باريس ما بعد داعش

22/09/2016 - 11:51:52

بقلم: فريدة الشوباشى

قضيت فى باريس سبعة وعشرين عاما أثرت وجدانى بعصارة كل مظاهر ومعالم الثقافة فيها وكنت دائما أقول للأصدقاء الفرنسيين إن أوجه الشبه بين عاصمة النور الفرنسية وعاصمة أقدم حضارة فى التاريخ أكثر من أن تحصي..فلباريس إشعاع فى محيطها الأوربى والعالمى كما للقاهرة إشعاع فى محيطها العربى والدولي..وربما كان هذا التشابه، خاصة فى الدور والتأثير، ما جعلنى أتحمل الغربة والبعد لنحو ثلاثة عقود عن أم الدنيا، التى كنت أزورها سنويا تقريبا باستثناء السنوات الأخيرة من حكم الرئيس أنور السادات..


ولدى عودتنا النهائية، نهاية عام ١٩٩٨ زوجى الكاتب الراحل على الشوباشى وأنا،حيث كان وحيدنا نبيل قد سبقنا إلى القاهرة فى أوائل التسعينيات،هالنى التغيير الذى طرأ على مدينتى المعشوقة،وكأن شعبا آخر قد حل محل الشعب الذى افترقت عنه، على غير رغبتى، فى مطلع عام ١٩٧٣..


وأدهشنى أن “يتفاخر !؟” البعض بأننا أصبحنا أحرارا فى استيراد بضائع أجنبية وأن أسمع إشادات بوجود محلات الوجبات السريعة وأنواع الصابون والعطور المستوردة، وهو ما واكب حقبة “الانفتاح “الاقتصادى الذى نعانى من ويلاته وسنظل نعانى حتى نتخلص من آثاره بإعادة تشغيل مصانعنا والتوسع فى الصناعات الصغيرة والمتوسطة، رافعين شعار “أمل مصر صنع فى مصر”، وكذلك نتخلص من فلسفته البالغة الضرر، حين كان كما قال أستاذنا الراحل الكبير أحمد بهاء الدين “الانفتاح السداح مداح”، بعد انسحاب الدولة شبه الكامل وترك الحبل على الغارب لمجموعة من السماسرة الذين سلبوا لقب “رجال أعمال“ بعدما نهبوا أراضى الدولة وأثروا باستغلالها ثراء فاحشا، مما عمق الفجوة بين الغنى والفقير بما لم يسبق له نظير فى تاريخنا الحديث


أما الأمر الذى استوقفنى بشدة فهو التغيير الذى طرأ على مظهر المصريين، رجالا ونساء، بارتداء أزياء خليجية أو أفغانية أو تركية، بدعوى أنها أزياء “إسلامية!؟”..وإبداء مظاهر التقوى والورع.. وحين عدت إلى باريس هذه الأيام، دهشت أيما دهشة من التغيير الذى طرأ على المجتمع الفرنسى بعد الأحداث الإرهابية المرعبة التى وقعت فى فرنسا ومنها تلك التى جرت فى قاعة باتاكلان بباريس، حيث كان الجمهور يحضر حفلا موسيقيا، ثم مذبحة مدينة نيس التى أودت بحياة وإصابة المئات الذين كانوا يشاركون فى احتفالات عيدهم القومى وبعدها ذبح أحد القساوسة قرب مدينة رووان وغيرها من الجرائم..فقد أصبح “الإسلام” مادة خصبة للفتاوى ولتثبيت صورة الإرهاب التى يحاول أصحاب المصلحة إلصاقها به..ولا يعدم هؤلاء “المدد” الذى يأتيهم من الإرهابيين الذين يتدثرون بعباءة الإسلام،والذى تجلى، مؤخرا مثلا،فى معركة” البوركيني”، أى “لباس البحر الإسلامي!؟”، وسط عجز مشين من قبل الدول ذات الأغلبية المسلمة، فلم نسمع صوتا غير الصوت المعتاد والذى لم يعد له أى تأثير بأن هؤلاء لا علاقة لهم بالدين !!..وأعتقد أنه يتعين علينا اتخاذ إجراءات صارمة ضد الإرهابيين، مهما أطلقوا على أنفسهم من صفات وأوصاف، وأيضا فضح الجهات أو الدول التى تمولهم وتسلحهم، بهدف تشويه الإسلام والمسلمين لمرامى بعيدة المدى وأغراض خبيثة، ليس أقلها تمهيد الأرض لسيطرة تلك الجهات على مقدرات الشعب العربى بنوع خاص،ووصم العرب بكل ما يشين حتى لا يجدون من يتعاطف معهم، مهما تعرضوا لعدوان أو إيذاء..ومن أوضح الأدلة على عداء التنظيمات الإرهابية للإسلام والمسلمين أنهم جعلونا “persona non grata“، أى أشخاص غير مرغوب فيهم فى أى دولة غربية ولا تشذ عن ذلك فرنسا التى لم أشعر فيها يوما بأية عنصرية تجاهى خلال سنوات عملى فيها، على عكس الآن، حيث مجرد ملامحى العربية، تثير التوجس إن لم يكن الخوف، فما بالك بالنسبة لمرتدي”الزى الإسلامي؟”..


إن “تنميط” الإنسان المسلم ليس أمرا بريئا خاصة وأننا لم نسمع قبل ظهور داعش وأخواتها،عن البوركينى أو غيره، ولا أحد يفهم جدوى إثارة مثل هذه المسائل فى وقت تعانى فيه الدول العربية من أوضاع اقتصادية حرجة، فيتم طرد الرعايا العرب والمسلمين من قبل الدول المضيفة أو تضييق الخناق على الفرنسيين من أصول عربية مما حمل كثيرين على العودة إلى أوطانهم الأم أو التأهب للعودة لحين تدبير أوضاعهم.


لقد تحسرت على أيام السماحة الفرنسية، بعدما علمت أن صديقا مصريا جاء للعلاج، كادوا ينزعون جلده فى المطار للبحث تحته عن “ممنوعات”..أيضا انتشرت قوات من الجيش والشرطة العسكرية فى الأماكن التى يمكن أن يستهدفها الإرهابيون.


ولا شك أن الوضع بات شديد التعقيد وعلى كل دولة وكل مؤسسة دينية بل وكل فرد فينا الدفاع عن قيم الإسلام وفضح من يسعون إلى تشويهه بأحط أنواع الأسلحة، واستخدامهم لكل ما تطاله أياديهم من أدوات داخلية وخارجية..إن الإرهابيين يؤذون المسلمين قبل أى فئة أو أتباع دين آخر.. يجب أن ننتفض ضد “المفردات” الطارئة والتى ابتدعها أعداؤنا وأصابنا الخرس حيالها، مثل وصف كل مرتكبى الجرائم التى روعت الشعوب، بـ”الإسلاميين” أو “الجهاديين!؟”،أو “أنصار بيت المقدس”،أو أية ألقاب أو أوصاف تضفى على هؤلاء زورا وبهتانا صفة “مسلم”..إن جوهر القضية أن ندرك أن الموضوع سياسى وليس دينيا.!!