ما بعد تحرير الهلال النفطى .. هل هى بداية الانفراج للأزمة الليبية

22/09/2016 - 11:59:22

بقلم - عميد: طارق الحريرى باحث فى شئون السلاح والاستراتيجية

لعب البترول الدور الرئيسى فى تخريب الشرق الأوسط والمنطقة العربية منه تحديدا بسبب أطماع الغرب، ومانتج عنها من مؤامرات لضمان ضخ البترول بالأسلوب الذى يخدم مصالحه، ويعظم مكاسبه التى تصل فى بعض الأحيان إلى الحصول على هذا المنتج الحيوى – بدون مبالغة – بلا مقابل مالى أحيانا، وبسبب البترول احتلت دولة عربية جارة لها، مما تسبب فى خراب حل بالعالم العربى لاحقا، وأدى إلى زيادة تفشى إرهاب الإسلام السياسى والانقسام، كما أن الثروة ساعدت بعض القيادات السياسية الدينية غير المسؤولة على نشر فكر مذهبى متطرف بقوة المال لتحقيق أهداف سياسية .


قد تبدو هذه المقدمة غير ضرورية عند مناقشة الوضع الليبى، بعد أن قام الجيش الوطنى بقيادة خليفة حفتر الذى رقى لرتبة المشير بتحرير المنشآت فى موانئ تصدير البترول من المليشيات التى كانت تعطل الضخ فى المنطقة التى تعرف بالهلال النفطى التى تضم الزويتينة والبريقة وراس لانوف والسدرة، وكان الهدف الأساسى من هذه العملية العسكرية ضبط وإعادة الحياة لهذا المرفأ الحيوى؛ لأن منطلقات الجيش الليبى كانت ذات بعد وطنى على عكس المليشيات الكثيرة التى تمتلك السلاح وتحركها أجندات خاصة لا تضع فى اعتبارها مصالح جموع الشعب فى هذا البلد المنكوب والدليل على صدق النوايا فى هذه العملية العسكرية يتمثل فيما يلى:


١ – إن القوات التى يقودها خليفة حفتر هى القوة العسكرية المسلحة النظامية التى تمتلك هيكلا تنظيميا يضاهى الجيوش بمفهومها العصرى وهى القوات التى حازت على شرعيتها من اعتراف البرلمان المنتخب من قبل الشعب الليبى والقبول الشعبى من غالبية مواطنى الدولة.


٢ – استطاعت هذه القوات بعد حرب ضروس مع الجماعات الإرهابية التى انتشرت فى مناطق الشرق من ليبيا أن تفرض سلطة الدولة وتعيد النظام والاستقرار عكس باقى أنحاء الدولة التى تئن من سلطة المليشيات وعنفها بما فى ذلك طرابلس عاصمة البلاد مقر حكومة الوفاق التى لم تحظ حتى الآن بموافقة مجلس النواب.


٣ – نتيجة المكاسب الواقعية التى أثمرت عنها إنجازات الجيش الليبى أصبح مؤهلا فى إطار العمل الوطنى لأن يؤمن المشروع الاقتصادى الرئيسى الذى ظل متوقفا لمدة زمنية طويلة كبدت مدخولات الدولة خسائر هائلة أدت إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية لدرجة خطيرة، جعلت الموفد الأممى مارتن كوبلر يحذر منذ قرابة شهرين من ترد خطير للأوضاع الاقتصادية يعرّض الحكومة المتفق عليها فى الصخيرات للانهيار رغم ما تلقاه من تأييد غربى.


٤ – لهذا أقدم الجيش الليبى على خطوة تأمين المنشآت فى منطقة الهلال النفطى وإعادة تنظيم آلية حراستها وحمايتها بعد إقصاء إبراهيم الجضران زعيم المليشيا التى استولت على منشآت المنطقة تحت مسمى حراسة المنشآت النفطية، والذى بلغ من جبروته بعد أن هادنته حكومة الوفاق فى طرابلس أنه اشترط إقالة رئيس المؤسسة الوطنية الليبية للنفط وهى المؤسسة الرسمية للدولة حتى يعاد ضخ البترول مرة أخرى علما أن الجضران مطلوب للعدالة ومن غير المعروف إن كان سيحاكم فى حالة القبض عليه فى ليبيا أم تشاد.


٥ – تمت عملية البرق الخاطف التى قامت بها القوات المسلحة الليبية دون إراقة نقطة واحدة من دم أى من أبناء الشعب الليبى؛ لأن الجيش مؤسسة وطنية مسئولة لا تسعى إلى الإرهاب والترويع بل هو بطبيعته كما الحال فى جيوش الدول الراسخة قوة حماية للشرعية والدفاع عن مصالح المواطنين دون تفرقة بينهم؛ وإذا كانت هذه العملية النظيفة عنوانا لأداء جيش وطنى فإن ما يؤكد ذلك هو العمل الإرهابى الذى قامت به قوات فجر ليبيا قبل سنوات عندما داهمت المنشآت فى الهلال النفطى، وقامت بتخريبها وإشعال النيران فيها دون اعتبار للمصلحة الوطنية؛ إذ يمثل هذا المرفق شريان الحياة الأساسى لاقتصاد الدولة.


٦ - أعد الجيش الليبى لعملية البرق الخاطف فى إطار مجتمعى وسياسى بالتعاون مع القطاع الأعرض من القبائل الليبية ودعم شيوخها وشبابها سعيا لإنقاذ اقتصاد البلاد المتداعى من الانهيار، لهذا جاءت هذه العملية ذات الطابع العسكرى بدون منغصات أو خسائر لأى طرف، وقد ساعد على تحقيق المفاجأة عدة عوامل تمثلت فى التخطيط الجيد من قيادة عسكرية محترفة وواعية والتمويه بأن القوات التى تحركت كانت فى طريقها لسرت، مما أوهم المليشيات الموجودة فى مدن الهلال النفطى بأنها بعيدة عن احتمالات المواجهة مع الجيش الليبى وبالتالى أُخذت على غرة.


٧- فور تحقيق السيطرة الكاملة على مدن الهلال النفطى قامت القوات المسلحة الليبية بتسليم المنشآت للمؤسسة الوطنية للنفط دون أدنى تدخل فى عملها، وأتاحت لها سبل أداء مهامها الفنية بكل حرية فى إطار من التسهيلات الإدارية واللوجستية بعيدا عن أى تعقديدات بيروقراطية، مما أدى إلى اشتعال الحماس فى الطواقم الفنية من المهندسين والكوادر التقنية والعمال ونجاح المؤسسة فى إعادة التشغيل فى فترة زمنية متناهية الصغر وبدء التصدير ثم ما تلى ذلك من تصريح المدير العام للمؤسسة الوطنية الليبية للنفط بأن تحقيق مستويات التصدير فى حدها الأقصى سوف يتم فى مدى زمنى قصير لايزيد عن شهر بعد إصلاح الأعطال والتخريب الذى تعرضت له المنشآت بعد أن تحقق التأمين الكامل فى منطقة الهلال النفطى وتخومها.


٨ – فوّت التصرف السياسى المسؤول من قادة الجيش الليبى بإفساح المجال وتسليم سلطة الإدارة الكاملة للمؤسسة المدنية المعنية، فوت على المتربصين والمزايدين وأصحاب الأجندات الخاصة الفرصة بتوجيه الاتهامات للجيش الليبى وادعاء أن ماقام به كان ذا ارتباطات جهوية أو انحياز لقوى بعينها ضد أخرى.


لاشك أن البعد السياسى فى عملية البرق الخاطف كان حاضرا، فنجاح هذه العملية عضّد من مكانة خليفة حفتر وضاعف من شعبيته فى الشارع الليبى، حتى أن المظاهرات خرجت فى أكثر من مدينة فى الغرب الليبى لتأييده ومباركة خطوة استعادة المنشآت فى منطقة الهلال النفطى، كما أن هذه الخطوة ساهمت بقوة فى دعم البرلمان الشرعى وقوّت من موقفه إزاء حكومة الوفاق فى معادلة إعادة تشكيل الحكومة؛ وإذا كان الغرب قد أصدر بيانا شديد اللهجة مع بداية عملية البرق الخاطف إلا أن الخطوات التى اتخذت على عجل بعد سيطرة الجيش، والتى قصرت الدور العسكرى على تأمين المنطقة فقط دون تدخل فى إدارة المرفق فنيا ودون تدخل فى المجرى القانونى لحركة عائدات التصدير، مما جعل الغرب يتوقف عن تهديداته للقوات التى استعادت الهلال النفطى من المليشيات التى استولت عليه من قبل، وأعاقت الإنتاج فيه، وربما كان هذا الموقف من الدول الخمس التى أصدرت البيان شديد اللهجة، وهى الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والمملكة المتحدة وإيطاليا وأسبانيا ثم صمتها بعد ذلك مدعاة لاستغلال المعسكر المعادى لخليفة حفتر بتبنى تحليل يتهمه بأنه قام بهذه العملية لخدمة مصالح الغرب، وأن التحذير الأول والأخير من الغرب كان للتغطية على اتفاقه مع حفتر لكن ماحدث فى واقع الأمر هو تراجع أصحاب التهديد عن موقفهم بسبب زوال أى خرق للشرعية.


حلحلة الموقف السياسى


كمحصلة لتطور الأحداث وفى التو بعد أن تولت المؤسسة الوطنية للنفط فى ليبيا رسميا وبصلاحيات كاملة إدارة موانئ التصدير، وأصبحت منطقة الهلال النفطى بكاملها تحت السيطرة الفنية والإدارية للمؤسسة صرح وزير خارجية مصر سامح شكرى دعم القاهرة التام لقيام الجيش الليبى بتأمين موانئ الهلال النفطي. ووصف شكرى بيانات الدول التى طالبت الجيش الليبى بالانسحاب من الهلال النفطى بأنها دعوات متسرعة لا تراعى الاعتبارات الخاصة بالأوضاع الداخلية لليبيا، وجاء الموقف المصرى من منطلق أن مقدرات الشعب الليبى لا يجب أن يعوقها أحد عن خدمة كافة مواطنى هذا البلد، ولثقة مصر من أن انتعاش الاقتصاد الليبى إحدى الركائز التى تساعد على الاستقرار وتواكب ما أعلنه وزير الخارجية المصرى بتصريح من السيد فايز السراج أوضح فيه أنه لا يقبل أن يتقاتل الليبيون فى أعقاب تصريح قيل إنه زور عليه، جاء فيه أنه على قواته أن تستعيد منطقة الهلال النفطى، وهكذا مع البهجة الشعبية لانفراج أزمة تصدير البترول وروح المسؤولية التى تجلت من أغلب قيادات أطراف النزاع وجدت مصر ذات الروابط التاريخية مع ليبيا أن عليها فى هذه اللحظة الفارقة استغلالا للمستجدات الإيجابية التى طرأت على الأوضاع أن تسعى لرأب الصدع لاسيما أن القاهرة تحظى بثقة الليبيين، عدا جماعات الإسلام السياسى التى سبق أن أقصاها الناخب الليبى عن المشهد السياسى فى آخر انتخابات تمت تحت رقابة دولية لا تشكيك فيها.


قفزة نحو المستقبل


يمثل تحرير النفط الليبى من أيدى العصابات المسلحة خطوة غير مسبوقة تؤسس لبداية مرحلة جديدة من التعاون والتعايش السلمى بين الأطراف الليبية ونهاية لاستخدام إغلاق الموانئ والحقول لأغراض سياسية؛ لذلك كان هذا التطور فى مسار الأزمة الليبية مدعاة لأن تكون القاهرة محطة ضرورية فى هذا التوقيت بالذات على طريق حل الخلافات بين طرفى النزاع؛ لذلك تعاقب استقبال القيادات السياسية خلال الأيام القليلة الماضية مع حضور فايز السراج رئيس مجلس الرئاسة، ومايعرف بحكومة الوفاق الوطنى وكذا وصول عقيلة صالح رئيس البرلمان الليبى المنتهية ولايته، والذى مازال يحظى بالشرعية إلى أن تتم انتخابات جديدة، وهو البرلمان المنوط به طبقا لوثيقة اتفاق الصخيرات منح الثقة بحكومة الوفاق الوطنى، وهو الأمر الذى تأخر نتيجة الخلاف فى وجهات النظر بين طرابلس وبنغازى ونظرا للدور الأممى فى ملف الأزمة استضافت القاهرة أيضا مارتن كوبلر المبعوث الأممى الخاص إلى ليبيا ورغم أن كثيرا من الأطراف داخل ليبيا ترى أنه لايؤدى دوره بحيادية، وأنه لايزيد عن كونه ممثلا للدول الغربية الكبرى فى تمرير مصالحها وأهدافها على غير ماتقتضيه مصلحة الشعب الليبيى، وهنا تظهر أهمية مصر التى تهتم دون أى أهداف خاصة بأن تحل المسألة الليبية بما يخدم فقط مصالح الشعب الليبى ووحدة التراب لأن سلامة ليبيا واستقرارها يصب فى مصلحة مصر من زاوية تأمين حدودها الغربية من تسرب الإرهابيين وتسلل المهربين، أى أن مصر لا أطماع لها على الإطلاق فى كل ما يخص ليبيا؛ لهذا كان وجود كوبلر مع التطورات الأخيرة فى القاهرة ضرورة حتى لاتبدو أنها تحاول الانفراد بدور خارج إطار الشرعية الأممية، وهكذا دارت عجلة خلخلة الأزمة الليبية انطلاقا من تغيرات على الأرض بعد النتائج الإيجابية فى الفترة الأخيرة التى منحت الثقة لدى كل طرف من طرفى النزاع، بعد نجاح قوات البنيان المرصوص فى القضاء على داعش فى سرت عدا بعض الجيوب الصغيرة ونجاح الجيش الوطنى الليبى فى تأمين موانئ الهلال النفطى؛ ليبدأ الفرقاء صفحة جديدة المستقبل قد تكون القاهرة نقطة انطلاق لها بإرادة من الأطراف فى الداخل الليبى؛ لأن الأطراف الخارجية غير معنية بمصلحة الشعب الليبى، والدليل على ذلك إدانة البرلمان البريطانى للقصور فى أداء المهمة فى ليبيا واعتراف قادة الدول التى شاركت فى العملية العسكرية فى عام ٢٠١١بمن فيهم الرئيس الأمريكى باراك أوباما بأنهم ارتكبوا أخطاء جسيمة .