نجاحات وإخفاقات وجدل على الدوام (٤) رحلة البوليس السياسى وأنظمة الحكم فى مصر

22/09/2016 - 10:45:52

  النقراشى باشا يسار الصورة قبل أن يلقى حتفه على يد الإخوان النقراشى باشا يسار الصورة قبل أن يلقى حتفه على يد الإخوان

بقلم - العميد:خالد عكاشة رئيس المركز الوطنى للدراسات الأمنية

يذكر «محمود عساف» أمين تنظيم الإخوان للمعلومات (جهاز المخابرات الإخوانى) فى كتابه «مع الإمام الشهيد حسن البنا» ص ١٥٤ ما نصه:


«فى يوم من أيام سنة ١٩٤٤م، دعيت أنا والمرحوم الدكتور/ عبد العزيز كامل لكى نؤدى بيعة النظام الخاص فذهبنا إلى بيت فى حارة الصليبة، دخلنا غرفة معتمة يجلس فيها شخص غير واضح المعالم بيد أن صوته معروف، هو صوت «صالح عشماوي» وأمامه منضدة منخفضة الأرجل وهو جالس أمامها متربعا، وعلى المنضدة مصحف ومسدس وطلب من كل منا أن يضع يده اليمنى على المصحف والمسدس ويؤدى البيعة بالطاعة للنظام الخاص، والعمل على نصرة الدعوة الإسلامية، كان هذا موقفا عجيبا يبعث على الرهبة وخرجنا سويا إلى ضوء الطريق، ويكاد كل منا يكتم غيظه، قال عبد العزيز كامل هذه تشبه الطقوس السرية التى تتسم بها الحركات السرية كالماسونية والبهائية» !!


استدعى الحديث عن حادث مقتل حسن البنا والذى ظل تنظيم الإخوان طوال تاريخه يعلقها فى رقبة «البوليس السياسي»، أن نعود خطوات إلى الخلف لتتبع نشأة «التنظيم الخاص» ومحطات تحركه على الساحة الأمنية المصرية، كى نتلمس أدواره التى قام بها فى واقعة مقتل المرشد العام «حسن البنا» ونكشف إجابة السؤال الشائك عن الجانى الحقيقي، لذلك فبداية تميزت جماعة الإخوان المسلمين عن غيرها بعلامتين مميزتين أساسيتين: البيعة والجهاز السري، وقد بايع أعضاؤها إمامهم بيعة كاملة فى المنشط والمكره وعاهدوه على السمع والطاعة، ولم يكن حسن البنا يخفى ذلك على الناس فهو لم يكن يقبل منهم بأقل من السمع والطاعة دون نقاش، فيقول البنا: «يجب على الأخ أن يعد نفسه إعدادا تاما ليلبى أمر القائد فى أية ناحية، إن الدعوة تتطلب منا أن نكون جنودا طائعين بقيادة موحدة، لنا عليها الاستماع للنصيحة ولها علينا الطاعة، كل الطاعة فى المنشط والمكره، وأيضا يتعين على العضو الثقة بالقائد والإخلاص والسمع والطاعة فى العسر واليسر»، ووفق تلك الرؤية عمل التنظيم على الشباب المتدين المتحمس لأهداف الجماعة الذى كان من السهل تنظيمه سريا فى مليشيات عسكرية، وتشكل النظام السرى بعد ذلك على أساس الخلايا والمجموعات حيث كانت الخلية تتكون من خمسة أشخاص ويرأسها عضو لا يتصل إلا بهم، ولكل عشرة من رؤساء الخلايا مجموعة يرأسها عضو لا يتصل إلا بهم وهذه المجموعة لها مسئول آخر، بمعنى أن هذا النظام تدرج هرميا (كعنقود العنب ) حتى يصل إلى الرئيس الفعلى للجهاز المجهول من خلاياه، أعضاء التنظيم السرى تزايد أعدادهم عن قصد متبعين نفس أسلوب النازى فى تكوين مليشيات تسيطر على مراكز الحكم، حيث ظلت فى بداية تشكيلها تجوب الشوارع بقمصانها السوداء تحت شعار «علموا أولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل»، يخفون السبب الحقيقى لتكوين الجهاز السرى حتى لا يتفرق المتعاطفون من حولهم، ونعرض هنا لشهادة «الشيخ أحمد حسن الباقوري» التى خطها بيده فى كتابه (بقايا ذكريات ـ مركز الأهرام للترجمة والنشر) فى ص ‏٤٩‏ التى قال فيها: «وأما النظام الخاص فلم يكن المنتسبون إليه معروفين إلا فى دائرة ضيقة ولآحاد معروفين‏، وقد كان لهؤلاء اجتماعاتهم الخاصة بهم‏‏ وربما كانوا يعملون فى جهات مختلفة يجهل بعضها بعضا جهلا شديدا،‏ ومن سوء حظ الدعوة أن هذا النظام الخاص رأى أن ينتقم لإسقاط المرشد فى الانتخابات بدائرة الإسماعيلية،‏ وكان من أشد المتحمسين لفكرة الانتقام هذه محام شاب يتمرن على المحاماة فى مكتب «الأستاذ عبد المقصود متولي»‏‏ الذى كان علما من أعلام الحزب الوطني‏، وهو المحامى الشاب «محمود العيسوي‏» فما أن أعلنت حكومة الدكتور أحمد ماهر باشا الحرب على دول المحور لكى تتمكن مصر بهذا الإعلان من أن تمثل فى مؤتمر الصلح إذا انتصرت الديمقراطية على النازية والفاشية، رأى النظام الخاص أن هذه فرصة سنحت للانتقام من رئيس الحكومة، ووجه محمود العيسوى إلى الاعتداء على المرحوم أحمد ماهر باشا،‏ فاعتدى عليه فى البرلمان بطلقات سلبته حياته التى وهبها لمصر منذ عرف الوطنية رحمه الله رحمة واسعة»، هذه شهادة أحد الأقطاب المرموقين لتنظيم الإخوان قبل مغادرة الجماعة وتعيينه وزيرا للأوقاف فى عهد ثورة يوليو فيما بعد .


وردت بشأن واقعة مقتل المرشد حسن البنا فى مذكرات «صلاح شادي» القيادى السابق فى النظام الخاص لجماعة الإخوان والتى كانت بعنوان (صفحات من التاريخ ـ حصاد العمر، دار الزهراء للاعلام العربي)، حيث يقول صلاح شادى فى صفحة ١٠٦ عن هذا الحادث: «فى يوم ١٢ فبراير ١٩٤٩م تلقى الإمام حسن البنا استدعاء مجهولا إلى المركز العام لجمعية الشبان المسلمين قبيل غروب شمس هذا اليوم، وبينما كان يهم بركوب السيارة الأجرة التى كان يستقلها مع صهره عبد الكريم منصور، أطفئت أنوار شارع الملكة نازلى دالذى كان يقع فيه بناء الجمعية، وأطلق عليه (المخبر/ أحمد حسين جاد)الرصاص، وصعد المرشد على سلالم دار الشبان بالرغم من إصابته وطلب عربة الإسعاف بنفسه تليفونيا، وحملته العربة إلى قصر العينى حيث لاقى ربه بسبب النزيف الذى لحقه من إصابته» ويواصل صلاح شادى روايته فى نفس الصفحة «لقد أراد «إبراهيم عبدالهادى رئيس الوزراء» أن يقدم رأس حسن البنا هدية للملك فاروق فى العيد السنوى لجلوسه المشئوم على عرش مصر وهو يوم ١٢ فبراير»، وفى تلك الرواية لم يذكر صلاح شادى أو حتى يشير إلى أى محاولة للوصول إلى صاحب الاستدعاء المجهول لحسن البنا، وما الذى جعله يذهب على الفور إلى المركز العام لجمعيات الشبان المسلمين، فهل كان المرشد يستجيب بهذه البساطة لأى استدعاء يصل إليه من أى شخص مجهول؟، وهذا الأمر يفسر أن هناك احتمالا أن من قام بالاستدعاء شخص معروف للمرشد وهو ما يفسر الاستجابة السريعة، كما يحدد صلاح شادى بصورة قاطعة أن من قام بقتل حسن البنا هو المخبر أحمد حسين جاد، فهل كان هذا المخبر معروفا للإخوان واستطاعوا التعرف عليه أثناء تنفيذه الجريمة؟، وإذا كان كذلك فهل يعقل أن يرسل «البوليس السياسي» الذى اتهمه الإخوان باغتيال حسن البنا أحد مخبريه المعروفين أم يرسل شخصا مجهولا لتنفيذ هذه الجريمة؟، كما يقول صلاح شادى أنه تم التخطيط لاغتيال حسن البنا فى يوم العيد السنوى لجلوس الملك على عرش مصر، وأن رئيس الوزراء قدم رأس البنا هدية للملك فى هذا اليوم، ولكن الحقيقة أن تنفيذ الجريمة فى هذا اليوم من وجهة النظر الأمنية يعطى فرصة ثمينة لمن يريد توجيه الاتهام إلى رئيس الوزراء والبوليس السياسى وإلى الملك نفسه، فهل يعقل أن رئيس الوزراء والبوليس السياسى قدما بسذاجة دليلا يدينهم مع الوضع فى الاعتبار شخصية القتيل؟، أم أن من اختار هذا اليوم بالذات خطط بدهاء لتوجيه تفكير الرأى العام وتوجيه دفة الاتهام والشك والاشتباه إلى الملك ورئيس الوزراء والبوليس السياسي؟


وأمامنا رواية ثانية أيضا من داخل صفوف الإخوان يرويها «أحمد عادل كمال» القيادى فى النظام الخاص حيث يورد رواية الاغتيال بصورة مختلفة تماما عن سابقتها، فى مذكراته بعنوان (النقط فوق الحروف، دار الزهراء للإعلام العربي)، ففى ص ٢٩٨ يروى حادث مقتل المرشد لكنه لا يورد أى ذكر لاستدعاء مجهول أو استدراج لحسن البنا إلى جمعية الشبان المسلمين كما ذكر صلاح شادي، حيث يقول أحمد عادل كمال: «أنه كانت هناك اجتماعات تتم بين فضيلة المرشد وبين الحكومة فى دار جمعية الشبان المسلمين بشارع الملكة نازلي، عن طريق وسطاء لحل الخلافات بين الحكومة وجماعة الإخوان المسلمين، وإن هذه الاتصالات كانت تتم مع الوزير مصطفى مرعى فى لجنة ضمت صالح حرب باشا وزكى على باشا ومصطفى أمين، ولكن مصطفى مرعى رفض الاستمرار فى الوساطة على أثر حادث المحكمة»، وهو الحادث الذى قام فيه أعضاء التنظيم الخاص بمحاولة نسف «محكمة استئناف القاهرة» فى ١٣ يناير ١٩٤٩م، ثم يقول كمال: «ولم يكل الأستاذ فعاود الاتصال عن طريق رجل آخر اسمه محمد الناغي، كان يمت إلى إبراهيم عبد الهادى رئيس الوزراء بصلة قرابة، وكان لقاؤهم يتم فى دار جمعية الشبان المسلمين بشارع الملكة نازلي»، ثم يذكر فى الصفحة ٢٩٩: «وخرج الاستاذ من دار الجمعية وبصحبته صهره الأستاذ عبد الكريم منصور المحامي، فكان المرور مقطوعا بهذا الجزء من الشارع الذى هو أكبر وأطول شوارع القاهرة، وكذلك كانت الإضاءة مقطوعة والظلام يخيم على المكان، كانوا قد استدعوا سيارة أجرة ركبها الأستاذ البنا والأستاذ عبد الكريم، وقبل أن تتحرك تقدم منها شخصان مسلحان بالمسدسات وراح أحدهما يطلق النار على الأستاذ داخل السيارة فأصابه برصاصات، وفتح الأستاذ البنا باب السيارة ونزل منها وأمسك ذلك المجرم بيده فتقدم زميله المجرم الثانى لنجدته وأطلق النار على الأستاذ وانسحب بزميله، فعبرا الشارع إلى الجانب الآخر حيث ركبا سيارة كانت تنتظرهما وبها سائقها فانطلقت بهما»، ويتحدث أحمد عادل كمال عن مرشد لـ «البوليس السياسي» فى جمعية الشبان المسلمين يدعى (محمد الليثي( ويقول تمكن محمد الليثى وقد اجتاز شطر الشارع المخصص للترام أن يرى السيارة وأن يلتقط رقمها، واستطاع مراسل «جريدة المصري» أن يحصل على هذا الرقم من فم الليثى وسارع به الى جريدته، التى بادرت بنشره صباح اليوم التالى وصودرت الجريدة وأحرقت جميع نسخها، فقد كان الرقم هو رقم سيارة (الأميرالاي/ محمود عبد المجيد( وكان الأميرالاى محمود عبد المجيد هو وكيل وزارة الداخلية للأمن الجنائي، ومما يبدو فى هذه الرواية أن أحمد عادل كمال ينفى تماما قصة استدراج المرشد حسن البنا باستدعاء مجهول إلى مركز الشبان المسلمين التى حاول صلاح شادى ترويجها، حيث يؤكد كمال أن حسن البنا ذهب بنفسه للاجتماع لحل الخلافات مع الحكومة، ويقول كمال أيضا إن الذين اغتالوا المرشد هما شخصان مجهولان فى حين أن صلاح شادى يقول إن الجانى هو شخص واحد معروف، وهذا تناقض بين الروايتين تنفى إحداهما الأخرى تماما، لاسيما عندما تحدث كمال عن مرشد لـ «البوليس السياسي» تم زرعه فى جمعية الشبان المسلمين، وهذا المرشد اجتاز الشارع ليلتقط رقم السيارة التى استقلها الجناة وأبلغ مراسل جريدة المصرى لتنشر الرقم فى صباح اليوم التالي، وهذه أقوال مثيرة للشك بقوة وعصية على التصديق فهل مرشد البوليس السياسى يعمل لصالح الإخوان أم يعمل لصالح البوليس السياسى ليفضحهم ويكشف رقم السيارة، كما ذكر أحمد عادل كمال أن رقم السيارة كانت عائدة للأميرالاى محمود عبد المجيد وكيل وزارة الداخلية للأمن الجنائي، فللمرة الثانية هل البوليس السياسى بهذه السذاجة؟ وهل من المقبول عقليا أن يرسل جهاز بحجم «البوليس السياسي» سيارة وكيل وزارة الداخلية للأمن الجنائى لاغتيال شخص أياً ما كان ؟


هاتان أشهر وأهم روايتين حول مقتل حسن البنا وشبه المعتمدة رسميا داخل صفوف وأدبيات الإخوان حتى اليوم، وظل التنظيم يلح عليهما داخل عقول أعضائه ولدى الرأى العام رغم تهافتهما الظاهر، لكن الإلحاح فى بعض الحالات يأتى بمراده وربما كان هناك ما يراد إخفاؤه وهو المقصود بهذا الإلحاح الذى استمر لسنوات، لكن ما يمكن أن يكون تنظيم الإخوان قد حرص على إخفائه فيما يتعلق بحادث بحجم مقتل مرشدهم العام والمؤسس للتنظيم، هذا ما سنتناوله فى الحلقة القادمة إن شاء الله .