صراع الإرادات فى ليبيا

22/09/2016 - 12:00:44

السفير: حسين هريدى

فى تطور فى غاية الأهمية على الصعيدين السياسى والعسكرى حقق الجيش الوطنى الليبى نصرا عسكريا حاسما بنجاحه فى تحرير الهلال النفطى فى ليبيا يوم ١١ سبتمبر الجارى تحت قيادة المشير خليفة حفتر الذى تمت ترقيته إلى هذه الرتبة العسكرية الرفيعة، تقديرا لدوره فى استعادة الموانئ الواقعة فى الهلال النفطى، التى تشمل زويتينة ورأس لانوف والسدرة والبريقة


وفى خطوة لافتة للنظر وتدل على حنكة سياسية بالغة، قام الجيش الوطنى الليبى بتسليم هذه الموانئ إلى المؤسسة النفطية الليبية، المؤسسة الليبية المسئولة عن ادارة هذه المرافئ.


وأعربت المؤسسة الوطنية للنفط عن توقعها رفع إنتاج النفط إلى ٦٠٠ الف برميل يوميا فى غضون أربعة أسابيع، وإلى ٩٠٠ الف برميل يوميا بحلول نهاية العام الجارى، مع الأخذ فى الحسبان أن الانتاج الحالى يقترب من ٢٩٠ الف برميل يوميا، وقد دخلت ناقلة بترول بالفعل إلى ميناء رأس لانوف فى ١٥ الجارى لتحميل ٦٠٠ الف برميل من النفط الخام لصالح الصين، وهى المرة الأولى التى يتم خلالها تحميل نفط خام على ناقلة بترول فى ليبيا منذ توقف التصدير فى عام ٢٠١٣، وكان السيد/مصطفى صنع الله رئيس المؤسسة الوطنية للنفط قد أعلن عن استئناف الصادرات النفطية من ليبيا من ميناءى الزويتينة ورأس لانوف، ثم من ميناء البريقة، على أن يستأنف التصدير من ميناء السدرة فى أقرب وقت.


وفى تطور مثير للدهشة وبدلا من الترحيب بتسلم المؤسسة الوطنية لنفط الهلال النفطى، أصدرت الحكومات الامريكية والبريطانية والفرنسية والايطالية والاسبانية وحكومة ألمانيا بيانا عاجلا بعد دخول الجيش الليبى الهلال النفطى طلبت فيه من قوات الجيش الانسحاب من المنطقة، وادانت ما أسمته بالاعتداءات التى استهدفت موانئ النفط، ودعت جميع الاطراف إلى الالتزام بوقف اطلاق النار بصورة فورية، والامتناع عن القيام بأى عمليات قتالية أخرى. كما دعت جميع القوى إلى تفادى أى عمل من شأنه الاضرار بالبنى التحتية للطاقة فى ليبيا. والجدير بالذكر أن بيان القوى الغربية اشار إلى أن المجلس الرئاسى هو الجهة الوحيدة المخولة لادارة الموارد النفطية والعوائد المالية التى تتولد عن بيع النفط الليبى، واكدت هذه الحكومات فى بيانها على عزمها تطبيق قرار مجلس الأمن ٢٢٥٩ الصادر فى ديسمبر من العام الماضى، والذى كرس فيه اتفاق الصخيرات فى ١٧ ديسمبر٢٠١٥ بشأن تشكيل حكومة وفاق وطنى فى ليبيا. ومن جانبه، أعرب مارتن كوبلر رئيس بعثة الأمم المتحدة فى ليبيا عن قلقه البالغ ازاء القتال فى منطقة الهلال النفطى، ودعا إلى وقف التصعيد العسكرى.


ويلاحظ أن هذا الموقف من جانب الحكومات الغربية المذكورة لم يأخذ فى الاعتبار البيان الصادر عن المؤسسة الوطنية للنفط فى ليبيا والذى جاء فيه أن المؤسسة تتبع حكومة الوفاق الوطنى، لكنها أكدت ايضا على خضوعها لسلطة البرلمان المنتخب الذى يدعم الجيش الوطنى الليبى بقيادة حفتر.


ومما لا شك فيه أن الموقف الغربى من انتصار الجيش الوطنى الليبى عكس قدرا لا بأس به من الارتباك، خوفا من أن ينعكس النصر العسكرى فى استعادة الهلال النفطى سياسيا بحيث يرفع من أسهم حكومة السيد/عبد الله الثنى فى بنغازى، وكذلك برلمان طبرق برئاسة السيد/عقيلة صالح عيسى على حساب حكومة الوفاق الوطنى بقيادة فايز السراج فى طرابلس، والتى تحظى بدعم غير محدود من قبل تلك الحكومات. ناهينا عن أنها لا تشجع على ارتفاع أسهم المشير حفتر، وربما هذا يفسر لماذا طرحت فكرة تشكيل مجلس عسكرى أعلى قد يضم حفتر فى تشكيله، لكنه يظل خاضعا لحكومة السراج.


بالاضافة إلى ماتقدم، من المرجح أن يؤدى النصر العسكرى للجيش الوطنى اليبى إلى تغيير الخريطة السياسية فى ليبيا لصالح ائتلاف سياسى واسع يضم عدة قبائل ليبية مؤثرة مع مجموعات مؤيدة للنظام السياسى اليبى قبل ٢٠١١ وضباط سابقين فى جيش العقيد القذافى وحكومة بنى غازى، بحيث تمثل مركز ثقل فى السياسة الليبية، وعلى حساب نفوذ حكومة السراج فى طرابلس، كما أن هذا النصر سيحسب للشرق الليبى فى مواجهة الغرب فى ليبيا، والجدير بالذكر أن الجنوب قد ينضم لمثل هذا التحالف البازغ. وهناك فى هذا الصدد من اشار إلى اهمية التحالف بين الجيش الليبى والقبائل، التى اضطلعت بدور هام فى عملية استعادة الهلال النفطى. كما تواترت انباء عن اشتراك قادة عسكريين ممن عملوا فى صفوف الجيش الليبى قبل ٢٠١١ فى القتال من أجل تحرير موانئ تصدير النفط الليبى فى المنطقة الشرقية والوسطى من سيطرة بعض الجماعات المسلحة.


ومن الجلى أن الدول الغربية التى أصدرت البيان المشار اليه بعاليه تتخوف من احتمالات تقدم الجيش الوطنى بقيادة حفتر إلى الجنوب، وربما فى اتجاه الغرب كذلك، مما قد يزيد المشهد السياسى الليبى ارتباكا وتعقيدا. وهو الأمر الذى طالما حذرت منه انطلاقا من قناعتها أن استمرار الأوضاع على ما هى عليه من انقسام سياسى وشبه انهيار اقتصادى وانتشار الجماعات الارهابية ومن بينها تنظيم ما يعرف باسم «الدولة الاسلامية»، سيوفر الارضية الخصبة لتمدد هذا التنظيم الارهابى فى سائر ارجاء ليبيا مما يهدد أمن دول الجوار العربى والافريقى، وكذلك أمن البحر المتوسط والدول الأوربية. أضف إلى هذا غياب السيطرة على الهجرة غير الشرعية التى تنطلق من الأراضى الليبية صوب أوربا. وحسب رئيس بعثة الأمم المتحدة فى ليبيا فى حديث لجريدة لاستمبا الايطالية بتاريخ ١٥ سبتمبر الحالى، فان هناك ٢٣٥ الف مهاجر غير شرعى فى الأراضى الليبية حاليا يتحينون الفرصة لعبور البحر المتوسط فى طريقهم لدخول الأراضى الأوربية بطريقة غير شرعية.


غنى عن القول أن النصر العسكرى للجيش الليبى وردود الأفعال بشأنه جسد تعقيدات الوضع السياسى العام فى ليبيا، كما أظهر هشاشة وضع حكومة الوفاق الوطنى فى طرابلس التى تتمتع بمساندة غربية، كما اظهر فى ذات الوقت تعارض المصالح الغربية مع قطاعات عريضة من الشعب الليبى التى أيدت الجيش الوطنى الليبى، وأعربت عن تقديرها للنصر الذى حققه باسترداده منطقة الهلال النفطى.


وتتابع مصر تطورات الأوضاع فى ليبيا عن كثب، وتسعى جاهدة لاستباب الأمن بالاستقرار فى ليبيا بتشجيع كافة الأطراف الليبية على الانخراط فى حوار سياسى جامع استنادا إلى اتفاق الصخيرات مع عدم اغفال نتائج الانتخابات التشريعية فى عام ٢٠١٤ الممثلة فى برلمان طبرق وحكومة بنى غازى. وقد صرح السفير سامح شكرى يوم ١٦ الجارى بأن مصر تولى أهمية قصوى لعودة الاستقرار إلى ليبيل، وتحقيق الوفاق الوطنى من خلال تنفيذ اتفاق الصخيرات، مشددا على دعمها الجيش الليبى للحفاظ على الأمن وتأمين الثروات النفطية بليبيا، ووصف بيان القوى الغربية بانه كان متسرعا، ولم يراع الاعتبارات الخاصة بالأوضاع فى ليبيا.


بالاضافة إلى ما صرح به السفير سامح شكرى، لاشك أن استمرار غياب سلطة مركزية تتمتع بالشرعية السياسية فى كافة ارجاء البلاد مصدر قلق بالغ لمصر لاعتبارات تتعلق بالأمن القومى المصرى، فهذا الغياب يخلق فراغا يتسرب منه تنظيم ما يعرف باسم «الدولة الاسلامية» وينتشر فى انحاء ليبيا، أو يقوم بتسريب العديد من عناصره إلى الدول المجاورة ومنها مصر بطبيعة الحال. وفى هذا الصدد، نجحت الأجهزة الأمنية فى القضاء على مخزن للسلاح والمتفجرات فى الواحات يوم ١٧ سبتمبر.


من جانب آخر اكتشفت وحدات تابعة للجيش الوطنى الليبى خلال تطهيرها بعض المناطق فى بنى غازى من قبضة تنظيم الدولة الاسلامية مخزن سلاح يحتوى على ٣٠ صاروخا روسى الصنع مداها ٥٠٠ كيلومتر، أى تستطيع استهداف المدن المصرية خصوصا الاسكندرية والقاهرة وعواصم أوربية. وكان التنظيم الارهابى وتنظيم انصار الشريعة قاما خلال عامى ٢٠١٢و٢٠١٣ بنقل هذه الصواريخ من مخازن الجيش الليبى وتخزينها بأحد مخازن بالمنطقة الصناعية بحى القوارشة ببنى غازى، ولم يتم استخدامها لانها تحتاج إلى منصات اطلاق خاصة كان من المقرر نقلها من العراق إلى ليبيا.


صراع الإرادات فى ليبيا عرقل حتى الآن فرص انقاذ ماتبقى من الدولة الليبية، وعلى كافة أطراف الصراع السياسى فى ليبيا أن يستمعوا إلى صوت الشعب الليبى ويرضخوا لارادته فى اعادة بناء الدولة واستتباب الأمن والاستقرار فى كافة ربوع ليبيا الموحدة.