د. يحيى الرخاوى: المهاجرون فئران السفينة

30/09/2014 - 9:36:37

د.يحى الرخاوى استاذ الطب النفسى د.يحى الرخاوى استاذ الطب النفسى

حوار- نورا حسين

هذا وطنكم.. لمن ستتركونه؟.. هل نستورد شباباً من الصين؟.. إذا كانت بلدنا منهارة وتعانى فلنعيد بناءها والأمل معقود عليكم».. هذه هى الرسالة التى يوجهها الدكتور يحيى الرخاوى أستاذ الطب النفسى إلى الشباب.. ويؤكد فى حواره لـ«المصور» أن الدولة قصرت فى احتواء الشباب خلال السنوات الماضية، ولكن آن الآوان أن يستعيد الشباب انتماءه مرة أخرى خاصة أن النظام الحالى يدرك أهمية دور الشباب ويمد يده لهم.


ويؤكد أن الشباب يسكنهم المعجزات ولكنهم يحتاجون إلى مشروع قومى لتحويل الطاقة السلبية إلى طاقة إيجابية وأيضا يحتاج الشباب إلى أن يصدقوا حكامهم وقد بدأت الدولة تتصالح معهم بمشروع قناة السويس.. وإلى نص الحوار.


> هل مازالت الدولة تخطئ فى حق الشباب ولم تتعلم من الظروف التى مررنا بها وأظهرت أنهم القوة الفاعلة؟


الظروف التى مررنا بها لم تظهر أن الشباب هم القوة الفاعلة، وإنما يمكن القول إنها أظهرت أنهم طاقة دافعة، والطاقة الدافعة (مثل احتراق البنزين فى حجرة احتراق السيارة) هى المسئولة فقط عن قوة الدفع (فتسيير السيارة يحتاج بنقل هذه الطاقة الدافعة إلى تروس وكورونا وعجل) ويقود كل ذلك قائد ماهر إلى هدف محدد، ولا يشترط فى هذا القائد أن يكون شابا.


أما إننا نخطئ فى حق الشباب فهذا الخطأ هو أعمّ من تحديده فى فئة الشباب فنحن نخطئ أكثر، وأولا فى حق الأطفال والصغار وهؤلاء هم الذين يصيرون شبابا، ولا يبقى فيهم بعد أخطائنا فى حقهم إلا فجاجة الحماس ونار الغضب.


> هل الفجوة الموجودة بين الأجيال أوجدت فراغا مجتمعيا مثلما حدث فى السبعينيات عندما اندثرت الطبقة الوسطى فأفرغ المجتمع من قوامه؟


ما زالت الطبقة الوسطى تتضاءل أكثر فأكثر ولم يتوقف هذا منذ السبعينيات، وهى لم تندثر تماما لأنها جسد الشعب والعمود الفقرى لأى بناء حضارى، أما الفجوة بين الأجيال فهى موجودة على مدى التاريخ وبطول الجغرافيا وعرضها، فهى موجودة من أيام الحكم الخديو والملكى فى مصر حتى الآن، كما أنها موجودة عبر العالم فى كل الدنيا برغم اختلاف الثقافات والأعراق، والفجوة فى حد ذاتها ليست عيبا أو نقصا لأنها مرحلة طبيعية على مسار نمو الأمم، المهم هى طريقة تعاملنا معها واحترامنا لها ومحاولة ملء الفجوة بتحدٍّ خلاق، وهذا هو ما ينشئ شعبا متماسكا.


- الانتخابات الرئاسية الماضية أظهرت حالة رفض وانعزالاً من جانب بعض الشباب؟


- لا أوافق على أن الشباب عزفوا عن المشاركة فى الانتخابات الرئاسية، وحسب الإحصاءات النهائية التى وصلتنى مثلا من مركز "بصيرة" فإن مشاركة الشباب كانت متناسبة مع نسبتهم فى التعداد، بل وأكثر فى بعض المناطق، وعموما فإن شباب هذه الأيام لم يعيشوا أصلا معنى الشارع السياسى ولا الحوار السياسى ولا الاختيار السياسى، فطوال الستين عاما الماضية (وليس فقط الثلاثين) كانت السياسة تُمارس بما يمكن تشبيهه بطلبات "ديلفرى" أى توصيل السياسة للمنازل، ومن تسمونهم "حزب الكنبة" هذه الأيام، وهو اسم رشيق طريف، ليسوا من الشباب عادة، لكنهم من الذين تعودوا تسلم طلبات الديلفرى السياسية راضين أو ساخطين، وفى رأيى أنه ليس حزبا سلبيا، بل إن ما وصلنى هو أنهم يتركون الكنبة ويشاركون فى صنع الرأى والاختيار والقرار، متى دعوا إلى ذلك، بطريقة أفضل وأكثر فاعلية أحيانا من حماس الشباب وحدة الاحتجاجات.


> هل مازالت فكرة محاربة البطالة والوعود بالتوظيف عوامل جذب للشباب أم أن للأمر أبعاداً أخرى سياسية واجتماعية؟


- محاربة البطالة والوعود بالتوظيف ليست حلا، الحق فى العمل هو من أوائل حقوق مستوى الضرورة قبل مستوى الحرية لأى إنسان موجود على ظهر الأرض، فحق العمل للشاب وغير الشاب هو أساس لابد من إرسائه، ثم بعد ذلك يمكن أن نطلب من الشباب الإنتاج، لكن المصيبة أن معنى التوظيف انفصل عن قيمة العمل، فليس كل موظف عامل، وليس كل عامل يشعر بأنه لابد أن يكون موظفا من قبل الحكومة، إن توفير فرص التوظف قد يحقق للشباب وغير الشباب مستوى الكفاف، أما تنمية قيمة العمل بما يعنى التزام وانتماء وواجب فهذا شىء آخر، يقع فى منطقة القيم والأخلاق والواجبات وليس فى مستوى الحقوق الأساسية ومستوى الضرورة، وأشير باستمرار لتوضيح معنى قيمة العمل إلى بلد مثل اليابان (والصين الآن أيضا) حيث إن من لا يعمل هناك يشعر بالذنب لدرجة التخلص من الحياة تكفيرا فى بعض الأحيان.


> من وجهة نظرك لماذا انعزل الشباب عن عملية إعادة بناء الدولة؟ وهل الدولة فى عدم اشراكهم أم هم لديهم شروط وأفكار يريدون فرضها فقط؟


- من قال إن الشباب انعزل عن عملية بناء الدولة؟ أعتقد أن المبادرة بتغطية تمويل مشروع قناة السويس الجديدة لم تستثنِ الشباب، لأن العاملين فى هذا المشروع كثير منهم إن لم يكن أغلبهم من الشباب، وحتى الكبار (والشيوخ) الذين يعملون فى هذا المشروع وغيره هم شباب روحا وقوة وانتماء.


ثم نأتى إلى عملية إشراكهم فليس المطلوب أن نزين كل مؤسسة أو كل موقع تنفيذى بعدد من صغار السن حتى نتصور أنه أصبح موقعا شابا، الشباب ليس بصغر السن وإنما: بالقدرة على الحفاظ على الدهشة، وإلى رفض المستحيل، وعلى الإقدام على المغامرة مع حسابات تجنب التهلكة، وعلى الابتكار والإبداع والتجديد فى كل المجالات، وهذا كله يتوفر فى أى سن، وللأسف قد لا يوجد فى كثيرين من صغار السن الذين يتصورون أنهم يمثلون الشباب بشهادات ميلادهم وليس بالمواصفات السالفة الذكر.


> ما العلاقة بين الثورة التى شهدناها وما وصلنا له من انحطاط مجتمعى فى توقيت بسيط.. وما السبب فى ذلك؟


- نحن لم نصل إلى انحطاط مجتمعى من فضلك، كل ما حدث مثل كل الثورات عبر التاريخ أن طبقة أخرى من أخلاقنا وسلبياتنا قد تعرّت، فى مقابل ما تجلى من انطلاقات إيجابية وغضب مغيرّ، وكل ثورة لها مضاعفاتها وكوارثها، ولابد للشهد من إبر النحل، ولابد للثورة من ضحايا أبرياء وسلبيات وأخطاء، لكننا لم نصل إلى ما يسمى انحطاط مجتمعى، فالمقاومة الشعبية التلقائية لأعمال التخريب، والتعاون المتمادى بين السلطات وبين الناس، والتكامل بين عامة الناس الذى لا نعلم إلا بعضه كل ذلك يحدث بين ناس مصر طول الوقت فى السراء والضراء (على حد علمى).


> ما نراه فى الشارع من إضطرابات فى بعض الأحيان .. هل هى فوضى تخريبية ام اعتراض مشروع حتى لو كان له خسائر؟


- الاعتراض المشروع وارد، لكنه لا يستعمِلُ السلاح، ولا يقتل الأبرياء (الجنود والضباط) الذين كل ذنبهم أنهم يطيعون الأوامر وهم يقومون بوظائفهم التى لا تسمح لهم إلا بهذا، و الاعتراض المشروع لا يخرب البنية الأساسية للدولة (الكهرباء والمواصلات) ولا يعطل التعليم، هذا كله يتعدى مجرد اعتباره فوضى تخريبية، فهى حروب قذرة من عدو لا يعرف معنى الدولة أو الحضارة أو يعرف ربنا خالق هذا الكون الذى كلّف الإنسان بتعميره.


> هناك من يرون انه لا داعى لوجود فكرة الدولة وان يحكم كل شخص نفسه بنفسه بأفكارة وأيدلوجياته..هل هذا تفكير فلسفى أم تخريبي؟


- هذا التفكير العدمى وارد عبر التاريخ وقد ظهر مع انشقاق الراديكاليين من جماعات الشيوعيين فيما يسمى التروتسكية (نسبة إلى تروتسكى) وأحيانا يسمون «العدميون» أو «الأناركيون» وهذا ضد الطبيعة البشرية المجتمعية وضد تعاليم الأديان وتنظيم المجتمعات وبعد الثورات تكون إعادة بناء الدولة من أصعب المهام نظرا لغلبة الشكوك، واهتزاز الثقة، والخوف من النكسة فضلا عن مكائد وحيل الانتهازيين والمنقضين على المكاسب من خارج دائرة البنائين الصامدين المنتجين.


> الشباب كثيرا ما يعيش فى كبت .. سواء لضغوط تراكمية أو أسباب مجتمعية .. هل ذلك يبرر إقبال البعض على ما وصلنا له من اغتصاب أطفال مثلا وقتلهم او ما رأيناه من اغتصاب شاب لشقيقته مثلا؟


- الكبت ليس عيبا وإلا قتل بعضنا بعضا أولا بأول، الكبت الصحيح هو تنظيم تلقائى لقوة الداخل الفجة، على ألا يكون تنظيما قاهرا دائما متزايدا طول الوقت، والكبت ليس كبتا للجنس فقط، ولكنه كبت للجنس والعدوان وكل الغرائز الفجة التى يمكن أن تكون خطرا على الفرد وعلى المجتمع إذا لم ينظمها الكبت أولا ثم القانون.


على أن ظاهرة اغتصاب الأطفال والعلاقات المحارمية لا تُعْزَى إلى الكبت وحده ولا ينبغى أن نتصور أن هذه الظاهرة جديدة علينا، أو أننا نختص بها دون غيرنا، فهذا كله من أخطاء الإعلام أكثر منه حقائق موضوعية.


> ما سبب رغبة الشباب فى الهجرة ورفضهم للمجتمع وهم أحيانا يعرضون أنفسهم للموت أو السجن والإهانة؟


- الهجرة لأكل العيش لا غبار عليها، وهى حق مشروع لكن علينا أن نؤمنها، لكن أغلب التحركات نحو الهجرة، هذه الأيام، هى نتيجة لدوافع سلبية أهمها الجبن وضعف الانتماء، وكلما سألنى أحفادى أو أولادى عن رأيى فى فكرة الهجرة هذه الأيام، أقول لهم هذه بلدكم وتتركونها لمن؟ هل نستورد لها شبابا من الصين مثل كل السلع الصينية المستوردة، إن كانت بلدنا منهارة فلتبقوا لنصلحها معاً ونعيد بناءها، وإن كانت جيدة متماسكة فلماذا تتركونها، أنا أرى بعضهم مثل فئران السفينة التى تقفز إذا استشعرت أنها تغرق.


لكن لا يصح تعميم كل الهجرة بهذه الصورة السلبية فمازالت بلاد الله واسعة ترحب بالمستضعفين ظالمى أنفسهم، وبطالبى المعرفة، وبمحبى الناس أصحاب القدرة على الانتماء إلى خالقهم «معا» ليعمروا الأرض حيثما كانوا.


> هل نحتاج مشروعاً قومىاً لاعادة ثقة الشباب فى الدولة والاستفادة من طاقتهم وتحويلها من سلبية إلى إصراراً ايجابية ؟


- طبعا نحتاج ونصف، وقد بدأت فكرة المشروع القومى بقناة السويس الجديدة، ثم بزراعة مليون فدان، وآمل أن تمتد إلى ثورة إنقاذ التعليم، وتغيير نظام الرى والتصنيع وسوف نرى كثيرا من المعجزات من الشباب وغير الشباب إذا صدق الناس حكامهم وشاركوا كما يفعلون الآن فى تمويل مشروع قناة السويس.


> هل انحيازات الإعلام لبعض التوجهات يُحدث نوعا من الكفر عند الشباب بهذه التوجهات؟


- أغلب الإعلام للأسف يقوم بدور يحتاج إلى نقاش وتصحيح، وإذا اقتصر الإعلام مجرد الكلام والتهييج، فهو يقوم بدور سلبى إذ يكتفى بطرح المناقشات المفرغة من اقتراحات الحلول وأفكار الإبداع