لا حل للمشكلة الليبية إلا بأيدى أبنائها

22/09/2016 - 12:02:56

بقلم: لواء. نصر سالم

بعد ٤٧ سنة من ثورة الفاتح من سبتمبر عام ١٩٦٩ شهدت ليبيا فيها سنوات من البذخ والسفه فى الإنفاق فى شتى المجالات وأولها المجال العسكرى الذى تخطى كل احتياجات ليبيا الدفاعية والأمنية .. ولو أنفقت هذه المليارات فى استثمارات حقيقية لكانت ليبيا إحدى الدول الصناعية الكبرى .


وحاشاى أن أقول هذا الكلام شماتة فى شعب ليبيا الشقيق .. ولكنه خطأ الاختيار - اختيار القيادة - الذى تدفع ليبيا ودول أخرى من أمتنا العربية ثمنها الآن. وكم يدمى القلب أن يتحدث بيان صادر من رئيس مجلس النواب الليبى ويقول : «إن سيطرة القوات المسلحة الليبية على الهلال النفطى الذى يعتبر المصدر الرئيس لقوت كل الليبيين جاء بناء على تفويض من المؤسسات الرسمية من كل أطياف الشعب الليبى بتحرير المواقع النفطية من حقول وموانئ، من محتلى ومعرقلى تصدير النفط الليبى الذى أثر سلباً على حياة المواطنين وهو أمر واضح للعيان».


- هل وصل الحال بأكبر مسئول ليبى أن يتكلم عن (القوت) أى الطعام ومن أوصلهم إلى هذا؟


وتتحدث أخبار من الداخل الليبى عن أزمة السيولة النقدية بالمصارف الليبية وعن جهود الحكومة الليبية المؤقتة لتخفيف المعاناة عن المواطنين بالمنطقة الشرقية وكذا سعى حكومة الوفاق الوطنى الموجودة فى طرابلس للتخفيف من حالة الغضب الشعبى نتيجة تدهور الأحوال المعيشية للمواطنين ، ومحاولة اتخاذ خطوات إيجابية لإعادة تصدير النفط من منطقة الهلال النفطى لتوفير الموارد المادية اللازمة للحكومة.


كل هذا يحدث فى ليبيا ، وفيها برلمانان وحكومتان إحداهما فى طبرق والأخرى فى طرابلس .. والمنشآت النفطية الليبية التى تمثل قوت الشعب الليبى تسيطر عليها ميليشيات خارجة عن القانون وتعبث بالاقتصاد الليبى لمدة خمس سنوات تبيع فيها النفط الليبى لجهات مشبوهة بأبخس الأسعار.


فأين ذهب جيش ليبيا الذى كان يعد من أكبر جيوش المنطقة تسليحاً وعتاداً؟ ومن أوصل إخوان ليبيا إلى سدة الحكم ومن جاء بداعش إليها ؟


إن ليبيا مثلها مثل كل الدول العربية التى تعرضت لما سمى بثورات الربيع العربى التى لم ير فيها من الربيع إلا رياحه وخماسينه وترابه، التى استغلت من جهات خارجية أ كثر مما استفاد منها من قاموا بها وهم الشعوب العربية. ولأن ليبيا مثلها مثل العراق، دولة بترولية غنية تعرضت لمثل ما تعرضت له العراق من حظر جوى - فهم من معناه وقتها، أن فرض الحظر الجوى على دولة ما هو بقصد منعها من استخدام قواتها الجوية فى ضرب الثوار.. وترك الثوار يكملون ثورتهم وتحقيق أهدافهم.. ولكن ما حدث .. هو أن القوات التى عهد إليها تنفيد قرار مجلس الأمن بفرض الحظر الجوى على ليبيا .. وهى قوات حلف شمال الأطلنطى «الناتو» قامت باستخدام قواتها الجوية فى تدمير البنية التحتية والأهداف الحيوية والاستراتيجية لليبيا أولا ثم قامت بعد ذلك بتدمير القوات المسلحة الليبية. وفى الوقت نفسه أصدر مجلس الأمن الدولى قرارا بفرض الحظر على تسليح الجيش الليبى الذى يعتبر القذافى هو قائده الأعلى آن ذاك . وبعد أن تم تدمير كل الأسلحة الرئيسية للجيش الليبى والقضاء على القذافى ونظامه تم تسريح الجيش الليبى بعد أن تم تولى المؤتمر الوطنى الليبى الذى سيطر عليه الإخوان المسلمون .. فأصبح ما تبقى من سلاح تابعاً للجيش فى المخازن نهبا مباحا لكل من تستطيع يده أن تصل إليه وظهرت أعداد من الميليشيات المسلحة فاقت الألف ميليشيا .


وعلى مدى عام كامل من نجاح الثورة الليبية فى ١٧ فبراير ٢٠١١ .. دارت عملية اغتيالات واسعة لضباط الجيش المسرحين بلغ عددهم حوالى سبعمائة قتيل اكتشف أن مدبريها ومنفذيها هم جماعة إخوان ليبيا خشية عودة الضباط المسرحين للخدمة وإعاقة استيلاء الإخوان على حكم البلاد .


وهنا ظهر اللواء خليفة حفتر العائد من منفاه فى الولايات المتحدة الأمريكية .. ليوجه نداء إلى كل الضباط والصف والجنود المسرحين بالعودة إلى وحداتهم.. لاستعادة كرامة ليبيا .. وهو الاسم الذى أطلق على المجموعة التى انضمت إلى حفتر ثم تقوم قوات موالية له من (مدينة الزنتان) بشن هجوم على مبنى المؤتمر الوطنى فى العاصمة طرابلس .


ويتحرك التنظيم الدولى للإخوان ليستصدر دعوى من الاتحاد العالمى لعلماء المسلمين الذى يتزعمه «يوسف القرضاوى» بمواجهة من يريد إسقاط الشرعية. وتبدأ مرحلة من المواجهة بين مجموعة كرامة ليبيا التى انضم إليها البرلمان الليبى المنتخب والذى لم يحظ فيه الإخوان بأى أغلبية فأعاقوا عمله مما اضطره إلى الانتقال إلى طبرق فى المنطقة الشرقية وشكل حكومة شرعية بعد أن اعترف المجتمع الدولى به واختير المستشار/عقيلة صالح رئيساً للبرلمان وعبدالله الثنى رئيسا للحكومة. وبقى أعضاء البرلمان من جماعة الإخوان فى طرابلس واستمر أعضاء المؤتمر الوطنى - المنتهى ولايته بعد انتخاب البرلمان - يمارسون سلطتهم منها ومعهم عدد من الميليشيات المسلحة التى استولت على الأسلحة من مخازن الجيش الليبى وفى ظل انقسام ليبيا إلى مجموعتين : الأولى مجموعة كرامة ليبيا وتسيطر على المنطقة الشرقية وتتخذ مدينة طبرق عاصمة لها. والثانية مجموعة فجر ليبيا التى تسيطر على غرب ليبيا من العاصمة الليبية طرابلس وتضم إخوان ليبيا ومعهم الميليشيات التى لم تعترف بالبرلمان المنتخب ولا الحكومة المعترف بها من المجتمع الدولى ..


ولم يكن هناك مناخ أفضل من ذلك لمجموعات داعش الإرهابية لكى تظهر فى ليبيا وتمارس سطوتها على أجزاء ومناطق حيوية أهمها مدينة بنغازى ومنطقة الهلال النفطى على خليج سرت..


ويتدخل المجتمع الدولى للتوفيق بين الفرقاء الليبيين ويعين مندوبا أمميا هو «برناردينو ليون» .. ليخرج بعد جهد جهيد وتعاون إقليمى عربى بما عرف باتفاق الصخيرات فى ١١/٧/٢٠١٥ الذى تم التوقيع عليه فى مدينة الصخيرات المغربية من جانب مجلس النواب الليبى الموجود فى طبرق ووفد يمثل النواب الذين انشقوا عن مجلس النواب وبقوا فى طرابلس ووفد آخر يمثل المستقلين وممثلون عن عدد من البلديات منها (مصراتة وطرابلس) وحضره المبعوث الأممى «برناردينوليون» إضافة إلى وزير خارجية المغرب وعدد من السفراء والمبعوثين الخاصين إلى ليبيا - وأيضا ممثل الاتحاد الأوربى فى ليبيا .


ولكن يغيب عن التوقيع وفد المؤتمر الوطنى العام فى طرابلس، بعد رفضه للمسودة الأممية التى لم تتضمن نقاطا كانت جوهرية من وجهة نظره .. والتى قضت بالآتى :


١ - تشكيل حكومة وحدة وطنية توافقية (لم تشكل حتى الآن)


٢ - اعتبار برلمان طبرق الهيئة التشريعية لليبيا .


٣ - تأسيس مجلس أعلى للدولة، ومجلس أعلى للإدارة المحلية، وهيئة لإعادة الإعمار، وأخرى لصياغة الدستور، ومجلس الدفاع والأمن .


ولكن نظرا لعدم صدق النوايا وخاصة الدولية منها تستمر الأزمة بلا حل ويتم تغيير المبعوث الدولى «برناردينو ليون» بمبعوث آخر «مارتن كوبلر» الذى يصر على التعامل مع الأطراف التى وقعت على الاتفاق فقط، خلافاً لسلفه «برناردينو ليون» الذى كان يريد أن يضم أطرافاً أخرى للاتفاق وتحاول قوات الجيش الوطنى الليبى بقيادة الفريق / خليفة حفتر - الذى ترفضه مجموعة طرابلس - تطهير مدينة بنغازى من مقاتلى داعش وتنجح فى ذلك - فى الوقت الذى تصر فيه دول الغرب على عدم إنهاء الحظر عن تسليحه كى يستطيع أن يطهر باقى ليبيا من تنظيم داعش .. وتكتفى بتقديم دعم جوى للميليشيات التابعة لحكومة الوفاق التى تم تشكيلها برئاسة فايز السراج - ضد قوات داعش فى منطقة سرت.. ولكن دون جدوى حقيقية.. وتستمر ليبيا فى الضياع .. الأمر الذى يؤكد عدم صدق النوايا فى إعادة ليبيا الموحدة والعمل على توفير كل الظروف التى تؤدى إلى تقسيمها وأهمها إبقاء الجيش الوطنى الليبى ضعيفاً .. لا يقوى على القضاء على داعش ولا ضم أجزاء ليبيا المتناحرة تحت لوائه فى كيان واحد.


وتصدر التعليمات من المستشار/عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبى بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة الليبية إلى الفريق / خليفة حفتر قائد الجيش الوطنى الليبى باستعادة السيطرة على الموانى النفطية فى منطقة الزويتينة والهلال النفطى بعد خمس سنوات من العبث بها من قبل الخارجين على القانون . وفى بيان لاحق يتم تكليف حرس المنشآت النفطية الشرعى بحمايتها، وتسليمها للمؤسسة الوطنية الموحدة للنفط فى ليبيا برئاسة/ مصطفى صنع الله الذى يعلن أنه سيزيد من الإنتاج ليصل إلى (٦٠٠ ألف) برميل يوميا .


وتدعو الولايات المتحدة الأمريكية وخمس دول أوربية الجيش الليبى بقيادة خليفة حفتر الذى تم ترقيته إلى رتبة المشير بواسطة المستشار عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبى - للانسحاب من منطقة الهلال النفطى .. وتعلن مصر موقفها المؤيد لما قام به الجيش الليبى - ويعلق وزير خارجيتها سامح شكرى على دعوة الولايات المتحدة والدول الأوربية بأنها جاءت متسرعة ولم تراع الاعتبارات الخاصة بالأوضاع الداخلية فى ليبيا .


وتشدد مصر من جديد على أهمية الدور الذى يقوم به الجيش الوطنى الليبى لتأمين الأراضى الليبية واستقرارها والحفاظ على ثرواتها . حيث تعرض اقتصادها لخسارة تقدر بنحو (١٠٠ مليار دولار) وانهيار تام للاقتصاد .


وإلى القاهرة يطير فايز السراج ليلتقى عددا من المسئولين فى مصر..كما يلتقى المبعوث الأممى (مارتن كوبلر) ليناقش معه آخر التطورات على الساحة الليبية وضرورة العمل من أجل سرعة تشكيل حكومة الوفاق الليبية وعرضها على مجلس النواب لمنحها الثقة .. ويبارك «مارتن كوبلر» تسليم الجيش الليبى للموانى النفطية وبدء عملية تصدير النفط من أجل رفع المعاناة الاقتصادية عن الشعب الليبى .


وفى ليبيا يتظاهر الآلاف من الشعب الليبى فى عدد من المدن الليبية تأييدا للجيش الوطنى ورفضا للتدخلات الأمريكية والأوربية فى الشأن الليبى ، ويرفع المتظاهرون لافتات تأييد للجيش وعمليته ضد الجماعة الإرهابية المسلحة، كما يرفعون صور المشير/خليفة حفتر ويقومون بحرق أعلام أمريكا وإيطاليا وبريطانيا. ويوجهون الشكر للرئيس عبدالفتاح السيسي، والجيش المصرى على دعمهم للشعب الليبى وجيشه الوطنى ..


ولكن إلى متى ياشعب ليبيا الأبيّ ؟


متى ستتفقون على كلمة سواء؟


اللهم اجمع شمل الليبيين قبل فوات الأوان ..


إذا الراعى عن الأغنام نام.. تولى الذئب عنه لها الطعام