الاتفاق الروسى ـ الأمريكى حول سوريا .. ما وراء الأكمة

22/09/2016 - 12:37:04

بقلم - د. نبيل رشوان

ربما لم يحظ اتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا حول الأزمة السورية منذ نشوبها من اهتمام بمثل الاتفاق الأخير الذى استغرق التفاوض حوله أكثر من ١٧ ساعة بين وزير الخارجية الأمريكى جون كيرى والروسى سيرجى لافروف، تخلله راحة لالتهام البتزا التى طلبها جون كيرى فى فندق الرئيس ولسن فى جنيف، بينما لم يرتبك وزير الخارجية الروسى وساهم بالفودكا الروسى عندما طلب منه ذلك، فى إشارة إلى أن كل طرف سيساهم بجدية وعملية فى إيجاد حل سياسى فى سوريا وليس مجرد كلام.


أهمية الاتفاق الأخير تكمن فى أنه ليس مجرد اتفاق لوقف إطلاق النار، وليس مجرد اتفاق له مصلحة مباشرة بحياة وأمن الناس سواء فى حلب أو فى مدن سورية أخرى، بل إنه حدد الخنادق ولأول مرة تعترف الولايات المتحدة بأن جبهة النصرة أحد روافد القاعدة منظمة إرهابية ويمكن قصفها، والأهم هو بالطبع الاعتراف بالدور الروسى فى سوريا، بالإضافة إلى التنسيق بين الدولتين فى عمليات قصف المنظمات الإرهابية من تنظيم الدولة وجبهة النصرة التى تحولت إلى جبهة تحرير الشام وأعلنت أو ادعت أنها انفصلت عن القاعدة.


رغم التفاؤل الذى خرج به وزيرا خارجية كل من روسيا والولايات المتحدة، إلا أن بعض المراقبين أعرب عن تحفظه على الاتفاق، وتساءل البعض مستنكراً لماذا تذهب روسيا وحلفاؤها لعقد اتفاق هى أول من يعلم سلفاً أنه سيخرق قبل أن يجف الحبر الذى كتب به. فى وقت متأخر من ليل العاشر من سبتمر تم الإعلان عن الاتفاق الذى لا يختلف فى جوهرة عن الاتفاق الذى تم التوصل إليه فى شهر فبراير من العام الجارى، وكما فى المرة السابقة الحديث يدور عن وقف إطلاق النار وعن احتلال فصائل مختلفة من الإرهابيين لبعض الأراضى السورية، فى نفس الوقت هذه الفصائل مدعومة من البنتاجون والمخابرات الأمريكية، وبعض الدول العربية الحليفة مثل قطر و المملكة العربية السعودية.


فى الاتفاق الأول (فبراير) كانت الولايات المتحدة مصرة على أن يقوم الطيران الروسى والسورى بقصف مواقع القاعدة (جبهة النصرة ثم جبهة فتح الشام بعد ذلك) بشكل استثنائى دون المساس بما أسمته (المعارضة المسلحة المعتدلة) المرتبطة بجبهة فتح الشام (القاعدة) والمتحالفين معها من فصائل إرهابية، وبالتالى حصلت القاعدة على حماية واشنطن من القصف الروسى ـ السورى. وكان الأمريكيون ينتقدون تصرفات سوريا وروسيا على اعتبار أنهما أثناء قصف مواقع القاعدة يصيبون مواقع للمعارضة التى يسمونها المعتدلة المرتبطة بها، وهو ما أدى إلى فشل الاتفاق.


فى الاتفاق الجديد، حدث تطور مهم وخطير، وهو ما يعتبر نجاح للدبلوماسية الروسية، ووفق كلمات جون كيرى “أريد أن يكون هناك شئ واحد واضح لأن بعض وسائل الإعلام تقلب الحقائق، العمل سيكون موجها ضد جبهة النصرة ( المنظمة الممنوعة فى روسيا ـ الكاتب) وهذا ليس تنازلا لأحد لأن مكافحة جبهة النصرة يعنى مكافحة القاعدة، ومكافحة أفرع القاعدة فى سوريا، أى أن مكافحة جبهة النصرة تصب فى مصلحة الولايات المتحدة تماماً”، والمتابع للأمور لا يعتبر هذا تنازلاً أو طفرة فى تغيير المواقف فروسيا وفق صحيفة الواشنطن بوست رفضت مسألة عدم قصف جبهة النصرة بناءً على اقتراح من واشنطن. الاختلاف الآن إن كيرى دعى بنفسه وباسم رئيسى البلدين وباسم البلدين جميع الأطراف إلى دعم الخطة التى اتفق عليها كل من روسيا والولايات المتحدة لإنهاء النزاع الذى وصفه بالكارثى فى سوريا بأسرع ما يمكن بحل سياسى.


لنترك الآن التصريحات النارية المتفائلة وننتقل إلى سؤال مهم، هل سيستمر هذا الاتفاق أم سيكون مصيره مثل سابقه؟ من المعروف أن الاتفاق ينص على وقف إطلاق النار من جميع الأطراف، على أن يبدأ ذلك مع بداية عيد الأضحى، فى الوقت الذى ستبدأ فيه كل من الولايات المتحدة وروسيا إعداد مركز مشترك ستتبادل من خلاله الدولتان المعلومات حول مواقع تواجد تنظيم القاعدة أو جبهة فتح الشام، ومواقع المعارضة النشطة فى مناطق المواجهات، من المفترض أن يبدأ المركز عمله بعد أسبوع لتحديد المناطق التى تسيطر عليها هذه المجموعة أو تلك أى أماكن سيطرة كل مجموعة مسلحة، من أجل عملية فرز لمواقع الإرهابيين وما تسميه الولايات المتحدة المعارضة المعتدلة.


ينص الاتفاق كذلك على عدم قيام الطيران السورى بقصف مواقع ما يطلقون عليهم “المجاهدين المعتدلين” وهذا بخلاف المعارضة المعتدلة، الذين تحميهم وتدعمهم الولايات المتحدة، فى المقابل وعدت الولايات المتحدة، بأن يقطع مجاهدوها فى جبهة فتح الشام صلاتهم بتنظيم القاعدة، بهذا الشكل سيقوم بالطيران فوق سوريا الطيران الروسى والأمريكى فقط وسيقومان بقصف مواقع متفق عليها فيما بينهما سلفاً، لكن هذا سيحدث فقط فى حالة تنفيذ كافة بنود الاتفاق، كما ألقت الولايات المتحدة، بظلال الشك حول مصير الاتفاق عندما أعطت المعارضة والجهاديين التابعين لها حق الدفاع عن النفس إذا تعرضوا لإطلاق نار.


وهنا الوضع معقد للغاية ففى الوقت الذى وافقت فيه دمشق على قواعد الاتفاق، مما يعنى أنها أصبحت جزءا من الاتفاق الروسى ـ الأمريكى، فإن الولايات المتحدة ليس لديها القدرة على إجبار مجاهديها الابتعاد عن القاعدة بشكل جدى وحقيقى، فقد وجهت الولايات المتحدة خطابات إلى فصائل المعارضة السورية حثتها فيها على قبول الهدنة كأفضل وسيلة “لإنقاذ حياتها” مؤكدة على أن رفض الهدنة سيكون له “آثار رهيبة”، وفى نفس الوقت أكدت الولايات المتحدة للجهاديين التابعين لها أو من تسميهم بالمعتدلين بأن لهم الحق فى الدفاع عن النفس فى حالة تعرضهم للقصف الروسى ـ السورى، ولهم حق الاستمرار فى القتال!، ويبدو أن الولايات المتحدة بسلوكها هذا تحمى حليفتها أوربا من خلال استمرار الإرهابيين فى القتال فى سوريا، حيث تخشى أوربا من أنه بعد هزيمة الجهاديين فى كل من سوريا والعراق، أن يتحولوا إلى أوربا .


مربط الفرس أو حجر الزاوية فى الاتفاق هو انفصال “الجهاديين المعتدلين” عن تنظيمى الدولة والقاعدة، لكن رد الفعل المبدئى للجهاديين غير مشجع كثيراً لأن ما يعرف بالجيش السورى الحر يخوض الحرب فى العديد من المناطق بالتحالف مع القاعدة (جبهة فتح الشام)، كما تشارك القاعدة فى أغلب العمليات العسكرية، ولهذا من الصعب الحديث عن انفصال، مع الأخذ فى الاعتبار أن بعض المجموعات من الجيش السورى الحر تسعى للانضمام للقاعدة، من وجهة نظر بعض العارفين ببواطن الأمور أن المشكلة مع الجيش السورى الحر يمكن حلها بسهولة، حيث توجد قيادته ومصادر تمويله فى تركيا، ولهم امتداد فى شمال سوريا حيث تقوم القوات التركية بعمليات عسكرية بغية إقامة منطقة عازلة لمنع الأكراد من إقامة دولة أو الحصول على حكم ذاتى، وموافقة تركيا على الاتفاق الروسى ـ الأمريكى لا يبقى أمام الجيش السورى الحر من خيار سوى الانصياع وتنفيذ الاتفاق، وإلا فإن عليه البحث عن ممول وحماية من طرف أخر.


على صعيد آخر، تعتبر معظم قيادات المعارضة السورية أن الاتفاق الروسى ـ الأمريكى هو مؤامرة على المعارضة وعلى مكاسب “الثورة” التى تحققت بصعوبة ومن الصعب حسب مراقبين تغيير أفكارهم بهذا الخصوص، وعلى سبيل المثل رفضت جماعة “أنصار الشام” المتطرفة الاتفاق، بالمناسبة تعتبرها الولايات المتحدة من المعارضة “المعتدلة”، واعتبرته أنه يدعم نظام بشار الأسد.


بالإضافة إلى ما ذكر هناك مشاكل أخرى تواجه الولايات المتحدة فيما يتعلق بتنفيذ الاتفاق، لا يوجد إجماع داخل النخبة الحاكمة فى الولايات المتحدة فيما يتعلق بالأزمة السورية فى مجملها، وليس هناك دليل أوضح على ذلك من أن جون كيرى قطع المفاوضات للتشاور مع واشنطن خلال المفاوضات الماراثونية التى استمرت على مدى تسع ساعات عدة مرات، ووفق بعض المصادر الاتفاق أغضب وزير الدفاع إشتون كارتر، الذى اتهم روسيا بخلق نوع من عدم الاستقرار على المستوى الدولى، وأنها تهدد الأمن والسلام الدوليين وشكك فى النوايا الروسية فيما يتعلق بالأزمة السورية، كما أعرب رئيس الاستخبارات جيمس كليبر عن عدم موافقته على الاتفاق.


ويبدو لى أن الولايات المتحدة لن تسعى بجدية لتنفيذ الاتفاق، وإلا كانت سعت لعقد الاتفاق من خلال قمة العشرين عندما التقى رئيسا روسيا والولايات المتحدة على هامش القمة، لكن تكليف وزير الخارجية بتوقيع الاتفاق جعله محل شك فى التزام الولايات المتحدة به من خلال إجبار حلفائها من الجهاديين “المعتدلين” على تنفيذه، على أى حال الزمن وحده كفيل بالحكم على مدى جدية الولايات المتحدة فى تنفيذ الاتفاق من خلال إجبار مجاهديها “ المعتدلين” فى سوريا على تنفيذه، ففى سوريا الجميع يحارب ضد الجميع والسيطرة بالتحديد على الأرض ضعيفة خاصة من جانب الولايات المتحدة.


هناك عدد من البنود السرية فى الاتفاقية يقال أن هناك خمس وثائق سرية، من تنازل لمن وإذا كان التنازل متبادلا فمن تنازل أكثر للآخر، كل الدلائل تشير إلى أن الولايات المتحدة قدمت تنازلات أكثر، بدليل أن دمشق وطهران وحزب الله وتركيا وافقوا على الاتفاقية دون تردد، وذهب بعض المحللين إلى أن التنازلات كبيرة لدرجة أن الأمريكيين لا يريدون الكشف عن حجم التنازلات، ويشير إلى بدء بناء المحطة النووية بوشهر ـ ٢ فى إيران ولا عن مفاوضات روسية لقاعدة جوية فى همدان للقاذفات الروسية الاستراتيجية.


بصرف النظر عن أى شئ فإن الاتفاقية سواء استمرت الهدنة أو لم تستمر كما حدث مع هدنة فبراير، إلى أنها ستجعل الولايات المتحدة فى موقف ضعف أمام العالم فهى لم تستطع فى فبراير تحديد المعتدل من المتطرف فى المعارضة السورية وهاهى من جديد تفشل، وهو ما سيجعل الموقف الروسى أقوى، اعتقد الكثيرون أن التدخل التركى المباشر فى شمال سوريا قد أضعف الموقف الروسى، لكن هذا غير صحيح فهو يتوافق تماما مع الأهداف الروسية من حيث الحفاظ على وحدة الأراضى السورية، وتغيير تركيا لموقفها من الرئيس بشار الذى تؤيده روسيا. خاصة بعد محاولة الانقلاب الأخيرة فى تركيا ووقوف روسيا ضدها، وإدراك أنقرة أن سقوط بشار قد يؤدى إلى قيام دولة كردية فى شمال شرق سوريا وهو ما لن تسمح به تركيا.


فى تصورى التحدى الأهم الآن أمام الرئيس بوتين وروسيا هو الحفاظ على الهدنة الحالية، وتقديم الدعم الإنسانى للمواطنين البسطاء العزل على طريق البحث عن حل سياسى للازمة. والأهم هو عدم رضوخ روسيا للاستفزاز بحيث تتورط أكثر فى سوريا عسكريا فى ظل الظروف الاقتصادية الحالية التى تعيشها مع الحصار الغربى عليها على خلفية الأزمة الأوكرانية، فكل المؤشرات تشير إلى أن الولايات المتحدة تسعى لتوريط روسيا فى المستنقع السورى وتقوم بدعم عناصر وعصابات إرهابية بدعوى أنها معارضة معتدلة، وأنا أرى أن المشهد شبيه بذلك الذى حدث مع الاتحاد السوفييتى إبان حرب أفغانستان عندما زادت السعودية من إنتاجها النفطى لخفض أسعار النفط، الأمر الذى أرهق الاقتصاد السوفييتى المرهق أصلا والذى كان يعتمد بدرجة كبيرة فى مداخيله على بيع النفط، والذى كان على حافة الانهيار نتيجة الحرب الباردة وسباق التسلح، بحيث تقوم روسيا بتدخل عسكرى ضخم ومباشر وترسل قوات على الأرض لقتال عصابات مسلحة فى سوريا فى حرب طويلة، ترهقها اقتصاديا أكثر، رغم خبرة روسيا الكبيرة فى مثل هذا النوع من الحروب.


أخر التطورات تشير إلى أن الاتفاق أكثر هشاشة حتى مما توقعنا، فقد قام الطيران الأمريكى بقصف قوات سورية متمركزة بالقرب من مطار دير الزور، مما أسفر عن مصرع حوالى ٩٠ جنديا وضابطا سوريا وهو الأمر الذى أغضب القيادة الروسية وهددت على لسان ممثلها فى الأمم المتحدة بكشف البنود السرية فى الاتفاق، غير أن القيادة الروسية التى تتحدث عن خروقات عديدة تقوم بها المعارضة (المعتدلة) المدعومة من الولايات المتحدة، تحدثت كذلك عن انضمام مناطق جديدة إلى الهدنة منها درعا وحمص وإدلب وبعض ضواحى دمشق، وتسعى روسيا لتوسيع نطاق الهدنة لتعطى الفرصة لحل سياسى، وفى نفس الوقت لإيصال المساعدات الإنسانية للسكان، وهو ما تقوم به فى حلب الآن حيث تراقب طريق كاستيللو بالطائرات بدون طيار، روسيا حتى الآن التزمت بالاتفاق وأقصى درجات ضبط النفس، والسؤال الآن إلى أى درجة سيكفى الصبر الروسى، فالتصرفات الرعناء من قبل الولايات المتحدة وحلفائها من الممكن أن تدفع الأمور لمواجهة أكبر.


كل الآمال الآن معلقة على اجتماع الطرفين الروسى والأمريكى لوضع خريطة الأهداف التى سيتم قصفها لتنظيم الدولة (داعش) وجبهة النصرة أو فتح الشام إذا أقرت الولايات المتحدة بأنها منظمة إرهابية. تجدر الإشارة إلى أن الولايات مترددة فى ذلك حتى الآن وهو ما قد يلقى بظلال الشك حول نوايا واشنطن وجديتها فى مكافحة الإرهاب، والاتفاق برمته.