« بدون مصدر.. بدون تعليق»

22/09/2016 - 11:15:34

بقلم: يمنى الحديدى

فى مشهد تختفى فيه كل معالم الإنسانية، يظهر بعض الأطفال فى محطات المترو المختلفة فى ساعة متأخرة من الليل، حيث يذهب الجميع إلى بيته، أما هم فلا توجد لهم بيوت بعضهم تركه برغبته، والبعض رمت به الرياح إلى هذا الملجأ فلم يجدوا حتى من ينظر إليهم.
أما قصتى فكانت فى منتصف النهار، فى وقت ذهاب الجميع إلى بيته، إلا أن هذا لم يجعل أحدا يلتفت إلى محمد طفل صعد إلى المترو، ومع مرور بعض الوقت أخذ يتحدث مع طفل آخر ويحكى قصصا خيالية له وبعد مرور بعض الوقت على هذا الحال، تكلم محمد مع سيدة وأعطى لها ورقة، علمت فيما بعد أنها مكتوب عليها يتجه إلى منصورة دقهلية، لم أكن منتبهة كل هذا الوقت حتى قالت له السيدة من كتب لك هذه الورقة، فقال لها «البوليس» ، فسألته لماذا تركت بيتك، قال لها لا أعلم كنت أبحث عن بيت جديد، ولكن الحالة التى كان عليها محمد تؤكد على أنه لم يكن فى وعيه، ولكن بعد فترة اكتشفت أن محمد يعانى من ثقل فى الكلام وربما تأخر فليلا فى الاستجابة، وبعد حوارات جانبية مع محمد مع بعض ركاب المترو، تشاور فيها الجميع ، طلبت إحدى السيدات من محمد أن يصمت حيث أصابها الصداع، وصمت الجميع ولم يلتفت أى أحد لمحمد ولا سيما بعد أن نصحوه أن يبقى فى هذا المترو حتى يذهب لمحطة رمسيس ومن هناك يركب القطار المذكور. وبعد وصول المترو لمحطة حلوان، نزل الجميع ومن بينهم محمد، ونزلت أنا أيضا، ووقعت عينى على محمد تائها وحائرا لا يعلم ماذا يفعل، يقلب بصره هنا وهناك لعله يهتدى للطريق، فوقفت معه وسألته عن اسمه والذى لم أكن أعلمه حينه، فأجابنى، وسألته عن اسم والده فقال لى لا أعلم، وعندما سألته عن سنه قال لى أربع سنوات ولكنه كان يبدو أكبر كثيرا ربما ست أو سبع سنوات. وبعد عدة أسئلة انتهت بأنه يريد أن يذهب إلى بنها عند عمته، قررت أن أسلمه لشرطة المحطة ليكون فى أيد أمينة حتى يصل إلى بيته.


وسألت أحد العاملين فى المحطة عن مكان الشرطة، وأخذ يستفسر منى عما حدث وطلب منى أن أتركه فقلت له لا، حيث فضلت أن أسلمه لأحد من الشرطة بشكل رسمي، فنادى على أمين الشرطة المسئول فى ذلك الوقت وأثناء قص الحكاية من الأول، تدخل شخص وقال بما أن الولد يريد أن يذهب إلى بنها، فهناك عم فلان، عامل حجز تذاكر القطارات من بنها، وربما يتعرف عليه. وطلب منى أمين الشرطة الانصراف فقد سلمت الولد للشرطة وقال لى لا تقلقى فالولد فى أيد أمينة أو كما قال « ده ابننا».


وذهبت إلى البيت وعقلى عند محمد، قلت لماذا لم أصوره حتى وأضع صورته على بعض مواقع التواصل، لعل ذلك يسهل عملية وصوله إلى أهله، ونمت وتحمست حتى أعرف فى الغد فى دار أودعوه أو إذا ما زال فى قسم الشرطة.


وبالفعل سألت عنه موظف المحطة الذى سلمته محمد بالأمس هو وأمين الشرطة، وكانت الصدمة عندما قال لى إنه ذهب مع رجل إلى بنها، فكرت فى البداية أنه عامل المحطة الذى تحدثوا عنه بالأمس، فسألته إذا كان موجودا حتى أسأله أين تركه، ولكنه قال لى إنه ذهب مع أحد المسافرين الذى سمعهم وهم يتحدثون، وقال لهم أنا سأصطحبه معى إلى بنها. وسألتهم عما إذا كانوا قد حفظوا أى شيء يدل على هوية الرجل فقال لا.


العجيب أكثر هو الرد الذى قاله لى وهو « الشارع أرحم له من قسم الشرطة». ورجعت خائبة الأمل لأنى لم أستطع فعل أى شيء له.


وبالصدفة دخلت على بعض الصفحات التى تهتم بهذا الموضوع على موقع التواصل الاجتماعى فيس بوك، ووجدت العجب إلى جانب المشردين فهناك العديد من الأطفال التائهين والذين لا يستطيعون العودة بسبب الدائرة المبهمة التى تدور فيها المنظومة المسئولة عن هذه المعضلة التى لا تنتهى، فلا الشرطة متصلة بوزارة التضامن، ولا حتى متصلة مع بعضها البعض. فهنالك العديد من الحالات التى تنتقل من بلد لبلد أو حتى من محافظة لمحافظة، وهنالك من يتم إيداعهم دور الرعاية دون عمل محاضر رسمية، والجديد فيما حدث معى أن يتم تسريح هؤلاء الأطفال من قبل أحد العاملين بالشرطة مع أحد الغرباء دون النظر حتى إلى بيانات الرجل.


هؤلاء الأطفال سيظلون ضحية أسرهم ومجتمعهم وهذه المنظومة العقيمة إن لم يتم اتخاذ الإجراءات اللازمة لحل هذه الأزمة أو لا يعود أحد بعد ذلك يشكو من أطفال الشوارع وازدياد الجريمة.