زيمبابوى- موجابى: ماذا بعد؟

22/09/2016 - 11:57:53

بقلم: أد. السيد فليفل

لم يلتفت العرب بدقة إلى الرئيس روبرت موجابي، بل ظلت أجهزة إعلامهم على كثرتها، وهى كثرة كغثاء السيل، راحت تكرر ما يقول به إعلام الغرب لاسيما البريطانى والأمريكي، بحيث بدا الرئيس البطل روبرت موجابى فى أعين هؤلاء جميعاً رجلا طاعنا فى السن، مخرفا، لا قيمة له يحكم بسطوة الديكتاتور، بينما الحقيقة الكبرى أنه واحد من الآباء المؤسسين للاستقلال الإفريقى وللوحدة الإفريقية، وأيضا لكرامة إفريقيا ونزاهة قياداتها، وهو بلا مبالغة أكثرهم التزاما بقيم الاتحاد الإفريقى وبصفة خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وحقوق الشعب العربى الفلسطينى فى أرضه التى سلبتها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وسلمتها لإسرائيل والصهيونية العالمية حيث أعطى من لا يملك أرضا لشعب آخر لا يستحق. لتكون فلسطين المحتلة أرضاً لشعب لا أرض له، وليصبح الفلسطينيون غرباء فى أرضهم وشعباً ينتشر حول العالم، وقد كانت عملته تقاس قبل قيام إسرائيل بالجنيه الإسترلينى سواء بسواء.


ولقد تعهد موجابى القضية الفلسطينية بالشرح أمام قيادات دول الاتحاد الإفريقى فى القمتين الأخيرتين وأطال وأفاض فى وصف معاناة المواطنين الفلسطينيين كما أطال وأفاض فى وصف مجازر إسرائيل ضدهم على نحو يجعلنى أسأل كل عربى حر: كيف لك أن تقول على هذا الرجل وتتهمه بممارسة القمع فى بلاده على جهل منك، وحتى لو كان هذا صحيحا أفلا تقدر على أقل تقدير موقفه من قضية العرب المركزية: القضية الفلسطينية، إن كانت لا تزال فعلاً قضية عربية بالنسبة لك، والحقيقة أيضا أن الرئيس موجابى فى أحد تلك اللقاءات قدم وصفاً تفصيلياً للكفاح الإفريقى من أجل التحرر من الاستعمار ومن العنصرية ومن أجل بناء الوحدة الإفريقية مجسدا ما بدأه الآباء المؤسسون برئاسة جمال عبد الناصر على نحو جعل الرئيس المصرى عبد الفتاح السيسى لا يجد مزيدا من الإضافة إلا أن يشكره على ما قال، ولا شك أن عداء الغرب للرئيس روبرت موجابى له أسبابه المنطقية التى يعرفها الباحثون والتى يقتضى لنا أن نوضحها للقارئ العربى حتى يراجع هذه المواقف الإسلامية ويتخذ موقفا مستقلا غير تابع، كما أننا نساعده أن يدرك وحدة النضال العربى والإفريقى من أجل الخلاص من التبعية للغرب، والخلاص من روح الاستكانة والانهزامية التى سيطرت على البعض بسبب نقل الغرب خلافاته حول أنصبة وحصص بيع السلاح فى الخارج عبر معارك تجرى بين دولنا وبين شعوبنا وبين قبائلنا فى إفريقيا والعالم العربي.


وإذا شئنا أن نحدد إطاراً لانطلاقنا فى قراءة الرجل والدولة فإن علينا أن نجيب عن الأسئلة التالية: من الرجل؟ وما دوره؟ وما الدولة وما قضاياها؟ وكيف أدار الرجل من بعد الاستقلال مسار العمل الوطنى فى زيمبابوي؟ وكيف جابه العالم الخارجي؟ ولماذا هو بهذه الحدة التى يتندر بها الناس؟ وباختصار شديد ماذا قدم موجابى للعمل الوطنى فى بلاده وللعمل الجماعى فى إفريقيا.


ولد موجابى فى ٢١ فبراير ١٩٢٤، ومارس موجابى التدريس لفترة قصيرة، توجه فى أعقابها إلى جامعة فورت هير فى جنوب إفريقيا وتخرج منها عام ١٩٥١، وقابل فى أثناء دراسته عددا من الزعماء الأفارقة الذين كان لهم شأن فى وقت لاحق فى تاريخ هذه القارة، ومنهم يوليوس نيريري، وهربرت شيتيبو، وروبرت سوبوكوي، وكينيث كوندا، استأنف موجابى دراساته العليا فى درايفونتين عام ١٩٥٢، وسالزبورى عام ١٩٥٣، وجويلو عام ١٩٥٤، وتنزانيا من عام ١٩٥٥ حتى عام ١٩٥٧، وفى وقت لاحق التحق موجابى بأكاديمية أتشيموتا، والمعروفة حاليا باسم مدرسة أتشيموتا الثانوية، وتقع فى أكرا عاصمة غانا، واستمر فى الدراسة هناك منذ عام ١٩٥٨ حتى عام ١٩٦٠.حصل موجابى على ثمانى شهادات جامعية تراوحت بين البكالوريوس والماجستير والدكتوراة، بينما كانت التخصصات التى يحب دراستها هى التربية، والاقتصاد، وقد حصل على بعض هذه الشهادات من جامعات لندن وجنوب إفريقيا بواسطة التعليم عن بعد، كما أن روبرت موجابى حصل على العديد من الدرجات الجامعية الفخرية من عدة جامعات عالمية.


نحن إذن لسنا بصدد رجل سطحي، بل نحن بصدد رجل مثقف حريص على التعلم وعلى الالتحاق بالمؤسسات العلمية فى بلده وفى جنوب إفريقيا التى كانت تمتلك كثيرا من الجامعات حتى فى ظل النظام العنصرى وفى بريطانيا الدولة الاستعمارية الكبرى، فإذا أضفنا أنه تحصل على هذه الدرجات العلمية أثناء نضاله وكفاحه ضد العنصرية فى بلاد وفى إقليم جنوب إفريقيا ككل علمنا أننا بصدد إرادة حديدية ورغبة تواقة للمعرفة، وأن الرجل الذى نكتب عنه هو شخصية تقدمية وموسوعية: باختصار نحن بصدد مثقف كبير له رؤية فى العصر الذى يعيشه، وله فهم دقيق فى المكان الذى نشأ فيه، وله أيضاً رؤية لمستقبل هذا المكان قادته من شاب صغير ينظر أثناء الحرب العالمية الثانية إلى الجنود الأفارقة يقاتلون من أجل الرجل الأبيض الذى يعاملهم على أسس عنصرية، ثم يتجاوز هذا الموقف المأساوى إلى رؤية بلاده حرة مستقلة. وهذا يدل على خيال خصب يحلق بصاحبه ليس فى الوهم ولكن فى أمانى التحرك الوطنى والاستقلال والكرامة. فإذا التمس فى بعض أوقاته طريقا إلى هذا التحرر وتلك الكرامة عبر إجراءات الإكراه وما يسمونه «القمع» معتبرا ً أن الغاية تبرر الوسيلة فلنا أن نسأل خصومه ومنافسيه: ما هى الغاية التى سعيتم إليها عندما استخدمتم العنصرية ضد البشر الأفارقة؟ أية غاية كريمة سعيتم إليها وقد لجأتم إلى هذه الوسيلة المنحطة؟


كانت زيمبابوى فى الماضى جزءا من أرض مملكة مونوميتابا التى اشتهرت بالذهب فى وقت استقرار الوجود العربى على سواحل شرقى إفريقيا، وكانت تجارتها مع العرب فى هذه السواحل حتى عهد سلطنة زنجبار تجارة مستمرة اعتمدت بالأساس على وجود شعب الشونا فى هذا الوطن القديم حول نهر الزامبيزي، والتى كانت تعرف قديماً باسم ماشونالاند، بيد أن تدخل القوى الأجنبية فتح الباب للتسلل إلى هذه المناطق الداخلية من القارة، وهو ما ترتبت عليه هجرة داخلية لأبناء المناطق الإفريقية تحت ضغط استخدام المستوطنين والمستعمرين للأسلحة النارية على نحو أدى إلى هجرة بعض القبائل من مكانها إلى تلك المناطق الداخلية، ومن ذلك هجرة قبيلة الميتابيلى وهى فرع من الزولو فى بداية النصف الثانى من القرن التاسع عشر وما تلاها من سنوات إلى أرض الماشونا حيث نجحوا فى إقامة سلطة ملكية بقيادة الزعيم ميزلكاتزى ومن بعده نجله لوبنجولا، وبهذا صارت المنطقة تعرف بقبيلتى الماشونا والميتابيلي، بيد أن الأولى كانت خمسة أضعاف الثانية من حيث السكان، إلا أن الثانية كانت لها السيطرة السياسية بحكم ما حصل عليه الزولو من سلاح نتيجة للمعارك مع الرجل الأبيض الأمر الذى جعلهم أشبه بجيش الدولة، بينما كان الماشونا هم فلاحيها.


وفى الحقيقة فإنه قد قدر على الملك لونجولا أن يتعامل مع طلائع المستوطنين البيض ومع شركة جنوب إفريقيا البريطانية بقيادة الاستعمارى البريطانى سيسيل رودس الذى وضع المنطقة تحت حماية شركته: شركة جنوب إفريقيا البريطانية، بمباركة من الملكة فيكتوريا، ما اضطر لوبنجولا إلى أن يكتب لها: «إن رجالك جاءوا إلينا يطلبون البحث عن المعدن الأصفر (الذهب) مطالبين بقطعة أرض صغيرة وبعض الطعام مقابل أن يساعدونا فى نيل قسط من التعليم والتقدم، ولكننى الآن يا جلالة الملكة لا أجد مكانا أمدد به رجلى فقد سيطروا على كل شيء على عكس الاتفاق الذى وقعته معهم والذى أرسلت إليكم لمباركته.»


وبطبيعة الحال لم تنفع هذه الاستغاثات الملك لوبنجولا وصارت الشركة تدير الأمور فى البلاد حتى مدت الحكومة البريطانية سيطرتها على الإقليم وعوضت الشركة عما أنفقت ولكن نسيت أن تعوض الشعب عن أرضه بحيث أصبحت بضعة عشرات الآلاف من المستوطنين البريطانيين تسيطر على ٧٥٪ من الأرض الإفريقية البالغة مساحتها ٣٩١ ألف كيلو متر مربع، وبطبيعة الحال فقد اختاروا لأنفسهم مناطق المناجم الغنية والأراضى الخصبة التى تجرى فيها الأنهار وتركوا القيعان الصفصف والجبال الجرداء والرمال الصفراء للشعب الإفريقى المطحون. ومن ثم فنحن بصدد معضلة استيطانية لأرض شعب بائس حيث نجحت جماعات المستوطنين فى أن تنال من الثراء ما لا يحصى ومن التعليم الحد الأقصى وقبعت الشعوب الإفريقية فى الأمية والجهل. ولئن جاء بعد ذلك من يخرج من هذه المعضلة العنصرية شاخصا إلى المستقبل عاملا من أجل وطن يخلو من العنصرية فنحن بصدد رجل عظيم أياً كان رأى الناس فيه.


وصحيح أن الأفارقة قاوموا بما يتوفر لهم من وسائل محدودة الاستيطان الأبيض، إلا أن الرجل الذى امتلك رؤية بعيدة كان هو روبرت موجابى وكان معه أيضا مناضل آخر هو جوشوا نكومو، بيد أن هذا الأخير انتمى إلى حزب الأقلية من الميتابيلى وبالتالى لم يكن له نصيب كبير فى صياغة مستقبل الدولة فى زيمبابوى حيث انفصل قسم من النخبة المثقفة الراديكالية برئاسة ندابانينجى سيثولى وروبرت موجابى عن نكومو فى عام ١٩٦٣ لتكوين الاتحاد الوطنى الإفريقى لزيمبابوى (زانو).


وانتقل مركز حركة مواجهة الاستعمار منذ السبعينيات إلى مثقفى الطبقة الوسطى الراديكاليين، والذين خلطت أيديولوجيتهم النزعة الوطنية الراديكالية بالأفكار الماوية والستالينية. وقادوا حرب العصابات التحريرية القائمة على المجندين من الفلاحين، وحققوا الاستقلال فى عام ١٩٨٠.


نالت زيمبابوى استقلالها عبر وساطة قادتها بريطانيا بين الحركة الوطنية ونظام الأقلية العنصرية وذلك وفق مجموعة من المبادئ التى حكمت مسار البلاد لمدة عشرين عاماً أمكن عبرها إتاحة حق الاعتراض على أى قرار لحكم الأغلبية الإفريقية المنتظر من قبل الأقلية البيضاء التى مثلت بعشرين فى المائة من مقاعد البرلمان بينما هى فى الحقيقة لا تزيد عن ٣٪ من السكان، واعتبرت المسائل المتعلقة بملكية الأرض واحدة من امتيازات الأقلية البيضاء بحيث تبقى الأرض بأيديهم طوال هذين العقدين حتى عام ٢٠٠٠ على أن تقوم بريطانيا باعتبارها الدولة المسئولة عن البلاد فى الإطار القانونى الدولى بتعويض المزارعين المستوطنين البيض حتى ينال الأفارقة أراضيهم التى سبقت مصادرتها قبل عشرات السنين. وقد التزم موجابى طوال هذين العقدين بهذه القواعد التزاما دقيقا ولم يقترف أى مساس بما جرى الإتفاق عليه حتى إذا وصلنا إلى عام ٢٠٠٠ ذهب إلى بريطانيا لمقابلة رئيس الوزراء بلير لمطالبته بتقديم موجابى التعويضات اللازمة وبضمان انتقال سلمى للأراضى الإفريقية من أيدى المستوطنين البيض إلى أيدى المزارعين الأفارقة.


وبوقاحة بينة قال بلير للرئيس موجابي: هل تهزل؟ إن الظروف التى وقعنا فيها الاتفاق سنة ١٩٨٠ تختلف الآن، هل ترى الاتحاد السوفيتي؟ من يستطيع أن يقف من خلفك؟ ومن يستطيع أن يساعدك الآن؟ إن هذه الأوضاع فى ملكية الأرض يجب أن تستمر وإننا لن نعوض أحدا على أى شيء لسبب بسيط، هو أن هؤلاء المستوطنين البيض قد ورثوا هذه الأرض من آبائهم. ولم يرد الرئيس طويلا، لكنه فغر فاه عن بسمة تدل على أنه ينتوى شيئا مفاجئاً.


كان رد الرئيس موجابى فى استاد بولاويو بالعاصمة هرارى ردا مفحما إذ وقف بين ظهرانى مليون مواطن يحكى لهم عن سخرية تونى بلير من الاتفاق وعن إهانته للشعب الإفريقى وعن وصمه إياهم بأنهم لا يحق لهم أن يحصلوا على أرض السادة البيض وأن هؤلاء ورثوا هذه الأرض عن آبائهم، وراح يتحدث منتقلا من نادرة إلى نادرة بطريقة ساخرة تلك السخرية المريرة التى يعرف بها، ثم صاح والآن: مواطنى الأفارقة هل هذه أرضكم؟ فأجابوا نعم، فتساءل: ألستم بحاجة إليها؟ قالوا نعم، ثم سأل: هل هذه أرض البيض؟ قالوا لا، فتساءل: هل يحق لهم أن يكونوا هنا؟ قالوا لا، قال إذن نحن بصدد نعم ولا، نعم لنا، ولا لهم، ثم سألهم هل نحن قوم ضعاف؟ قالوا لا، إذن فمن نحن، سأل، قالوا أقوياء ونحن مقاتلون، قال إذا فاذهبوا إلى مزارعكم فاستلموها، قالوا وماذا نفعل مع السادة البيض، قال إن استلمتم الأرض فأنتم السادة وهم سيصبحون بحاجة شديدة إلى تونى بلير كى يسلمهم التعويضات التى كانت قد إلتزمت بها بريطانيا قبل عشرين عاما.


فى ظرف أسبوعين لا غير كان المقاتلون القدامى وجموع الشعب الإفريقى على موعد مع استعادة أراضيهم فدخلوا إلى المزارع وإلى بيوت المستوطنين حيث تسلموها وبدأوا فى توزيعها على أنفسهم وفق نظم متفق عليها فى برامج الحكومة برئاسة موجابى شريطة المحافظة على النظم القائمة التى تعمل بمقتضاها المزرعة سواء فيما يتعلق بنظم الرى أو الزراعة أو تربية الحيوان أو التصنيع الزراعى أو صناعة الألبان والأجبان أو تصنيع الجلود وغير ذلك.


من أجل هذا صار الإعلام الغربى يضع موجابى على رأس قائمة التحديات التى يجب توجيه سهامه إليها لتشويهه وتشويه فكرة النضال الإفريقى وإظهار ما قام به باعتباره بلطجة ونوعا من استخدام العنف غير المبرر ضد مواطنين زيمبابويين، والحقيقة أن أغلب المستوطنين حتى هذا التاريخ كانوا ينسبون أنفسهم إلى روديسيا فيقولون: نحن الروديسيون. وهو ما يعنى أن المواجهة آخر الأمر صارت بين أتباع رجل الاستعمار القديم سيسل رودس وأتباع المحرر الإفريقى الصلد روبرت موجابي.


وقد تبعت ذلك سلسلة من الإجراءات الغربية التى استهدفت حصار البلاد وتعطيل صادراتها ووارداتها بخنقها اقتصادياً ووأد فرصة الفلاحين الأفارقة فى امتلاك استقلال اقتصادى أو دعم العمل التنموى بغرض إسقاط التجربة وإفشالها وفرض حالة من الفشل على النظام السياسى للرئيس موجابى بما يجبره على العودة إلى مائدة التفاوض والقبول بالحوار مع المستوطنين توطئة لعودتهم ومحاولةً للتواصل السياسى الذى يتيح لبريطانيا البقاء فى المنطقة عبر وجودهم، وهو الأمر الذى أباه الرئيس بإباء شديد حتى اضطرت بريطانيا آخر الأمر إلى تبنى برامج التعويض واستقبال المستوطنين البيض فى كل من بريطانيا وأستراليا وكندا لمنحهم وطناً بديلاً عن زيمبابوي.


وكان من النقاط التى ركز عليها البريطانيون الحديث عن موقف الرئيس من مسألة الديمقراطية وتقديمه إلى العالم كنموذج ديكتاتورى فاشى واتهامه بممارسة العنف والإكراه والإخلاء القسرى للمواطنين واتهام أنصاره من الفلاحين البسطاء الذين استعادوا أراضيهم بالديماجوجية والفوضوية وكذلك إبراز فشل التجربة السياسية الحزبية مع العمل على تهيئة نماذج جديدة وقيادات جديدة شابة لم تعِش مرحلة ما قبل الاستقلال ولم تفهم الوضع الاستغلالى البشع الذى عاشته زيمبابوى سواء فى مرحلة هيمنة شركة جنوب إفريقيا البريطانية أو مرحلة هيمنة سلطة الاستعمار البريطانى أو خلال حكم الأقلية البيضاء ومن ثم فقد انخرطوا فى ثقافة جديدة تقوم على التنميط العولمى الأمريكى الغربى ومالوا إلى نماذج ماكدونالدز والبيبسى كولا وأفكار وحدة العالم وأكثر من هذا فقد جرأهم الإعلام الغربى على إهانة الرئيس والسخرية منه والنظر إلى تقدمه فى السن باعتباره مخرفا وإنه رجل غريب الأطوار يقوم بحركات غير مفهومة وتلميحات غير لائقة والشيء المذهل أن انخرط الإعلام العربى واقتاد معه الشباب العربى فى الحديث عن الرجل على هذه الصورة والكيفية السلبية إلى الحد الذى كنت لا تستطيع أن تميز بين قناة الـ»سى إن إن» أو الجزيرة أو أية قناة عربية أخرى.


وعلى الرغم من أن الرجل خاض انتخابات صعبة تحت الحصار الاقتصادى ونافس سياسيين شباباً أشداء مثل تسفينجراي، إلا أنه نجح آخر الأمر وإن بنسبة غير كبيرة، وعلى الرغم من أن حكومات عديدة فى الغرب نالت السلطة بفارق عدة آلاف الأصوات مثلما حدث مع الرئيس الأمريكى جورج بوش الإبن فإن فوز موجابى بما هو أعلى من هذه النسبة من الأصوات لم يرحمه من الانتقاد المر والإهانة المتكررة، وعلى الرغم من خطورة الإنجاز الذى تم لإنهاء نظام الفصل العنصرى منذ ١٩٨٠ وإنهاء سيطرة البيض على الأرض منذ عام ٢٠٠٠ فإن الرجل كان من القوة والاقتدار بحيث أضاف إضافات ملموسة إلى أوضاع التنمية والتصنيع فى زيمبابوي. ونجح فى تغيير نظرة الإنسان الإفريقى إلى نفسه باعتباره شخصا بسيطا محدود الذكاء محدود التعليم محدود الإرادة لكى ينشئ جيلا جديدا يفكر فى زيمبابوى وفى مستقبلها ويصنع التغيير فى مجالات التنمية البشرية والتنمية الاقتصادية والبنية الأساسية على نحو جعل كل الضغوط التى مارسها الغرب والتى شاركت فيها للأسف الحكومات المتعاقبة فى جمهورية جنوب إفريقيا إلى الحد الذى بات أمر المنافسة بين زعامات جنوب إفريقيا وبصفة خاصة ثابو مبيكي، وبين موجابى من القضايا المطروقة فى المجتمع الجنوب إفريقي. ونظرا إلى أن اقتصاد زيمبابوى كان يرتبط منذ أكثر من قرن من الزمان باقتصاد جنوب إفريقيا عبر شبكات السكة الحديد والنقل البري، إلا أن موجابى نجح فى فرض وجهات نظره وفى تقديم صورة منافسة لنظام جنوب إفريقيا ولارتباطاتها الخارجية مع الولايات المتحدة الأمريكية الدول الغربية وإسرائيل.


واليوم وقد بلغ الرئيس من العمر أرذله نقول إنه قد حانت اللحظة للوصول إلى كتلة الجنوب الإفريقى عبر زيمبابوي، لحظة نستطيع فيها أن نكون شريكا اقتصاديا فاعلا فى مجالات عدة فى بلد جميل تنتشر فيه الخضرة وتتوافر فيه المياه وتكتنز أرضه بكنوز من الثروات المعدنية التى تنادى من يستخرجها وقد توفرت فيه قاعدة علمية وإن كانت محدودة، وقاعدة من الشباب التواق إلى العلم تواقة للعمل على بناء الدولة على نحو مستقل نجح الرئيس فى تكوينهم كفريق عمل رافض للتبعية ومرحب بالتعاون الإفريقى الذى يتأسس على مبادئ إفريقية صرفة، رجل يستطيع أن يوازن الموقف الإفريقى من هيمنة جنوب إفريقيا فى الإقليم ويستطيع أن يعين العرب فى مجابهة محاولات التغلغل الإسرائيلي، رجل مؤمن بحق الشعب الفلسطينى فى أرضه، مد إلينا بصره وفكره ويده ولا نزال نقف حائرين لا نجيبه.


وهذا سؤال لمصر الجديدة بعد ٢٥ يناير و٣٠ يونيه