، وأقنعنا القائمين عليها بأن إقامة مشروع مدر للدخل ومفيد للقرية، مشروع إنتاج السماد العضوى، يمكن أن يمثل مصدراً لأعمال الخير للجمعية، وكخطوة أولى لإقناعهم بجدوى المشروع، درَّبنا كوادر الجمعية على علاج النخيل المصاب بسوسة النخيل الحمراء لقاء مقابل نقدى للجمعية، وبعد ذلك تم تدريب كوادر الجمعية على تصنيع السماد العضوى الذى أصبح منتجاً يدر دخلاً مستداماً للجمعية.


الفقراء والتطوير التكنولوجى: مسئولية من؟


هناك مثل صينى يقول: “إذا أردت أن تساعد فقيراً فلا تعطِه سمكة ولكن أعطه شصا يصطاد به”، وأحب فى سياق حديثى عن الفقراء والتطوير التكنولوجى أن أضيف التعديل التالى: “... ولكن ساعده فى تطوير شصه”، سوف أسوق لإيضاح الفكرة المثال التالى: لماذا هناك سوق للحقيبة البلاستيكية وليس هناك سوق لحقيبة الخوص؟ هل لأن البلاستيك يفضل الخوص كخواص استعمالية؟ إطلاقاً، بل على العكس تماماً، فالخوص يتمتع بخواص فيزيقية وميكانيكية جيدة بالمقارنة بالبلاستيك: لقد أثبتت بحوثنا العلمية أن هناك أنواعا من الخوص تتمتع بنفس متانة الشد لخشب الزان المستورد، كما أن الخوص يتميز عن البلاستيك من زاوية الصحة العامة وكذلك فى إمكانية استخدامه به انتهاء العمر الافتراضى للحقيبة: فى العلف الحيوانى (يحتوى على ٥٪ بروتين) أو فى التسميد Composting لاحتوائه على السليلوز، أما البلاستيك فلا يمكن أن تتعامل معه الطبيعة لأنه غير قابل للتحلل Nonbiodegradable. الإجابة: لأن البلاستيك تقوم بصنعه شركات متعددة الجنسيات أما الحقيبة الخوص فنساء القرى الفقيرات. أعنى بذلك أنه فى حين تحوز الشركات الكبيرة والشركات متعددة الجنسية على وجه الخصوص إمكانات هائلة للبحوث والتطوير فليس لدى الفقراء الذين يعملون فى المنازل أو فى منشآت الصناعات الصغيرة أى إمكانات تُذكر فى هذا الإطار. إن ترك هذا الموضوع لآليات السوق سوف يعنى بالتأكيد القضاء على صناعات الفقراء التى تواجهها منافسة شرسة على الصعيدين القومى والعالمى من الشركات الكبيرة وما يترتب على ذلك من آثار اجتماعية خطيرة،


إننى أعتقد أن هناك ضرورة أن تتولى الدولة والجهات المانحة والمؤسسات والجمعيات الأهلية دعم التطوير التقنى لهذه الصناعات، المطلوب هو بلورة قوى دافعة Driving force للتطوير التقنى لهذه الصناعات بما يمكنها من المنافسة والازدهار وإطلاق طاقات الغالبية من أبناء الشعب المصرى على الإبداع والعمل والإنتاج، وتجدر الإشارة إلى أن مخاطر إساءة استخدام هذا التمويل سوف تكون أقل بما لا يقاس حيث يسهل قياس العائد الذى سوف ينعكس: أما على تطوير التقنية أو تصميم المنتج أو رفع جودة الإنتاج، الخ.