متى يصبح دم المواطن المصرى عزيزا؟

22/09/2016 - 10:43:54

بقلم - نجوان عبد اللطيف

روضة وشروق وأسماء ثلاث طبيبات إمتياز بمستشفى شبين الكوم.. بنات هن أحلى البنات لدى أهاليهن شابات متفوقات أدخلوا الفرحة على أهلهن طوال سنوات دراستهن، فخر عائلتهن وبلدتهن، وفى اللحظة التى بدأن يجنون فيها ثمارجهد وعرق السنين ومشقة دراسة الطب جاءهن الموت عبرسيارة يقودها أحمق فعل ما يفعله كثيرون فى بلدنا أثناء موكب لزفاف قريب له أراد أن يستعرض قدراته ومهاراته فى القيادة فاختلت عجلة القيادة فى يده دهس الثلاث طبيبات اللاتى كنا يقفن على مدخل كافيه يقع على الطريق السريع لالتقاط صورة تذكارية لهن كانت هى الأخيرة للثلاث صديقات..


زميلات الطفولة فى إحدى مدارس مركز تلا المنوفية ومشيوا المشوار سوا حتى نهاية حياتهم الجامعية، وشاء القدر أن يظللن معا صحبة حتى فى الرحيل من الحياة. ولتودعهم بلدتهم فى جنازة مهيبة وتعلن الحداد ويعم الحزن على أهل البلدة كلهم الذين أعلنوا الحداد فى العيد


المحامى العام لمدينة الغردفة هو وزوجته وطفلته ذات الأشهر القليلة أيضًا يلقون حتفهم على الطريق للغردقة فى رحلة العودة لمقر عمله بعد إجازة العيد التى ودع فيها أهله ولم يكن يدرك أنه الوداع الأخير وأنه سيترك ولديه الصغيرين يتيما الأم والأب والله أعلم بمدى إصابتهما جراء هذا الحادث وهما لا يزالا فى المستشفى، ترى كيف ستكون حياتهما بعد فقدانهم أعز الناس وهما لايزالان صغيرا السن.


وعلى طريق دمياط وفى موكب عرس حاول أحد الأقارب تجاوز سيارة ميكروباص تقل المعازيم وبسرعة جنونية اصطدم بالميكروباص وبسيارة ثالثة فى ذات الموكب مات ٥ وأصيب عدد كبير من المعازيم وتحولت الزغاريد إلى صرخات والغناء إلى عويل.


أحب الأعياد ولكنى أخشاها.. أمتنع تمامًا عن متابعة الأخبار فى كل وسائل الإعلام، أوصى بائع الجرائد بالاستمتاع بإجازة العيد وتوفير جهده فى توصيل الصحف لمنزلنا، أثبِت زر اختيار القنوات الفضائية على محطة الأفلام الكلاسيك. أشعر أنه جانا العيد عنما أسمع صوت أم كلثوم فى يوم الوقفة وهى تغرد يا ليلة العيد أنستينا، وعندما أشاهد فيلم صاحب أدفى وأحن إلى صوت عبد الحليم حافظ وجميلة الجميلات صباح (شارع الحب )، وفيلم (سكر هانم) للعظيم عبد المنعم إبراهيم وعبد الفتاح القصرى، ومسرحيتى شاهد ما شافش حاجة والعيال كبرت، أشياء مرتبطة فى الذاكرة ببهجة الأعياد ولمة الأهل والأصحاب، ولكن ما يخيفنى من الأعياد الذكريات المؤلمة، فى واحد من أعياد الفطر رحلت شقيقتى عن دنيانا جراء حادث سيارة مريع بسبب رعونة سائق سيارة تجاوز مفرقا للطريق السريع متجاوزًا حد السرعة المسموح بأكثر من ٥٠ كيلو ومتجاهلًا لأصول وتعاليم القيادة على الطرق السريعة فاصطدم بالسيارة التى كانت تقلها هى وزوجها وأطفالها الأربعة، لقيت حتفها فى الحال وأصيب ابنها ذو السابعة عشرة إصابة خطيرة فى قدمه استدعت إجراء جراحات متتالية ومؤلمة واستمر لعام كامل لا تطأ قدماه الأرض، بينما البنات الثلاث ( الصغيرة ٥ سنوات وأكبرهن لم تتجاوز ال ١٥ عاما) وأصبن بجروح وشروخ فى الحوض بخلاف الألم النفسى الذى عانت منه الأسرة والحياة الصعبة، لأسرة بلا أم ( اللى مالوش أم حاله يغم).


العيد فى بلدنا فرصة للمغتربين ليقطعوا المسافات لرؤية الأهل والاحتفال بالعيد معهم، وهو فرصة أيضًا للأسر المنهكة من العمل ومن الدراسة وامتحانات الأولاد لقضاء إجازة على ساحل البحر الأبيض أو الأحمر أو فى أى مكان جميل من أرض المعمورة.. والعيد فرصة أيضًا للمزج بين فرح العيد وفرحة الأهل بزواج البنات والشباب.. السفر والسير على الطرق السريعة بكافة أنواع المواصلات متلازمة مع مناسبات الأعياد وفى بلدنا هى أيضًا متلازمة مع الحوادث المريعة والتى هى مستمرة على مدار الأيام وضحاياها بالآلاف، ولكن مرارتها تكون أكبر مع الأعياد، فبدلا من أن يكون العيد فرحة يصبح حزنًا وغمًا وفراقًا للأحبة.


هل ممكن أن ينسى أحد منا ما جرى فى قطار الصعيد وركاب الدرجة الثالثة الذين قضوا نحبهم حرقًا، هل يمكن أن ننسى من ماتوا غرقًا فى النيل وهم يبحثون عن أوقات سعادة فى العيد، فيدفعون حياتهم ثمنا ًلها.


وماذا بعد نزيف الأسفلت، والقصص المؤلمة لأناس فقدوا حياتهم لأنهم يعيشون فى وطن لا يقدر حياة الناس، هل هناك شخص واحد لم يصادف يومًا مواكب الأعراس التى يتبارى فيها الشبان بقدراتهم على قيادة السيارات بالطلعات الأمريكانى وبعمل (الغرز)على الطريق والتمايل من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بأقصى سرعة، بخلاف زفة الموتوسيكلات التى يقوم أثناءها بألعاب بهلوانية، والسيارات التى تكتظ براكبيها حتى يتم جلوس الأطفال فى الشنطة الخلفية، بينما البعض يجلس على حافة شبابيك السيارة..كل هذه الخروقات والأفعال الصادرة عن حمق والتى تؤدى إلى كوارث وتحويل مواكب الأفراح إلى مآتم، تتم فى أهم شوارع المحروسة أمام أعين رجال الشرطة والمسئولين، ولا أحد يتحرك لمنع هذه الأفعال أو معاقبة مرتكبيها، حالة من الفوضى العارمة فى أحوال المرور فى مصر، أعجب ما أراه على الطرق السريعة تحديد السائقين لمكان الرادار وهو فى الغالب ثابت، ومن ثم يصبح وجوده كعدمه، تجاوز السرعة المقررة أمر عادى جدًا على الطرق السريعة، وكثرة نزيف الدم على الطرق المصرية جعل المسئولين يتعاملون معه وكأنه أمر حتمى لا أحد يشعر بالحرج لأن مصر تأتى فى صدارة الدول التى يفقد الآلاف كل عام حياتهم بسبب حوادث الطرق، هل استطاع المسئولون قضاء العيد وصورة رضوى وشروق وأسماء وهن جثامين على الأسفلت بعد أن كانوا ثلاث وردات زينة أسرهم وبلدتهم، هل فكر أحدهم كيف حال أمهاتهن وآبائهن؟كم قلب يبكى عليهن حزنًا وألمًا، من الأهل والأصحاب والجيران. متى يصبح دم المواطن المصرى له ثمن؟ متى يتحرك السادة المسئولون لوقف نزيف الأسفلت؟