الدولار.. «ديلفرى»

22/09/2016 - 10:34:00

  عزت بدوى عزت بدوى

بقلم: عزت بدوى

يخطئ من يعتقد أن لدينا أزمة فعلية فى الدولار.. فالدولارات متوافرة لمن يطلبها بل ويتم توصيلها «ديلفرى» إلى المنازل وأينما تكون .. وبعد أن كان بيعها وشراؤها مقصورا على البنوك وشركات الصرافة المعتمدة خرجت تجارتها إلى البازارات ومحلات الصاغة وانتشر تجارها فى ممر بهلر وشارع عبد العزيز بوسط القاهرة من جديد.


ورغم أن مجلس النواب غلظ عقوبة الإتجار فى النقد الأجنبى فى دورة انعقاده الأولى وجعلها جناية بدلاً من جنحة بجانب الشطب النهائى لشركات الصرافة التى يتكرر تلاعبها فى سوق الصرف والمضاربة على العملات، إلا أن إغلاق نحو ٥٣ شركة صرافة حتى الآن من بين ١١٥ شركة عاملة فى البلاد بجانب تشديد الإدارة العامة لمباحث الأموال لحملاتها على الأسواق وتكثيف البنك المركزى من حملاته التفتيشية المفاجئة على كل الشركات المرخص لها بمزاولة النشاط، إلا أن تجارة الدولار خرجت من المنافذ الشرعية بالبنوك وشركات الصرافة إلى الحوارى والأزقة والشوارع، وانتشر صبيان تجارة العملة من جديد فى الشوارع لاصطياد الزبائن من راغبى العملات الأجنبية أو شرائها، بينما اكتنز كبار المصدرين حصيلتهم الدولارية تحسباً لمزيد من الارتفاع فى أسعار الدولار مقابل الجنيه المصرى رغم أن البنك المركزى ضخ ١٢٠ مليون دولار للبنوك فى الأسبوع الماضى لتلبية طلبات عملائها من مستوردى السلع الاستراتيجية والغذائية وقطع الغيار والخامات.


الواقع يؤكد أن القضية ليست سعر الدولار أو إغلاق شركات الصرافة، فمعظم أصحاب هذه الشركات كانوا تجاراً للعملة فى السوق السوداء من قبل ويعلمون جيداً من هم زبائنهم من كبار المستوردين أو كبار المصدرين الذين لديهم الدولارات كما يعلمون خفايا السوق وأسراره وحجم الطلب والمعروض فيه ويتعاملون مع الشائعات لتحقيق أكبر قدر من المكاسب طالما هناك فجوة بين العرض والطلب فى الدولارات، كما يملكون أدواتهم وصبيانهم الذين ينتشرون فى كل مكان وإذا أغلق منفذ شرعى فلديهم ألف منفذ غير شرعى بداية من تجار الذهب فى جميع أنحاء مصر إلى تجار البازار وغيرهم، كما أن أزمة الدولار ليست قضية محافظ البنك المركزى وحده، فالبنك المركزى لا يسك الدولارات، وإنما يدير السياسة النقدية فى البلاد كما يدير احتياطياتها النقدية من العملات الأجنبية المختلفة بجانب تصديه للتضخم كهدف أساسى، ولابد أن يكون هناك تنسيق بين السياسات المالية الحكومية مع السياسات النقدية للبنك المركزى، والأهم من كل ذلك فإن الأزمة الحقيقية هى الإنتاج أولاً وأخيراً لأن زيادة الإنتاج تخفض فاتورة الواردات التى تجاوزت ٧٦ مليار دولار، وجود الإنتاج يزيد من الصادرات التى تراجعت إلى ٢٣ مليار دولار فقط، كما أنه لابد من تشريعات عاجلة تنسف الروتين والبيروقراطية المعوق للاستثمار لجذب الاستثمارات الأجنبية وتحديد كمى لحجم الواردات الترفيهية فى المرحلة الحالية على الأقل كالسيارات والفواكه الأجنبية والكفيار وغيرها .


عودة تجارة الدولار إلى المنافذ الشرعية بدلاً من الحوارى والأزقة هى الضربة القاضية للمضاربين وتجار العملة ولن تتحقق بالإجراءات البوليسية أو تشديد القوانين فقط، وإنما بالإجراءات الاقتصادية التى تلبى الطلب الفعلى على الدولار من خلال البنوك وشركات الصرافة.. وليس الديلفرى.