بان كى مون.. وداعاً للقلق!

22/09/2016 - 12:40:25

بقلم د.صفوت حاتم

تستعد الأمم المتحدة  الآن لاختيار أمين عام جديد لها خلفا للأمين الحالى «بان كى مون» الذى تنتهى مدته فى يناير القادم.


.. الأمين العام  الحالى «بان كى مون» يلقبه المصريون على مواقع التواصل الاجتماعى بـ»إله القلق»..تهكما على مواقفه  الباهتة على الأزمات والكوارث التى مر بها العالم خلال فترة أمانته للأمم المتحدة والتى لم تثر لدى الأمين العام  سوى»القلق»!!


 لقد  تحولت الأمم المتحدة  .. عمليا..  لمؤسسة تعطى الشرعية للدولة العظمى..أمريكا.. وحلفائها..للتدخل فى مصائر الشعوب الصغيرة..دون أى وازع من القانون أو الأخلاق.


 وقد وضحت معالم الهيمنة الأمريكية على المؤسسة الدولية..بعد انهيار الكتلة السوفيتية.. وشحوب دور كتلة عدم الانحياز..فى زمن ما بعد الحرب الباردة فى التسعينيّات.


لقد نجحت الكتلة السوفيتية..وكتلة دول عدم الانحياز فى وقف الطموحات العدوانية الشديدة للقوة العظمى الإمبريالية..ومواجهة نفوذها الكاسح.. والكارثى.. بعد الحرب العالمية الثانية.


 كان لصعود حركات التحرر الوطني..وميولها الاستقلالية الواضحة..أثر كبير فى تشكيل فكر ورؤى العالم فى الخمسينيّات والستينيات والسبعينيات.


وكانت مصر..والهند..ويوغسلافيا..هى المحور الذى تحلقت حوله الدول الصغيرة..حديثة الاستقلال.. بهدف إحداث توازن مؤثر بين القوتين العظميين المؤثرتين على مصير العالم..وعلى القرار  فى الأمم المتحدة.


وفى منتصف السبعينيات.. كانت القوى الاستعمارية العظمى قد نجحت فى تصفية وإنهاء معظم حركات التحرر الوطنى فى آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية..


وهكذا بدأ الضعف والمرض ينتاب حركة عدم الانحياز.


وبغياب رموز الحركة التاريخيين: نهرو.وناصر..وتيتو..نجح الاختراق الأمريكى للحركة.. وشيئا فشيء..بدأ تسرب دول  عدم  الانحياز وتحولهم من الاستقلال إلى التبعية.. واتجه معظم قادة دول عدم الانحياز إلى تبعية مطلقة  للأمريكان..ولجأ القليل منهم لتبعية مطلقة للسوفييت قبل سقوط الكتلة الشيوعية.  


 كانت الثمانينيات والتسعينيات هى حقبة الضعف والغياب شبه الكامل للصين وروسيا والهند.. وشحوب دورهم فى الأمم المتحدة.


 ومع أزمة اجتياح العراق للكويت..تأكدت السيطرة  ﻷمريكا وحلفائها على الأمم المتحدة ومؤسساتها.. وتم إقرار مبدأ غريب فى مبادئ الأمم المتحدة وهو «حق التدخل الخارجى».


 واستخدمت الولايات المتحدة الأمريكية هذا المبدأ الشاذ لغزو العراق..وفى الحرب الأهلية اليوغسلافية....... ثم استخدمته دون مسوغ فيما سمى «الربيع العربي» لتبرير التدخل العسكرى فى سوريا وليبيا ومالي..وغيره.


 وفى كل تلك الأزمات لم يكن للأمين العام للأمم المتحدة أى دور يذكر فى الوقوف أمام الهيمنة الأمريكية ..غير الأخلاقية..وغير القانونية..التى هيمنت على قرارات المؤسسة الدولية.


  فساد الأمم المتحدة


 لم يتوقف الانهيار فى دور ومهمة الأمم المتحدة عند حدود «التواطؤ السياسي» على قهر الشعوب الصغيرة.. بل طالت المؤسسة الدولية وقائع فساد خطيرة.. منها وقائع فساد برنامج «النفط مقابل الغذاء» الذى فرضته أمريكا على الشعب العراقى من خلال مجلس الأمن والأمين العام لها عام ١٩٩٣، والذى كان يسمح ببيع النفط العراقى مقابل سد الحاجات الإنسانية للشعب العراقى فى ظل الحصار الجائر الذى فُرض عليه فى أعقاب حرب الخليج الثانية.


 ففى تقرير نشره موقع «دويتش فيلا» يوم ١٠/ ٨ / ٢٠٠٥ بعنوان «فضيحة النفط مقابل الغذاء» نقرأ مايلي:


«اتهمت لجنة التحقيق فى فضيحة برنامج» النفط مقابل الغذاء» عدة مسئولين دوليين كبار فى البرنامج بتلقى رشاوى كبيرة من الشركات التى كانت تعمل مع الأمم المتحدة فى إطار البرنامج.. حيث وُجهت التهم لكل من المدير السابق للبرنامج «بينون سيفان».. ومدير المشتريات فى البرنامج «ألكسندر ياكوفليف».


 وقد اعترف «ياكوفليف أمام القضاء الأمريكى أنه تلقى رشاوى تصل لمئات الآلاف من الدولارات.. وكان المدعى العام لولاية نيويورك «ديفيد كيلي» قد صرح بأن «ياكوفليف» قد حصل على رشاوى بشكل غير قانونى من شركات كانت تسعى للحصول على عقود من الأمم المتحدة فى إطار برنامج النفط مقابل الغذاء.. وأنشأ لنفسه شركة وهمية لتسهيل تلقى الرشاوى وتحويلها لحسابه فى سويسرا!!


 وقد تشكلت لجنة التحقيق برئاسة «بول فولكر».. بعد أن  فاحت  رائحة عمليات الفساد .. وكانت اللجنة قد اتهمت  «ياكوفليف» بتهم ثلاث : التآمر.. وخيانة الأمانة.. وغسيل أموال.  وهى تهم تصل عقوبتها إلى السجن ٢٠ عاما.  وقد أُطلق سراحه بكفالة.. آنذاك.. قدرها ٤٠٠ ألف دولار.


 واتهمت اللجنة أيضا الرئيس السابق لبرنامج النفط مقابل الغذاء «بينون سيفان».. وهو قبرصي.. بالحصول على عمولات تقرب من ١٥٠ ألف دولار نقلها له أحد أقارب الأمين العام السابق للأمم المتحدة «بطرس بطرس غالي». وطبقا لما جاء بالتحقيق.. فقد عمل «سيفان» مع «فخرى عبد النور».. أحد أقرباء «بطرس بطرس غالي» والذى يمتلك شركة «ميدل إيست بتروليم».. وورد فى التقرير أن «بينون سيفان» حصل بشكل غير قانونى على أموال من فخرى عبد النور وفريد نادلر ( شقيق زوجة بطرس غالى ) !!!


 ورغم نفى «سيفان» للتهم الموجهة له.. إلا أنه استقال من المنظمة  بعدما رفع الأمين العام للأمم المتحدة «كوفى عنان» الحصانة عن مدير مشترياته «ياكوفليف». مما يعطى انطباعا كبيرا بصحة الشائعات التى أحاطت بـ«سيفان»!!


  شبهات حول كوفى عنان!!


 ومن ضمن الشبهات التى دارت حول برنامج «النفط مقابل الغذاء» الشبهات التى دارت حول الأمين العام للأمم المتحدة «كوفى عنان».. وهو الذى تولى المسئولية بعد «بطرس بطرس غالي».


 فقد صرح القاضى «ريتشارد جولدستون».. وهو من جنوب إفريقيا.. أن لجنة التحقيق فى الفساد: «تحقق بهمّة فيما إذا كان «كوفى عنان» على علم مسبق بعرض لشركة «كوتكنا للتفتيش» والتى فازت بعقد مربح فى إطار برنامج النفط مقابل الغذاء.. وكان التحقيق يدور حول رسالة إلكترونية  قال فيها»مايكل ويلسون».. النائب السابق لشركة»كوتكنا» إنه التقى بكوفى عنان وابنه «كوجو» قبل أن تحصل الشركة على العقد بفترة قصيرة.


وزعم «ويلسون» أنه تلقى وعداً من  كوفى عنان الأب.. ومعه «كوجو» الابن.. والموظف فى الشركة أيضا .. بأنه «يمكن الاعتماد على دعمهما»(!!  )


 وقد قال رئيس لجنة التحقيق.. آنذاك: «إن الرسالة الإلكترونية تطرح علامات استفهام جديدة حول ما كان يعلمه الأمين العام من وقائع فساد فى البرنامج»(!!! )


 وهكذا أحاطت شبهات الفساد بعدد كبير من الموظفين الدوليين وأدوارهم المشبوهة فى التربح على حساب آلام الشعب العراقي.


 وكان من الطبيعي.. والحال  هكذا.. أن يحصل «كوفى عنان» على جائزة «نوبل للسلام» عام ٢٠٠١  نتيجة لجهوده العظيمة فى تدمير العراق!!!


ولن  يخفف من جريمة «كوفى عنان» إعلانه عن أسفه لما حدث واعتبار أن عدم تجنب الحرب فى العراق هو أسوأ لحظة مرّ بها على مدار عشر سنوات ترأس خلالها الأمم المتحدة!!  


والآن : والسيد «بان كى مون» يستعد للحصول على معاشه.. ومكافأته من الأمم المتحدة.. والعودة لأبنائه وأحفاده.. هل سيتذكر أطفال العراق وسوريا وليبيا.. وماجرى لهم من كوارث جراء سياسة «القلق» التى اتبعها خلال سنوات طويلة ؟؟!!


 وهل سيمنعه «القلق» من النوم الهانئ.. وشعوب سوريا وليبيا والعراق يعانون من جرائم أمريكا التى غطت  عليها الأمم المتحدة  تحت رئاسته ؟؟!!


 وهل سيستيقظ صباحا ليشاهد الأخبار، وتتوالى أمام عينيه صور القتلى والمشردين واللاجئين.. وهو يحتسى قهوة الصباح .. هاتفا: وداعا  للقلق!!!