مبادرات الإخوان.. والمربع صفر

22/09/2016 - 10:47:37

بقلم : أحمد بان

من لا يعرف جماعة الإخوان جيدا، قد يتصور أنها مجرد حزب سياسى يتوسل فى تحقيق أهدافه بالدين باعتبار ذلك الطريقة المضمونة لكسب الصراعات السياسية وضمان ولاء الجماهير، وبالرغم من صحة ذلك إلا أن الجماعة بالفعل أكبر من مجرد حزب سياسى، إذ فضلت عبر تاريخها أن تحتفظ بكونها حركة ضغط وحزباً سياسياً وجماعات مصالح وبيروقراطية عتيدة وتنظيماً عسكرياً وقل ما شئت فى تركيبتها التنظيمية ومشاكلها البنيوية، لكن الأهم فى الحقيقة أن عدم تحديدها لفضاء مناسب لطاقة أعضائها وكوادرها جعلها فى النهاية ضحية لهذا التشتت التنظيمى والفكرى، وبالتالى السياسى خصوصا أنها لم تكن أبدا حزبا سياسيا قادرا على بناء برامج حقيقية أو تربية كوادر سياسية قادرة على التعاطى مع الواقع وبناء التحالفات السياسية الصحيحة.


ولأن عقل الجماعة يبدو للمتابعين سياسيا بالنظر إلى قدراتهم فى التنظيم والتعبئة والحشد، والتى كانت الغواية التى أوردت الجماعة المهالك، فقد تصورت الجماعة أن سياسة الحشود الكبيرة ستهزم الدولة وسترضخ فى النهاية لمطالب الشارع الذى حركته بالأساس، اعتمادا على عناصرها وأنصارها قياسا على ما جرى فى ٢٥ يناير، لكن ما لم تدركه الجماعة أن الحشود الكبيرة التى خرجت فى يناير كانت عينة ممثلة للشعب المصرى، لم يجد الجيش أمامها إلا أن يرضخ لإرادة الشعب ويسلم بمطالبه، ومن ثم تنحى مبارك ومضى المشهد على غير ما يريد الشعب نعم، لكن العامل الحاسم فى ذلك كان فى خطة الإخوان التى حاولت أن تجعل الثورة حصان طروادة الذى تختبئ فيه لتمرير مشروع التمكين، الذى بدت متعجلة فى تنفيذ فصوله بإعلان دستورى كاشف عن نيتها فى تحويل مصر إلى ولاية فقيه سنية جديدة،على جثة دولة مدنية تماما كما جرى فى إيران الأقرب نفسيا وفكريا للجماعة، فالإثنان على غير المستقر فى الشريعة الإسلامية وأصول الدين والفقه السنى بشكل عام، اعتبروا الإمامة أصلا من أصول الدين تجعلها الإخوان فى عهدة المرشد والجماعة، وتجعلها أيران فى عهدة الولى الفقيه النائب عن الإمام الغائب حتى يعود، وربما هذا موضوع مقال آخر، لكن المهم أن الجماعة تصورت أنها قادرة على تحقيق مشروعها واقعة تحت غواية الحشود التى أعمت أبصارهم وبصيرتهم، ومن ثم بعد وصولهم للحكم حاولوا عبر تلك الحشود دعم قرارات موظف مكتب الإرشاد فى قصر الرئاسة محمد مرسى، وحمايتها من غضب الشعب الذى ثارت جموعه الحية، غضبا لانتهاك الدستور والدولة المدنية، ومن ثم انطلقت موجة تصحيحية جديدة من موجات يناير فى ٣٠ يونيو لتخلع الجماعة بقبضة الشعب والجيش من الحكم، وبالرغم من أن واقع الجماعة صدق أن الحشود لم تفلح فى تغيير الموقف باتجاه طموحها، إلا أنها راهنت على التصعيد بتنظيم أكبر اعتصام عبر تاريخها فى رابعة العدوية وفى قلب القاهرة بالقرب من وزارة الدفاع فى محاولة لتأجيج الصراع بين الشعب والجيش، ومحاولة توريط الشعب فى معركة من هذا النوع على غرار ما جرى فى سوريا، لكن الجيش المصرى وأقول المصرى فى عقيدته وتركيبته وولائه لم يقبل أن تنطلق تلك الفتنة بالقرب من أسواره، لذا كان القرار الحاسم بفض الاعتصام.


الشاهد أن الجماعة لم تفهم الدرس وحاولت أن تتوسل بعدها بمظاهرات اختلط فيه السلوك السلمى لبعض عناصرها بسلوك عنيف، قبل أن يختفى السلم تماما لحساب مجموعات عنف صغيرة تحت عنوان العمليات النوعية والتنظيمات الصغيرة، التى استحضرت المعادلة القديمة للنظام الخاص الذى أطلقته الجماعة فى مطلع الأربعينات، والتى تعنى أن تنخرط مجموعات فى العنف إن نجحت تعلن الجماعة مسئوليتها عنها، وإن فشلت تتنصل الجماعة منها.


هذا النهج أيضا فشل ولم تجد الجماعة فى النهاية سوى محاولات الصلح مع النظام، وهو ما عبر عن نفسه عبر العديد من المبادرات التى انطلقت فى العامين الأخيرين، لتشتبك مع مشكلتين الأولى هى الانقسام التنظيمى داخل الجماعة بين مجموعتى محمود عزت ومحمد كمال، والثانية محاولة للتنسيق مع بعض الكيانات والشخصيات الهامشية فى الخارج بالأساس، لمحاولة الإدعاء أمام الغرب بأن الجماعة جزء من ائتلاف وطنى واسع يرفض الأوضاع فى مصر ويسعى لتغييرها، مدعيا تمثيل الإرادة الشعبية. فى هذا السياق انطلقت العديد من المبادرات شاركت فيها شخصيات محسوبة على الجماعة أو قريبة منها وبدا أن كل السياقات تعود إلى المربع صفر فى النهاية، ولم تفلح تلك المبادرات لا فى إقناع النظام بجدية الجماعة فى العودة عن مشروعها الخاص والاعتذار عن العنف ومحاولة تغيير هوية الدولة، ولا القدرة على بناء معارضة متماسكة تعيدها لسدة الحكم.


فى هذا السياق صدرت منذ أيام قليلة وبالتزامن مع استعداد الرئيس السيسى لزيارة الأمم المتحدة ما سميت بمبادرة واشنطن أو إعلان واشنطن الذى تضمن النقاط التالية.


- ثورة ٢٥ يناير هى الثورة الحقيقية، ويظل شعارها العيش والحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية هو الأساس لكل سياسات مستقبليّة.


- التعدد والتنوع يعنى التعبير عن توجهات مختلفة وآراء متنوعة، والهوية المصرية الجامعة بطبقاتها المتنوعة هى العامل المشترك الموحد لعناصر الشعب المصري، ومن المهم إقرار وقبول هذا التنوع والتعدد والاختلاف عن طريق آلية الحوار الفعال وآلية ديمقراطية تضمن الحماية من ديكتاتورية الأغلبية أو الأقلية.


- السيادة والسلطة والشرعية من الشعب وللشعب وحده، ويحكم العلاقة بين قواه المختلفة دستور مدنى والمساواة التامة بين كل المواطنين، ويتم إعلان وثيقة تضمن الحريات والحقوق لكل فرد من أفراد الشعب دون أية قيود بما فيها حرية ممارسة الاعتقاد، وحرية التعبير والنشر، والحق فى التجمع السلمى بما يشتمل على تشكيل منظمات مدنية ونقابات وإنشاء الأحزاب على أى أساس سلمى وأى مرجعية كانت، وحرية ممارسة أنشطتهم.


- صياغة دستور مدنى ينص صراحة على عدم تدخل الدولة فى المؤسسات الدينية أو العكس، وعدم تدخل المؤسسة العسكرية فى العملية السياسية، ويرسخ الحقوق والحريات على قاعدة الإعلانات والمواثيق العالمية لحقوق الإنسان، ويؤسس للديمقراطية، ويحد من السلطة المركزية ويؤسس لنظام اللامركزية فى إصدار القوانين والتمويل، وكذا يسن الضرائب مقابل الخدمات والتمثيل النيابي، ويحقق مبدأ مراقبة وتوازن السلطات والفصل فيما بينها، والعمل على خلق حكم محلى قوي.


- الدولة لا هوية ولا مرجعية لها إلا مدنيتها، ولا مؤسسات دينية تابعة لها، بحيث لا يتدخل الدين فى الدولة ولا تتدخل الدولة فى الدين، وتصدر القوانين والممارسات التى تتعلق بها على مسافة واحدة من جميع المواطنين إعمالا لقيمة المساواة وعلى قاعدة المواطنة.


- وضع إستراتيجية العدالة الانتقالية الشاملة لكل الشهداء والمصابين والمتضررين بما يمكنهم من نيل حقوقهم وجبر ضررهم، ويشمل ذلك ما قبل ٢٥ يناير وما بعدها.


- محاكمة كل من تورط فى الدم قبل أحداث الثورة المصرية وما بعدها وحتى الآن.


- الإفراج عن كل المعتقلين السياسيين وسجناء الرأى والمتهمين فى قضايا المقاومة المشروعة، ومحاكمة من قامت ضدهم الثورة وكل من استغل ٣٠ يونيو فى الإنقلاب على ثورة ٢٥ يناير.


- إعادة هيكلة جناحى حكم القانون (الشرطة والقضاء) بما يؤسس لمنظومة قضائية وأمنية تحقق العدل والأمن للمواطنين، وتلتزم بالقوانين والمواثيق والأعراف الدولية.


- عودة الجيش إلى ثكناته والقيام بدوره الحقيقى فى حماية الحدود والدفاع عن الوطن وعدم التدخل فى الشئون السياسية والاقتصادية، من أهم المبادئ الأساسية لقيام دولة مدنية ديمقراطية حقيقية.


فيما دخلت جبهة محمود عزت، القائم بأعمال مرشد الإخوان، لاحتواء غضب حلفاء الجماعة ضد التنظيم بسبب ورش عمل ومبادرة واشنطن، التى اعترض عليها قيادات الجماعة الإسلامية وبعض حلفاء الإخوان، وتبرأت من مساعى عصام حجى، لإطلاق وثيقة واشنطن، التى شارك فيها قيادات إخوانية على مدار الأيام الماضية، رغم حضور ممثل للإخوان فى هذه الورش.


أكدت مصادر مقربة من الجماعة، فشل مبادرة الوثيقة، التى شارك فيها كل من أيمن نور، رئيس قناة الشرق الإخوانية، ومحمد محسوب، القيادى بحزب الوسط، وعصام حجى، وسيف الدين عبدالفتاح مستشار المعزول محمد مرسى، وعبدالموجود راجح الدرديرى، القيادى الإخوانى المتواجد فى أمريكا.


 مواقع تابعة للإخوان، ومن بينها شبكة رصد الإخوانية، ذكرت أن الجماعة أبلغت المشاركين فى ورشة العمل إعتراضها على أحد بنود الورشة التى تتضمن أن مصر بلا هوية، باعتبار أن هذا يحرج الإخوان أمام أنصارهم وتحالفهم.


وأضافت تلك المواقع الإخوانية، أن الجماعة وافقت فى بادئ الأمر على البند الخامس من الوثيقة، عندما حضر عبدالموجود راجح الدرديرى باعتباره ممثلا عن الإخوان، وتم الاتفاق على جميع بنود وثيقة واشنطن، إلا أن أعتراض قيادات من حلفاء الإخوان على البند الخامس جعل الجماعة تتبرأ من الورشة بعد ذلك. 


أما البيان الصادر عن طلعت فهمى، المتحدث الرسمى للإخوان فى جبهة محمود عزت، قال إن ما تم تداوله عن نتائج الورشة النقاشية التى حضرها بعض النشطاء السياسيين، وتمت الإشارة فيه إلى حضور ممثلين عن الجماعة، عار عن الصحة، ولم يسبق للجماعة العلم بها


وأضاف فهمى فى البيان: «تؤكد الجماعة فى هذا الصدد أنها على تواصل مع كافة الرموز والقوى السياسية فى الداخل والخارج، وسبق أن قدمت لهم مجموعة مبادئ للاصطفاف، وجرى حوار حولها، تمخض عن موافقة بعض الرموز والقوى السياسية عليها، وفى انتظار رأى البعض الآخر». 


وتابع: «تعيد الجماعة التأكيد على أن التعبير عن رأيها ومواقفها يتم من خلال مؤسساتها والمتحدثين باسمها، وأن حضور رموز من الجماعة أو بعض شخصياتها لمثل هذه المناقشات أو ورش العمل إنما هو حضور شخصى، ما لم تعلن مؤسساتها تمثيل هذه الشخصيات لها». 


فى المقابل أصدر سيف الدين عبدالفتاح، مستشار المعزول محمد مرسى بيانا، ردا على هجوم الإخوان على المبادرة قائلا: «تناقلت مواقع كثيرة وثيقة البيان التى تصدر عن اجتماع واشنطن، هذا الاجتماع الذى ضمَّ أطيافا وممثلين لقوى سياسية ودار النقاش لمدة ثلاثة أيام استقر المجتمعون على ضرورة ألا ينفض هذا الاجتماع إلا بمشروع بيانٍ يحدّد اتفاق الحدّ الأدنى الذى يشكل أرضية لاجتماع الحاضرين وحركتهم المستقبلية”.


وأضاف: «لسنا بصدد تشخيص هذا الوضع الذى آلت إليه أمورنا، وضرورة التحقق من كل ما يصدر عن مجموعة ما فى إطار من التبين والوضوح، وكان علينا، بعد أن قررنا إلا ندخل فى معارك جانبية، أن ندلى بهذا البيان إعمالًا لقاعدة ذهبية تتعلق بـ«لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة إليه»، ورأينا أن صدور هذا البيان فى هذا التوقيت وقبل الإعلان عن بيان آخر يتضمن مجموعة المبادئ التى اتُفق عليها بفصها ونصها أمر ضرورى.


وأوضح أن المجتمعين فى واشنطن قصدوا بتوقيع هذه المبادئ أن يشيّروا إلى إمكانية أى اجتماعات قادمة بين قوى سياسية وفكرية مختلفة ومتنوعة، وأن الاتفاق فيما بينها يمكن أن يكون وليس مستحيلا، وهو ما أدى إلى نقاشات بين المجتمعين احتدمت حينا وانفرجت حينا آخر لتؤكد أن الحوار بين هذه القوى المختلفة هو الآلية الوحيدة لإحداث اتفاق وتوافق قادر على أن يصمد أمام أحداث متغيرة وأمور تستحق التماسك».


وفى السياق ذاته، أكد حاتم أبو زيد، المتحدث باسم حزب الأصالة، أحد حلفاء الإخوان، أن مبادرة واشنطن مبادرة عقائدية، حيث تتحدث فى بندها الثانى قائلة: «الهوية المصرية الجامعة بطبقاتها المتنوعة هى العامل المشترك الموحد لعناصر الشعب المصرى»، لافتا إلى أنها أنشأت هوية جديدة لمصر وشعبها، واعتبرتها مرجعية عليا، وهذا شأن العقائد. 


وأضاف فى بيان له: «ثم قامت المبادرة بالتمهيد لإقرار مبادئ فوق ديمقراطية، وهذه طبيعة الأديان والعقائد أن بها مبادئ عليا لا يمكن تجاوزها عبر الأغلبيات ونحوها فتتحدث عن (آلية ديمقراطية تضمن الحماية)، متسائلا: «أى ديمقراطية تمنع من إقرار رأى الأغلبية»، معلنا رفض الحزب لها. 


فشلت إذن آخر محاولات الجماعة لتحريك المشهد، وبالرغم من ذلك ستحافظ الجماعة على هذا التقليد لتنطلق فى دورة جديدة من المبادرات نحو المربع صفر، حتى تنتهى أموال الجماعة تماما ساعتها ستقف المبادرات وستجد عناصرها مكانا آخر أو تنزوى فى صمت.