من توت إلى عرابي .. فجوات في الوعي المصري

19/09/2016 - 12:11:49

سعد القرش سعد القرش

سعد القرش

يظل ابن بطوطة متجاوزا ببصيرته، فحضوره خطبة واحدة في دمشق كاف لاتهام ابن تيمية بخلل عقلي؛ لقوله: «إن الله ينـزل إلى سماء الدنيا كنـزولي هذا، ونزل درجة من درج المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء وأنكر ما تكلم به، فقامت العامة إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضربا كثيرا». وعن زيارته لمصر سجل أنها «أم البلاد... المتناهية بالحسن والنضارة.. قهرت قاهرتها الأمم، وتمكنت ملوكها نواصي العرب والعجم»، ولكنه كتب 13 كلمة دالة تستعصي على النظرة الاستشراقية: «يستبد العسكر، والشعب يئن تحت وطأة الحكم، ولا يهتم الأقوياء بذلك، والعجلة تدور».
كانت زيارة ابن بطوطة لمصر في عهد الناصر محمد بن قلاوون، الاسم بالطبع مملوكي غير مصري. ويحلو للبعض جهلا أو استسهالا أن يصف الشعب المصري باستئناس الذل، وشراء عبيد ليحكموه. لم يحدث أن اشترى الشعب حاكما، كل ما جرى أن مصر المثقلة بعدد لا بأس به من «أفعل التفضيل» كأول دولة مركزية لا تتغير حدودها منذ أكثر من خمسة آلاف عام، ناءت أيضا بأطول استعمار عسكري متصل زاد على 23 قرنا منذ غزو الإسكندر عام 332 قبل الميلاد حتى خروج آخر جندي بريطاني عام 1954. كان الغازي يبدأ بنزع السلاح، وحرمان الشعب من شرف أن يكون له جيش وطني، فصار المصريون وقودا لآلة استعمارية يتغير اسمها، ولا تتغير الأهداف التي توارثتها أمم من الغزاة، بداية بالإغريق والرومان وانتهاء بالعثمانلية والإنجليز. ولا تكف مصر رغم تحررها من غزو مزدوج بعد ثورة 1952 عن صنع المفارقة بإطلاق أسماء غزاة وقتلة على شوارعها الكبرى: «قمبيز»، «الخليفة المأمون»، «سليم الأول»، وغيرهم.
بدون صرخات استدعاء من الشعب، توالت موجات الاستعمار، كلما دخلت أمة لعنت سابقتها، واختلقت أسبابا لتبرير شهوة الاستحواذ: تبشير بحضارة، نشر رسالة، تخليص العباد من حكم دكتاتوري غير وطني بالطبع. الثمرة المرة والخطيرة هي تفريغ الإنسان حضاريا، والنجاح في إحداث القطيعة بين المصري وتاريخه، ولعن هذا التراث الذي صار مرادفا للكفر أحيانا، وهكذا سهلت الاستهانة به، والسخرية منه، ولم يكن هذا ليحدث لو احتفظ الشعب بجيشه، وله في سلوك القائد «حور محب» أسوة حسنة. يذكر تريفور برايس في كتابه «رسائل عظماء الملوك في الشرق الأدنى القديم: المراسلات الملكية في العصر البرونزي المتأخر» أن طريق الزواج والمصاهرات مع ملوك مصر كان «ذا اتجاه واحد. كان فرعون مصر راغبا على الدوام في استقبال زوجات أجنبيات ذوات حسب رفيع، إلا أن أيا من فراعنة مصر لم يوافق أبدا على إرسال أميرات مصريات ليكن زوجات لملوك أجانب. كان ذلك تقليدا راسخا لا استثناء له، ولم يكن ذلك بالطبع بسبب قلة عدد بنات الفراعنة.. بل كان السبب يعود إلى كبرياء الفراعنة واعتدادهم بأنفسهم، وفي المحافظة على صورة الفراعنة الراسخة كأهم وأعظم ملوك المنطقة». وعى الملوك الأجانب ذلك القانون، وفي فترة اضطراب بعد النهاية الغامضة لكل من أخناتون وتوت عنخ آمون، أرسلت أرملة الأخير رسالة إلى سوبيلوليوما ملك الحيثيين: «مات زوجي، لو أعطيتني أحد أبنائك سأجعله زوجا لي. لن آخذ أبدا واحدا من خدمي وأجعله زوجا لي». ظن الملك أن الأمر خدعة، ثم تأكد له صدق «الرسالة اليائسة» على حد وصف الكاتبة آنا رويز في كتابها «روح مصر القديمة»، وأرسل ابنه ليموت في الطريق، قبل بلوغ حدود مصر. يرى تريفور برايس أن موت الأمير لغز، وأنه ضحية قوى مصرية حالت دون اعتلاء أمير أجنبي عرش البلاد، لكن آنا رويز ترجح أنه «قتل بأمر من حور محب».
في هذه الفجوة الممتدة فقد الإنسان المصري التواصل مع عمقه الحضاري، حتى أن التقويم المصري «القبطي» الذي يبدأ بأول شهر «توت» (11 سبتمبر) يرجع إلى سنة 284 ميلادية، وفيها تولى الحكم الإمبراطور الروماني دقلديانوس، ونكل بالأقباط في «عصر الشهداء». أما التاريخ الأدق للتقويم المصري فيعود إلى ما قبل عام 4200 قبل الميلاد، وينسب إلى «توت، تحوت، تحوتي، جحوتي» رب الحكمة، رسول الآلهة، واضع هذا التقويم ومخترع الأبجدية والكتابة والحساب. وقد اتخذته جامعة القاهرة شعارا لها، إلا أن طه حسين الذي فتن بكل ما هو يوناني لم يخصص قسما في كلية الآداب بجامعة القاهرة للأدب المصري القديم، أو لعلم «المصريات»، وعلى دربه سار طلابه وأبرزهم محمد مندور الذي ترجم كتبا منها «المدينة الإغريقية» للفرنسي جوستاف جلوتز، و«اضمحلال حضارة.. نهاية الإغريق القديمة» للإيطالي كورادو بارجالو، كما تعلم خلال دراسته في باريس اللاتينية واليونانية، وزار الأماكن الواردة في الملاحم الإغريقية.
فتن الحالمون بالظل والنهر، فيروي المسعودي قول أحدهم في وصف مصر: «نيلها عجب، وأرضها ذهب، وخيرها جلب، وملكها لمن سلب، ومالها رغب، وفي أهلها صخب، وطاعتهم رهب، وسلامهم شعب، وحربهم حرب، وهي لمن غلب». سأتجنب الآن نهر دم أسهم فيه الجميع بأنصبة متفاوتة، وأتوقف أمام سليمان بن عبد الملك، فيروي المقريزي أنه أوصى متولي خراج مصر أسامة بن زيد التنوخي: «احلب حتى ينقيك الدم، فإذا أنقاك الدم حتى ينقيك القيح. لا تبقها لأحد بعدي». كما يروي ابن كثير أن عثمان بن عفان حين حدد مهام عمرو بن العاص بالقتال، على أن يتولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح شؤون الخراج، تساءل عمرو ساخطا: «أأكون كماسك بقرة وغيري يحلبها؟». ويسجل ابن عبد الحكم لوم عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص على سماحه لمصريين بالبقاء في وظائف ضرائبية ومحاسبية: «كيف تعزهم وقد أذلهم الله؟».
وقبل وصول سليم الأول أرسل إلى طومان باي: «إن الله أوحى إليّ بأن أملك الأرض والبلاد من الشرق إلى الغرب، كما ملكها الإسكندر ذو القرنين... أنا خليفة الله في أرضه». ويروي ابن إياس أن الجيش العثماني دخل القاهرة في يناير 1517 فنهب الغذاء والممتلكات، وخطف رهائن من البيوت والطرقات لمقايضتهم بالمال، وشهدت القاهرة في أربعة أيام من الترويع والقتل ما لا يتصوره مسلم من مسلم، وتطايرت رؤوس القتلى «فصارت جثثهم مرمية على الطرقات... فوق العشرة آلاف إنسان». وبعد 288 عاما سيختار المصريون تاجر دخان طموحا؛ لأن البلاد خاضعة لاحتلال عثماني حرص على أن تخلو من جيش وطني. بعد فراغ تركته الحملة الفرنسية التي عجلت المقاومة الشعبية برحيلها جاء محمد علي حالما بتأسيس ملك عائلي، محتقرا المصريين الذين اعتبرهم برابرة وهمجا، يذلهم ويطحنهم مثل السمسم ليستخرج الزيت اللازم لإدارة عجلة إنتاج لا يخص الشعب، ثم اضطر للاستعانة بهم بعد فشله في تجنيد السودانيين. كان المصريون مدنيين وجنودا مجرد وقود في دولة الباشا، إلى أن فتح ابنه محمد سعيد (1854 ـ 1863) ثغرة وطنية تسمح بترقي أبناء الأثرياء في الجيش، ومن تلك الطليعة خرج أحمد عرابي وصحبه الذين قادوا ثورة دستورية تواطأ عليها حفيد الخديو والسلطان العثماني الذي سيعقد عام 1885 اتفاقا مع بريطانيا، لدعم وجود جيشها في مصر، بعد تصفية الثورة وحل الجيش الذي قاده جنرال بريطاني.
وسوف تتيح معاهدة 1936 أفقا أرحب لالتحاق أبناء الطبقة الوسطى والدنيا بالجيش، وبهؤلاء عادت مصر للمصريين، عودة متأخرة ومعثرة. أما سيرة الدماء فلها حديث آخر.