الإمعان فى استمرار المحنة

22/09/2016 - 10:31:48

بقلم - رجائى عطية

تضمن الكتاب الثانى للمأمون ، الذى تعمدت إيراده بنصه نقلاً عن الطبرى ، عدة كبائر لا يقرها الإسلام ، ولا ترتضيها مبادئه وقِيَمه ومُثله .. فقد أباح المأمون لنفسه أن يدخل فى خبايا الصدور ونوايا القلوب ، وطفق يمعن فى إجبار الفقهاء والعلماء على ما يريده ، وحمل نائبه ببغداد على معاودة امتحانهم بما حدده ، وجعل يناقش أدلة بِشْر بن الوليد ، ويعد رأيه كفرًا ، ويأمر نائبه أن يستتيبه مما قال ، فإن أصر على قوله (الذى اعتبره المأمون شِرْكًا) ، ولم يقر بأن القرآن مخلوق ، فإن عليه أن « يضرب عنقه » ، وأن يبعث إليه برأسه !!!


وأطلق المأمون ذات هذا الوعيد الغليظ إلى عمه « إبراهيم المهدى » ، فأمر نائبه اسحق بن إبراهيم بأن يمتحنه بما امتحن به « بشرًا » ، فإن أقر بأن القرآن مخلـوق ـ فبها على أن يشهر ذلك ويكشفه للفقهاء والناس ، وإلاَّ فعليه إذا رفـض ـ أن « يضرب عنقه » ، وأن يبعث برأسه إليه !!!


وجعل يقول عن أحمد بن يزيد المعروف بأبى العوام ، إنه لا يحسن الجواب فى القرآن ، وإن علـى « إسحق » أن يعلمـه بأنـه « صبى فى عقله » لا فى سنـه ، وإنه إن كان لا يحسن الجواب فإنه سوف يحسنه إذا أخذه بالتأديب ، فإن لـم يُجدِ معـه التأديـب ، فإن « السيف » كفيل بذلك !!


هذا وكان المأمون قد وجه إلى عامله ببغداد ـ المعروف « بأبى سهر » ، بعد أن جمجم ولجلج حتى أمر له المأمون « بالسيف » ، فأقر ذميمًا ، وأمر المأمون عامله بأن يراجعه فى إقراره ، فإن أقام عليه أشهر ذلك وأعلنه ، وإلاَّ أعيد أمره إلى السيف الذى نجا منه !!


وأمر المأمون عامله فى كتابه ، بأن من لم يرجع عن شركه ومن يمسك عن القول بأن القرآن مخلوق ، فإن عليه أن يحملهم جميعًا موثقين فى الأغلال تحت الحراسة العسكرية إلى عسكره ، لينظر بنفسه فى أمرهم ، فإن لم يرجعوا ويتوبوا ـ حمل من لم يرجع على السيف !!


ويقول المؤرخون إنه حين أعاد « إسحق بن إبراهيم » القول عليهم ، أقروا تحت هذا التهديد الغليظ بأن القرآن مخلوق ، إلاَّ أربعة أصروا على ما قالوه ، هم : أحمد بن حنبل ، ومحمد بن نوح المضروب ، وسجادة ، والقواريرى . فأمر بهم «إسحق» فقيدوا توطئة لإرسالهم إلى المأمون ، وعاود سؤالهم فى الغد فتراجع « سجادة » فأخلى سبيله ، وفى اليوم التالى تراجع « القواريرى » فأخلى سبيله ، وأمر بتوجيه المصممين : ابن حنبل ومحمد بن نوح بعد تقييدهما بالحديد إلى « طرسوس » صدوعًا للأوامر!!


إلاَّ أن المأمون بلغه أن الذين أجابوا بالمطلوب ـ إنما أجابوا مكرهين متأولين قوله تعالى : « إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ » ـ فغضب غضبًا شديدًا وكأن المكره يجب أن يجيب طائعًا مقتنعًا مختارًا مريدًا ، ليدخل المأمون نفسه بذلك فى قناعات القلوب وطوايا الصدور ، وأمر نائبه بأن يرسل إليه الجميع ، فعاود « إسحق » تجميعهم ، وشُدوا فى الحديد مقيدين ، وأشخصهم جميعًا إلى « طرسوس » ليقيموا بها إلى أن يخرج المأمون من بلاد الروم ليعرضوا عليه !!!


نداء الموت


الذى لا يغلبه غالب !


وبينما هذا الرهط من أجلّة الفقهاء والعلماء ، مقيدون فـى الأغـلال ، محمولـون إلى المأمون لإجبار من يخضع على ما يريد ، أو يطيح برأسه ، أتى إلى هؤلاء عند الرقة الصريخ بموت المأمون فى الثلث الأخير من الليل ، فحملوا إلى والى الرقة « عنيسة بن إسحق » ، فأشخصهم إلى مدينة السلام وسلمهم إلى أميرها « إسحق بن إبراهيم » الذى أمرهم بلزوم منازلهم ، ثم رخص لهم بعد ذلك فى الخروج ، ولاقى بعضهم أذىً قبل أن يُخْلى سبيله !


مأساة الإمام أحمد بن حنبل


إلاَّ أن الإمام أحمد بن حنبل لم يخل سبيله فيمن أُخلى سبيلهم ، ولم يُعرف السبب إلاَّ لاحقًا ، فقد استبان أن المأمون حرص قبل موته ، على أن يوصى أخاه « المعتصم بالله » الذى استخلفه من بعده ، أن يسير بسيرته فى مسألة خلق القرآن ، ومع أن المأمون أوصاه بأشياء أخرى كثيرة طيبة ، عن العدل فى الرعية وتقديم منفعتهم ، فى وصيته التى أورد الطبرى نصها ، إلاَّ أنه يبدو أن « المعتصم » اهتم اهتمامًا خاصًا بما أوصاه به المأمون أن يأخذ بسيرته فى القرآن ، وأن لا يترخص مع من لا يقول بخلقه ، وكان من دقة الموقف الذى صادفه « المعتصم » ، أنه حين توفى المأمون ، رُدَّ أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح المضروب إلى بغداد فى سفينة مع بعض الأسارى ، ونال ابن حنبل فى هذه الرحلة أذى كثير وهو مقيد بالحديد فى رجليه ، ومات صاحبه محمد بن نوح فى الطريق فصلى عليه ـ إلاَّ أنه حين وصل بغداد لم يُطلق سبيله ، وإنما أودع فى السجن الذى كان قد أمر بـه المأمـون ، فاستمر فـى السجـن فى خلافة « المعتصم » نحو ثمانية وعشرين شهرًا ، وقيل بل نيفًا وثلاثين شهرًا ، مقيدًا فى الحديد ، لتستمر محنته فى الخلافة الجديدة ، ويلقى من السجن والتعذيب والضرب ـ وفى مجلس المعتصم نفسه ـ ما يدمغ الدولة العباسية بكثير من العار !


وهكذا تطرف المأمون كثيرًا فى متابعة ترصده وملاحقته لمن خالفوا رأيه ومراده فى مسألة خلق القرآن ، ولم يكتف بما فعله بهم فى حياته وهو كثير ، وإنما ترك به وصية فى آخر حياته إلى أخيه « المعتصم » ليواصل مطاردة من لا يقولون بخلق القرآن .


واتفقت آراء الثقات على أن المأمون ركب مركبًا صعبًا وارتكب خطأً كبيرًا فى إجباره العلماء والفقهاء على القول بخلق القرآن ، وإيذاء من خالفـه إلى حد التهديد بالسيف والعزم على قطع رقاب من خالفوه ، وتنفيذ وعيده ، وقال « جمال الدين القاسمى » فى شـأن هذه المطاردة : « موضع الغرابة من كتاب المأمون هو حمل الناس على غير ما يعتقدون ، وإكراههم على أمر لم تمض به سُنّة ، ولم يجدوا فيـه برهانًا مـن أنفسهـم ، مع أن الإكراه على « أصل الأصول » وما به العصمة والنجاة وهو الدين الخالص ـ غير جائز ، وقد أباه الشرع ونهى عنه فى غير موضـع من التنزيل الكريم كقوله تعالى : « لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ » . و« أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ » و« وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ » .


فإذا كان حظـر الإكراه قد امتد إلى الإيمان الصحيح ، والدين الخالص ، فلا يجوز الإكراه عليهما ، فكيف بغير ذلك ؟!


ولذلك فقد أدان كثير من الباحثين ـ عربًا ومستشرقين ـ سياسة المأمون ، وقال عنها
« ول ديورانت » فى موسوعته الشهيرة « قصة الحضارة » : « لقد أساء المأمون إلى نفسه فى السنين الأخيرة من حياته لاضطهـاده أصحـاب السنـة » ، وقـال « ألدو ميبلى » فى « العلم عند العرب » : « لقد أقام المأمون تفتيشًا حقيقيًّا لمطاردة أهل السنة ، وذلك باسم التفكير الحر ! » ، مع أن هذا الإجبار أبعد ما يكون عن التفكير الحر !!!


وبرغم تقدير الدكتور محمد مصطفى هدارة للمأمون ، فى كتابه الضافى الذى كتبه عنه ونشر ضمن سلسلة « أعلام العرب » ـ العدد / ١١٣ ، إلاّ أنه عَقَّب على سياسة المأمون فى محنة خلق القرآن بقوله : « وهكذا اجتهد المأمون فى إقامة دين الله فلم يهتد إلى الطريق الصحيح فى فترة من حياته ، لم يجد بعدها فرصة لإصلاح خطئه ، إذ عاجلته المنون وهو يجاهد الروم بالسلاح ، ويجاهد أهل السنة لا بالعقل وحده كما كان ينتظر منه ، ولكن بسيف السلطان أيضًا ! » .


تورط المعتصم


فى محنة ابن حنبل !


يروى ابن كثير فى البداية والنهاية ، مشاهد تعذيب وضرب ابن حنبل بالسياط بين يدى « المعتصم » ، فينقل برواية ابن حنبل نفسه ـ أنه لمّا أحضره المعتصم من السجن زاد فى قيوده ، وأضاف : « فلم أستطع أن أمشى بها فربطتها فى التكة وحملتها بيدى ، ثم جاءونى بدابة فحُمِلْت عليها فكدت أن أسقط على وجهى من ثقل القيود ، ولا أحد يسندنى .. حتى جئنا دار المعتصم ، فأُدْخِلت فى بيت وأُغْلِق علىّ وليس عنـدى سراج ، ولا أعرف اتجاه القبلة ، فلما أصبحت دعيت فأُدْخِلْت على المعتصم ، فلما نظر إلىّ وعنده « ابن أبى دؤاد » قال متسائلا : أليس قد زعمتم أنه حدث السن ، وهذا شيخ مكهل ؟! فلما سلّمت ، أدنانى ولم يزل يدنينى حتى قربت منه ، ثم قال : اجلس ! فجلست وقد أثقلنى الحديد ، فمكثت ساعة ثم قلت : يا أمير المؤمنيـن ، إلـى ماذا دعـا إليـه ابن عمك رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : دعا إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله . قلـت : فإنـى أشهـد أن لا إله إلاَّ الله ، ثم ذكرت له حديث ابن عباس فى وفد عبد القيس ، ثم قلت : فهذا هو الذى دعا إليه رسول الله . ثم تكلم ابن أبى دؤاد بكلام لم أفهمه ، ولم أتفقه معناه . ثم قال لى المعتصم : لولا أنك كنت فى يد من كان قبلى لما تعرضت لك . ثم قال المعتصم لعامله : يا عبد الرحمن ؛ ألم آمرك أن ترفع المحنة ؟ فقلت : الله أكبر ، هذا فرج للمسلمين . ثم قال المعتصم لعامله : ناظِرْه يا عبد الرحمن ، فقال لى عبد الرحمن : ما تقول فى القرآن ؟ فلم أجبه . فأمرنى المعتصم أن أجيبه ، فقلت لعبد الرحمن : ما تقول فى العلم ؟ فسكت . فقلت : القرآن من علم الله ، ومن زعم أن عِلْمَ الله مخلوق فقد كفر بالله ، فسكت » .


ويمضى الإمام أحمد بن حنبل فيروى ما تواطأ عليه المحيطون بالمعتصم ، فجعلوا يتكلمون من ههنا وههنا ، فقلت : يا أمير المؤمنين أعطونى شيئًا من كتاب الله أو سنة رسوله حتى أقول به ، فجعل ابن أبى دؤاد يقول لى : ألا تقول إلاَّ بهذا وهذا ؟ فقلت : وهل يقوم الإسلام إلاَّ بهما ؟!


وقد دخلوا مع ابن حنبل فى مناظرات طويلة دون أن يستطيعوا النيل منه , فلما أيسوا طفقوا يحرضون الخليفة عليه , وقال ابن أبى دؤاد للخليفة : هو والله يا أمير المؤمنين ـ ضال مضل مبتدع , وهنا قضاتك والفقهاء فسلهم .


فلما سألهم المعتصم ماذا يقولون , غلب عليهم نفاقهم ومكرهم , فقالوا بمثل ما زعمه ابن أبى دؤاد .


وعادوا فأحضروا ابن حنبل إلى المعتصم فى اليوم التالى وناظروه , ثم أعادوا مناظرته فى اليوم الثالث , وفى كل مرة يعلو منطق ابن حنبل عليهم وتغلب حجته حججهم , فإذا أعيتهم الحجة وسكتوا , جعل ابن أبى دؤاد يستحثهم على الكلام ـ وكان هو نفسه أكثرهم جهلاً بالعلم , والمعتصم يرقب هذا التناوش فلا يوقفه وإنما يتلطف أحيانًا مع ابن حنبل ويدعوه للإجابة حتى يجعله من خاصته وممن يطأ بساطه , فيقول له ابن حنبل : يا أمير المؤمنين يأتونى بآية من كتاب الله أو سنة عن رسول الله حتى أجيبهم إليها .


فلما أسقط فى أيديهم , ولم يعد فى جعبتهم أى حجة , لجأوا إلى استفـزاز الخليفـة , فجعلوا يقولون له : يا أمير المؤمنين , هذا كافر ضال مضل . وقال له إسحق ابن إبراهيم نائب بغداد ـ محرضًا : يا أمير المؤمنين ليس من تدبير الخلافة أن تخلى سبيله ويغلب خليفتين !


ونجح هذا الاستفزاز والتحريض , فحمى المعتصم واشتد غضبه , مع أنه ألينهم عريكة , ولكنه ظن أن هؤلاء المحرضين على شىء , فلما ضاق صدره ولم يجد ما يقوله لهم , نَفَّسَ عن غضبه فى ابن حنبل المفترى عليه , وقال له ثائرًا : لعنك الله , طمعت فيك أن تجيبنى فلم تجبنى . ثم إن المعتصم أمر حاشيته : خذوه واخلعوه واسحبوه !


ولم يدر ابن حنبل إلاَّ وقد قاموا بسحبه وخلعه وجيىء له بالعاقبين (ما يوضع الشخص بينهما) والسياط , وجردوه بين العاقبين . فانطلق ابن حنبل يقول للمعتصم : يا أمير المؤمنين الله الله , إن رسول الله قال : « لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلاَّ الله إلاَّ بإحدى ثلاث » , وتلا عليه الحديث , ثم قال : « فبم تستحل دمى يا أمير المؤمنين ولم آت شيئًا مـن هذا ؟! يا أمير المؤمنين أذكر وقوفك بين يدى الله كوقوفى بين يديك » .


وبدا أن المعتصم أمسك , ولكنهم جعلوا يحرضونه ويكررون له بأن ابن حنبل ضال مضل كافر , حتى ضعف لهم , فأمر بابن حنبل فشدوه إلى خشبتين , وجيىء بالضرابين فجعلوا يضربونه بالسياط بين يدى المعتصم حتى أغمى عليه وذهب عقله , فإذا سكن الضرب وأفاق , عاودوا ضربه بالسياط حتى يغشى عليه ويذهب عقله , فلما أغشى عليه للمرة الثالثة دعاه المعتصم أن يجيبهم بما يريدون , وابن حنبل لا يدرى ما يسمع ولا يدرى ماذا يقول , حتى ارتعب المعتصم من حالته وأشفق أن يموت قتيلاً بين يديه !


ويروى من حضروا المشهد أن المعتصم أمر بإطلاقه , فأطلقوه من القيود ونقلوه وهو لا يدرى إلى حيث وجد نفسه بعد ذلك بين أهله , وكان ذلك فى الخامس والعشرين من رمضان سنة ٢٢١هـ , وقيل إن الإمام ابن حنبل ضُرب فى ذلك اليوم ثمانين سوطًا , ضربًا مبرحًا بالغ الشدة , حتى رفع الله تعالى عنه الغمة , وأطلق المعتصم سراحه !


ويروى ابن كثير , أن آثار التعذيب فى ابن حنبل ـ استوجبت لمداواته قطع لحمٍ ميتٍ من جسده , وقيل إن المعتصم كان يتابع ذلك بنفسه إشفاقًا مما قد يحدث لابن حنبل ، بعد أن ندم على ما كان منه , وجعل يستعلم عنه ويكلف نائبـه بمتابعة أخباره ، حتى نجا من آثار ما ألحقه هذا التعذيـب الوحشى به !


بدايات المعتصم ، ومفارقاته


تولى المعتصم محمد بن هارون الرشيد ـ الخلافة فى ١٩ رجب ٢١٨ هـ (١٠ أغسطس ٨٣٣ م) ، ولم يزل خليفةً حتى توفى فى المدينة الجديدة « سامرا » فى ١٨ ربيع الأول ٢٢٧ هـ (٤ فبراير ٨٤٢ م) ، فكانت مدة خلافته ثمانى سنوات وثمانية أشهر وثمانية أيام .


وإذا أردنا وصـف « المعتصم » فى كلمات ، فهـو أنـه كـان خليفة « المتناقضات » و
« المفارقات » ، فقد وُصف بالشـجاعة والإقدام وشـدة البأس ، ووصفـه ابن طباطبـا فى « الفخرى فى الآداب السلطانية والدول الإسلامية » ـ بأنه كان سديد الرأى ، شديد المنة .


ومع ذلك فقد حكم الدولة العباسية حكمًا استبداديًّا ، وقيل إنه كان مقرونًا بشىء من العطف وحسن التدبير حتى وصفه المسعودى فى مروج الذهب بحسن السيرة واستقامة الطريقة ، بينما ذكر السيوطى فى تاريخ الخلفاء أنه كان « إذا غضب لا يبالى من قتل » .


على أن ما فعله بالإمام أحمد بن حنبل حتى كاد يموت فى مجلسه من تعذيبه وضربه أمامه بالسياط ـ لا يتفق مع سداد الرأى وشدة المنة وحسن السيرة والتدبير ، ولا تكاد تمضى مع سيرة المعتصم حتى تصادفك «المتناقضات » التى تتأرجح بين أقصى النقيضين ، فترى الذى ارتكب هذا التعذيب المنكر لإمام من أئمة الإسلام ، يفارق موكبه وينزل بنفسه إلى الوحل فى يوم مطير ليخرج حمار شيخ عجوز غاص فى الوحل وسقط ما كان عليه من الشوك الذى يستخدمه أهل العراق فى التدفئة ، ولا يكتفى بإخراج الحمار من الطين وإنما يحمل الشوك بنفسه ليضعه عليه ، ولا يستوى على دابته بعد أن غسل يديه فى غدير ، إلاَّ بعد أن يأمر للشيخ العجوز بأربعة آلاف درهم .


ومن مفارقاته على ما يرويه ابن الأثير ـ أن ينتفض لغزو « عمورية » ، حين بلغه أن امرأةً هاشمية صاحت وهى أسيرة فى يد الروم : « وامعتصماه ! » ، فأجابها وهو جالس على سريره : « لبيك لبيك ! » ، ونهض من ساعته وصاح فى قصره النفير النفير ، ثم ركب دابته وحمل وراءه زاده ، وجلس فى دار العامة انتظارًا لتمام التعبئة ، ولكنه أحضر فى مجلسه قاضى بغداد عبد الرحمن بن اسحق بن إبراهيم ، وآخرين من أهل العدالة ، ليشهدهم على ما وقفه من الضياع ، فجعل ثُلثًا لولده ، وثُلثًا لله تعالى ، وثُلثًا لمواليه .


بينما لا يراعى القرابة القريبة ، ولا سابقة أن « العباس بن المأمون » رفض يوم وفاة أبيه مبايعة الناس له هو بالخلافة ، وسارع إلى إلزام الناس بمبايعة عمه « المعتصم » احترامًا لعهد أبيه . بل ولا يقتدى المعتصم بما فعله المأمون من صفح عن عمهما « إبراهيم بن المهدى » ، ولا يراعى أن « العباس بن المأمون » هو الذى دله على المؤامرة التى كانت قد حيكت معه من بعض القواد لخلعه من الخلافة ، وأرشده إلى أسماء هؤلاء القواد حتى قبض عليهم وضرب أعناقهم ، ولا يشفع ذلك كله للعباس ابن أخيه فى تخفيف عقوبته أو الرحمة والاعتدال ـ على الأقل ـ فى تنفيذها ، وإنما تواطأ على قتله صبرًا بمنع الماء عنه حتى مات عطشًا !


ولم يكن ذلك من الشفقة ولا من الحصافة وحسن التدبير ، بينما للعباس بن المأمون ذرية وإخوة من أبناء المأمون ـ شقيق المعتصم ـ يتأذون لقتل العباس صبرًا وعطشًا بهذه الطريقة الموغلة فى القسوة !


ولا كان من العدل وحسن التدبير ما أورده المسعودى فى مروج الذهب ، من أن
« المعتصم » تخلص من « محمد الجواد بن على الرضا » ، الذى كان المأمون قد زوجه ابنته أم الفضل ، وتردد أنه مات مسمومًا فيما جرت الأقاويل بأنه كان بإيعاز من المعتصم خشية أن تحدثه نفسه بطلب الخلافة ، لأن أولاده من سلالة المأمون ، ولأن أباه « عليًّا الرضا»(الذى مات) كان المأمون قد عينه لولاية العهد !


ولا كان مما يتفق مع الرحمة والشفقة وسداد الرأى وحسن التدبير ، ما فعله المعتصم بعد الانتصار وفتح عمورية ، من هدم المدينة ومن حرق كنيسة بمن بداخلهـا ممن لاذوا بها ! وقيل إنه قتل يومها ثلاثين ألفًا وسبى مثلهم !


وقد دعت هـذه « المتناقضات » المـؤرخ الكبيـر « ميور » إلى المقارنـة بين قيام
« المعتصم » بالنزول عن صهوة جواده ليخلّص بنفسه شيخًا ضعيفًا وقع حماره فى حفرة من الطين ، وبين ما فعله من هدم مدينة عمورية بأكملها بعد انتصاره على البيزنطيين ، وتضحيته بمدينة زاهرة يبلغ سكانها مائتى ألف نسمة ، وتقدر ثرواتها بالملايين !