أيــام لهــا بهـــاء

22/09/2016 - 10:38:01

  محمد حبيب محمد حبيب

بقلم: محمد حبيب

٢٠ عاما مرت على رحيل الكاتب الصحفى الكبير أحمد بهاء الدين، عنوان الكتابة الراقية، كتاباته كانت تشبه النهر صافية عذبة، وتعرف طريقها جيدا إلى عقل الحاكم وقلب القارئ. لم يغير مبادئه مثلما لم يغير الشقة الصغيرة التى كان يسكن فيها بالإيجار، وتتكون من حجرة واحدة وصالة ومطبخ بالدور الأخير فى إحدى العمارات‏،‏ تزوج أحمد بهاء الدين فيها وكان فى ذلك الوقت رئيسا لتحرير أخبار اليوم‏ ولم يغادر تلك الشقة. ورغم أنه تولى أعلى المناصب فى الصحافة المصرية فكان رئيسا لتحرير الأهرام والأخبار ورئيسا لدار الهلال ونقيبا للصحفيين إلا أنه لم يغير مبادئه، وحافظ على ما يؤمن به ويعتنقه حتى آخر يوم فى حياته.


كان كتابه الأول «الاستعمار الأمريكى» أول من دق ناقوس الخطر لما ينتظرنا على أيدى الإمبراطورية الأمريكية التى تغزو الأوطان بالمال بدلا من السلاح، فيقوم الاستعمار الأمريكى باحتلال الدول بالمعونات بدلا من الجيوش، إنها نفس اللعبة التى تؤرقنا حتى اليوم طرحها بهاء وعمره٢٢ سنة فقط.


ولد بهاء عام١٩٢٧ بالإسكندرية وتخرج فى كلية الحقوق عام١٩٤٦ وقبل أن يبدأ الكتابة كان قارئا نهما، تشرب حب الوطن من قراءة محاضر المحاكمات السياسية مما أضاف إليه عمرا جديدا ـ كما يقول صلاح عيسى- جعل مقالاته الأولى تتسم بالرصانة والنضج، وأشاع لمن لا يعرفونه أنه كهل، عركته الأيام، تعلم الحكمة والإتزان من الزمن الذى لم يكن عاش منه سوى أقل من ربع قرن.


دخل بهاء الصحافة كاتبا للمقال فى مجلة فصول وذلك فى أربعينيات القرن الماضى، وقد تنازل محمد زكى عبدالقادر عن رئاسة تحرير مجلة فصول لتلميذه الواعد (أحمد بهاء الدين) لما وجد فيه من ذكاء وجدية وعمق فى التكوين ورجاحة عقل، وفهم لظروف العصر العالمية والإقليمية والمحلية، وكان أحمد بهاء الدين وقتها يعمل محاميا فى (قلم قضايا الحكومة)، وقد طور بهاء الدين المجلة ووسع أبوابها وحرص على معالجة قضايا الاقتصاد السياسى والتحليل وإشكاليات المجتمع بأقلام متخصصين فى كل مجال من علوم الإنسانيات، وظهرت على صفحاتها كوكبة بارزة من أهم كتاب الأربعينيات الذين تألقوا وساهموا فى صياغة الفكر والأدب والفن المعاصر فيما بعد فى الخمسينيات والستينيات، منهم على سبيل المثال لا الحصر عبدالرحمن الشرقاوى، وبدر الديب، وفتحى غانم، ونعمان عاشور، وإدوارد الخراط. كذلك فتح صفحاتها لأبرز رموز كتاب وسياسى لجنة الطلبة والعمال.. فقدموا نسقا من الرؤى والبرامج الاجتماعية والاقتصادية لمحتوى صعود الحركة الوطنية بعد توقيع معاهدة ١٩٣٦.


كما كان بهاء يرسل بعض مقالاته لمجلة روزاليوسف، أعجبت بها صاحبة الدار السيدة فاطمة اليوسف. فسألت عن صاحب هذه المقالات وطلبت حضوره. وفى موعد تسليم مقاله أمسك به رجال الأمن وأخذوه للسيدة فاطمة اليوسف لتبدأ من هنا رحلة كاتب وصحفى عظيم اسمه أحمد بهاء الدين. بعد سنوات قليلة أنشئت له مجلة صباح الخير وأصبح رئيسا لتحريرها عام١٩٥٦ وبعد سنوات من التوهج طلبه مصطفى أمين ليكون رئيسا لتحرير الأخبار عام ١٩٥٩، ثم نقله الرئيس عبد الناصر إلى دار الهلال. وعندما تولى السادات الحكم أصدر قرارا بنقله من الهلال إلى روزاليوسف، وغضب بهاء غضبا شديدا وكتب للسادات رسالة عنيفة قائلا: «لقد اخترعت الثورة صحفيين وكتابا ودكاترة فى كل مجال ولكنى لست أحد اختراعات الثورة فمن حقى أن يؤخذ رأيى فى أى أمر يتصل بى شخصيا فلا أقرأه فى الصحف دون سابق علم ولا أتحرك كقطعة شطرنج من مكان إلى مكان بلا رغبة».


كان كتابه «وتحطمت الأسطورة عند الظهر» بعد نصر أكتوبر هو الذى فتح الطريق لعودة العلاقات مرة أخرى مع السادات، وإن كان بهاء فى كل ما يكتب لم يكن ينظر لرضا الحاكم، كان فقط يكتب ما يريد، فمرة يصادف الرضا ومرة يصادف الغضب وهو فى كلتا الحالتين لا يتغير ولا يتوقف كثيرا أمام الرضا أو الغضب من الرئيس.


يقول: خلال ثمانى سنوات فإن الرئيس السادات صادقنى مرارا، ونقلنى من مكانى كعقاب مرة، وفصلنى من العمل الصحفى مرة وأوقفنى عن الكتابة مرتين، وكان الصعود والهبوط المتوالى مصدر حيرة للكثير من الصحفيين والسياسيين، ولكن بهاء يرى أن كتاب «محاوراتى مع السادات» الذى كشف التخريب والفساد الذى حدث أيام الانفتاح كان هو بداية الشرخ الحقيقى بين السادات وبينه» أى بهاء.


اشتهر بهاء الدين بتحليلاته السياسية العميقة وبصك المصطلحات الصحفية الخالدة، ومن ذلك مصطلح (الاستعمار الجديد)، الذى كشف وعرى الولايات المتحدة الأمريكية كقوة استعمارية جديدة تطمح لوراثة الاستعمار الإنجليزى والفرنسى، بعد الحرب العالمية الثانية، وأنها ترنو إلى منطقة الشرق الأوسط ومنابع البترول فى الخليج، وتدعم وجود ربيبتها وقاعدتها إسرائيل كنقطة ارتكاز فى فرض هيمنتها على المنطقة العربية.


كما يظل مصطلح «انفتاح السداح مداح» أفضل من وصف المرحلة من أواسط السبعينيات حتى أوائل التسعينيات والتى شهدت مظاهر الانهيارات والفساد والتسيب والخلل الاجتماعى الذى كنا نعيشه خلال هذه الفترة نتيجة سياسات الانفتاح الاقتصادى والذى كشف عن مدى ما أحدثه من شروخ فى البنى الاجتماعية والسياسية.


فى كتاب «فاروق ملكا» كشف بهاء حجم الفساد والاستبداد الذى عاشت فيه مصر قبل ١٩٥٢، كان فاروق جمع كل مساوئ حكام أسرة محمد على، حارب نشر التعليم كعباس، ومنح الامتيازات لندمائه كسعيد، ولجأ إلى التخلص من خصومه السياسيين كما فعل إسماعيل، وكان وكيلا للإنجليز فى مصر كسلفه توفيق لكن الفرق بينه وبينهم ـ يقول بهاء: إنه ارتكب هذه الموبقات فى القرن العشرين وفى شعب تطور كثيرا، وقطع فى طريق الوعى شوطا طويلا.


الحرية والاستقلال والعدالة الاجتماعية.. هذه المبادئ كانت أهم محاور كاتبنا النبيل أحمد بهاء الدين، لذلك آمن بثورة ١٩٥٢ودافع عنها لكنه أيضا انتقدها، انتقد الاستبداد، وتجاوزات بعض رجال الحكم. وكان من الطبيعى أن يتعرض للاعتقال ولكن عبد الناصر أنقذه وقال لهم «اتركوا بهاء هو مخه كده»، رغم أنه لم يحدث أن التقى به على الإطلاق. وجملة عبد الناصر كاشفة لشخصية بهاء التى لا تتحرك لأى مصالح شخصية ولكنه يكتب ما يؤمن به دون النظر لمن يغضب ومن يرضي، يكتب بعد قراءة واسعة وتفكير عميق، وتكون كتابته طوق النجاة لمن يبحث عن الأمل أو يريد حلا لأزمة طالما حيرت صاحب القرار.


وبعد أن أصبح أحمد بهاء الدين رئيسا لتحرير الأهرام عام ١٩٧٤ فإنه لم يشغل نفسه بإجراء حوار مع رئيس الدولة.. وكان كلما جاء لقاء مع الرئيس يتحلق حوله الصحفيون على أمل أن يحصلوا منه على أى حوار.. كان بهاء يندهش لأنه كان مشغولا بحال الوطن كله.


لقد قبل بهاء المنصب على مضض وكان دائم الاعتذار للسادات متعللا بظروفه الصحية التى لم تكن جيدة، وأخيرا استجاب السادات وقدم بهاء استقالته ونصحه الأطباء أن يتخفف من ضغط الصحافة فسافر إلى الكويت ورأس تحرير مجلة العربى الشهرية ثم عاد كاتبا متفرغا بالأهرام يكتب أشهر وأجمل عمود فى الصحافة المصرية بعنوان «يوميات». وعندما حدث غزو العراق للكويت١٩٩٠ لم يتحمل بهاء هذه الضربة القاصمة للقومية العربية التى آمن بها ودخل فى غيبوبة استمرت ست سنوات حتى لقى وجه ربه ٧ أغسطس١٩٩٦.


عاش أحمد بهاء الدين فى قلب الصراعات العاتية فى الصحافة والسياسة، ولكنه خرج سالما يلقى الاحترام من كل المتصارعين، لأنه لم يكن مشغولا بالمناصب، ولا صراع المناكب ولا حتى بالجلوس على كرسى الحكم. كان مشغولا بالوطن والتفكير وكتابة حرة تعمل على تقدمه وازدهاره.