المسألة المصرية 1882.. الصحف البريطانية تمهد لاحتلال مصر

19/09/2016 - 12:04:50

غلاف جريدة لندن المصورة ( 10يناير 1882) تتصدرها صورة لأحمد عرابي كتب أسفلها غلاف جريدة لندن المصورة ( 10يناير 1882) تتصدرها صورة لأحمد عرابي كتب أسفلها " عرابي باشا دكتاتور العالم فى مصر "

شذى يحيى - كاتبة مصرية

"لم يكن لديّ الوقت لأعقد رباط حذائي العسكري".. قالها الزعيم أحمد عرابي لجلسائه وهو قابع في منفاه بجزيرة سيريلانكا، بصوت يحمل في نبراته الكثير من المرارة والألم اللذين لم يخفف من أثرهما مرور أعوام طويلة، مرارة الخيانة وألم خديعة تسببت في هزيمة جيشه وفتحت الباب على مصراعيه أمام الإنجليز لاحتلال مصر.
فهذه الدقائق التي قال أحمد عرابي باشا أو عرابي باشا الفلاح دكتاتور مصر كما أطلقت عليه الصحف الأوروبية ـ ربما كان عرابي الحاكم العربي الأول الذي يوصف بهذه الصفة في التاريخ الحديث ـ إنها لم تكن كافية لربط حذائه كانت كافية جدا لضمان ربط أوصال الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس ببعضها عبر السيطرة على مصر وقناة السويس على الأخص وإراحتها من قلق ظل يؤرق حكوماتها المتعاقبة منذ اليوم الذي وطأت فيه قدما نابليون بونابرت للمرة الأولى أرض مصر عام 1798، واستفحل بحفر قناة السويس ولم ينته إلا بمطلع فجر الثالث والعشرين من سبتمبر 1882 في التل الكبير، فقد كانت دقائق التل الكبير محصلة لأعوام من الإعداد والتجهيز والترتيب لاحتلال مصر، الأمر الذي لم يغب يوما عن ذهن صانعي السياسة في بريطانيا حتى تحول إلى حقيقة.
فمنذ جلاء بريطانيا الأول عن مصر عام 1803 بعد القضاء على آخر فلول الحملة الفرنسية كانت بريطانيا تنظر بعين الشك لكل نشاط فرنسي في مصر، وقد تزايد حجم القلق البريطاني بعد حفر القناة رغم معارضة رئيس وزرائها في تلك الفترة "السير بالمرستون" للفكرة في البداية وإدراكها لأهميتها فيما بعد، ويرجع هذا لكون السويس أقصر الطرق للهند درة التاج، ولأن قيام أي حرب أوروبية داخل القارة مع السيطرة الفرنسية على القناة سيكون تمزيقا لخطوط إمداد جيوش بريطانيا والاقتصاد البريطاني، أيضا شكل قيام الجمهورية الفرنسية الثالثة عام 1870 ضغطا مضاعفا لمعاداتها الصريحة ومنافستها للإمبريالية البريطانية، ولهذا اتخذت بريطانيا عدة خطوات لتضمن سيطرتهاعلى القناة والمنطقة المحيطه بها تدريجيا كان أهمها الاستيلاء على حصة مصر من القناة سدادا لديون الخديو إسماعيل عام 1875، وبذلك ضمنت حكومة جلالة الملكة الإدارة المشتركة للقناة والسيطرة المشتركة أيضا على تحصيل الضرائب في مصر بعدها طلبت بريطانيا من السلطان العثماني جزيرة قبرص كمكافأة على مساعدة أسطولها للعثمانيين في الحرب الروسية التركية عام 1877، وهكذا ضمنت بريطانيا نقطة الإنزال التاريخية لغزو مصر كما استطاعت الشركات البريطانية السيطرة على جزء كبير مما تبقى من الاقتصاد المصري عن طريق شركات الرحلات مثل كوك وولده وتجارة القطن مع مصانع النسيج البريطانية والسيطرة على المواصلات البحرية والبرية حيث كان معظم سائقي القطارات والسفن من الإنجليز والموالين لهم أو للخديو توفيق وبهذا أصبحت المسألة: متى؟
بقي أن تعد الحكومة الرأي العام البريطاني لفكرة غزو مصر، واستخدمت الصحافة للمرة الأولى في هذا الإعداد، فقبل الغزو كان اهتمام الصحافة البريطانية منصبا بالدرجة الأولى على شؤون الأحزاب وأحوال الداخل البريطاني، ولكن لأهمية الشأن المصري والذي أطلقت عليه الصحف البريطانية فيما بعد "المسألة المصرية" أوعزت الحكومة البريطانية للصحف الموالية والمعارضة لها أن تقوم بعمل نوع من المناظرة بين المؤيدين والمعارضين لفكرة تدخل بريطانيا في "المسألة المصرية "أي الشأن المصري مبكرا جدا منذ عام 1877، وذلك للتغلب على أية معارضة للغزو عندما تحين اللحظة المناسبة، وقد أفلحت الصحافة إلى حد كبير في تحقيق هدفها وأقوى مثال على ذلك أن اللورد "جلادستون" الذي كان قد كتب مقالا في جريدة "فورتنتلي" في أغسطس 1877 بعنوان "العنف في مصر وحرية الشرق" منتقدا فيه بسخرية استحواذ بريطانيا على ممتلكات في مصر، ومحذرا الحكومة من الغوص في "المستنقع المصري" ومعاداة المسلمين هو نفسه من اتخذ قرار غزو مصر عسكريا عام 1882 على الرغم من إرساله خطابا إلى "ويلفرد بلانت" في 20 يناير 1882 نشر بنفس الصحيفة ردا على مقال كتبه (بلانت) بعنوان "مستقبل الإسلام" قال فيه إنه رغم التطورات الحادثة في مصر فإنه لا يرى ما يدفعه لتغيير رأيه الذي نشره عام 1877 وإن الشأن الأيرلندي أولى باهتمامه في هذه الفترة، والأكيد أن الكساد الاقتصادي في بريطانيا كان أحد أهم أسباب تغيير (جلادستون) لرأيه واتخاذه قرار الغزو، والدليل على ذلك أن مدافع الأسطول البريطاني ظلت تضرب الإسكندرية عشر ساعات متواصلة حتى سوتها بالتراب قبل الإنزال البري؛ لإحداث أكبر قدر من الخسائر المادية وفتح الطريق للشركات البريطانية لإعادة إعمار مصر، كما حدث هذا في تدمير وحرق المرافق في كافة أنحاء البلاد تمهيدا لإعادة بنائها.
لكن (جلادستون) رغم الأزمة الإقتصادية لم يكن ليستطيع اتخاذ قرار الغزو لو لم يكن الرأي العام مهيأ لذلك، ولهذا فقد أهمل جلادستون معتقداته الليبرالية وأفكار كتاب موالين لحركته مثل (كاي) و(بلانت) وانحاز لفكر المحافظين الإمبريالي الذي دوما ما كانت سياسة مدافع الأسطول هي الأقرب إليه، مدعوما من صحف مثل التايمز التي كتبت في مطلع 1882: "من الواضح جدا أن قناة السويس أكثر أهمية للإمبراطورية البريطانية من أية قوى أوروبية أخرى، وعلى ما يبدو فإن القارة الأوروبية كلها تستمتع بمعضلة الجزيرة البريطانية في سيطرة شركة فرنسية على مقدرات طريق الهند فمن وجهة نظرهم أن المسألة المصرية تشكل عاملا مهما في توازنات القوى الأوروبية، وهذا الوضع المناسب جدا لفرنسا وألمانيا يجد دعما من روسيا والنمسا وإيطاليا، ومن كل الأمم الأوروبية المتحمسة للتوسع الإمبريالي مما يجعلنا قلقين جدا من نوعية التحالفات التي ستحدث في الحرب الأوروبية المقبلة والتي ستمتد على خريطة العالم بامتداد العلاقات الأوروبية فيه". كان رأي التايمز واضحا بضرورة احتلال مصر بينما فتحت صحف أخرى مثل (الفورتنيتلي ريفيو Fortnightly review) المستقلة أبوابها للكتاب على مختلف مشاربهم للتعبير عن آرائهم، وكان رئيس تحريرها الأول "جون مورلي" راديكاليا استعماريا فتح أبوابها للراديكاليين أكثر من الليبراليين، ثم انتقل منها إلى صحيفة أخرى موالية بالكامل للفكر الاستعماري هي "البولمول جازيت " ونشر بها مقالات تتهم فرنسا بأنها السبب الرئيس للتدخل البريطاني في مصر عن طريق الدور الإجرامي الذي لعبته الإدارة الفرنسية في إفساد الخديو إسماعيل وورثته مما أسهم في ثورة الفلاحين وخلق الأزمة المصرية، واستعان بكتاب أمثال (دونساني - آموس- وويست ليك) لإثبات فكرته، بينما استمرت "الفورتنيتلي" في فتح أبوابها للآراء المعارضة حتى بعد الاحتلال فنشرت مقالات في نوفمبر وديسمبر 1882 كتبها "تي. إتش. اسكوت" و"جي ويلسون" طالبا فيها بريطانيا بوقف التدخل في إدارة مصر تماما، ولكنها تلقت ردودا من كتاب مثل لافيلين الذي كان يرى أن الإدارة في مصر عاجزة عن الحكم والسيطرة بمفردها، وهو الرأي الذي لقى قبولا أكثر لدى الرأي العام البريطاني، ولم تخرج صحف أخرى عن النهج نفسه في وجوب السيطرة البريطانية على مصر، لقطع الطريق أمام الفرنسيين، فصحف مثل "القرن التاسع عشر" و"الكونتمبرري ريفيو" فتحت أبوابها لمقالات (ديسي) لبيان خطورة ترك مصر نهبا للإمبريالية الفرنسية وللثقافة الفرنسية وكتب (جوزيف ريناتش) مقالا في صحيفة القرن التاسع عشر في ديسمبر 1882 يتهم فيه رئيس الوزراء الفرنسي (ليون جامبيتا) بمحاولات القضاء على الإمبراطورية البريطانية عبر السويس، وفي العدد نفسه كتب اللورد "دونساني" السياسة الفرنسية في الشرق، وكتب "السير إدوارد هاملي" يدافع عن بعض التجاوزات التي هاجمتها الصحافة في الحملة العسكرية على مصر.
ما يجمع الآراء الموافقة أو المعارضة للغزو شيئان:
الأول: الموقف تجاه فرنسا فحتى (بلانت) المؤيد للقوميين المصريين وأول من أطلق على الحركة العرابية اسم "ثورة" كان يرى أن الفرنسيين وعلى رأسهم (جامبيتا) هم سبب التعقيد والمشاكل التي حدثت في مصر وأنهم تصرفوا من منطلق كونهم فرسانا صليبيين في حرب ضد العرق العربي والدين الإسلامي، وإن لم يبرئ الإنجليز أيضا من هذا كما كان يرى أن ما فعلته فرنسا في يناير 1882 كان غرضه الأساس توريط بريطانيا في حرب مصر! للقضاء على القوميين المصريين الفلاحين كان (بلانت) مؤمنا بأن (جامبيتا) يحاول توريط بريطانيا في حرب على الإسلام عن طريق الضغط على الحكومة البريطانية بتجديد اتفاقية المعاهدة الاقتصادية الإنجليزية الفرنسية وأن الحكومة التي تسعى لإثبات جدوى سياساتها الاقتصادية ابتلعت الطعم الذي ألقي لها لتتوسع في أراضي المسلمين، وأن (بلانت) كان قد نجح فعلا في استمالة أصدقائه القوميين للجانب البريطاني في إطار خطة لاستقلال مصر عن الحكم العثماني وإصلاح الخطاب الديني وخلق مرجعية إسلامية بعيدا عن دولة الخلافة ومرجعية ثقافية إنجليزية بوصف الإنجليز حلفاء للحكام القوميين، وبهذا يصبح الإسلام العربي والقومية العربية حلفاء للإمبراطورية البريطانية، وتنفصل مصر تماما عن الحكم العثماني تحت ظل ورعاية البريطانيين، لكن المؤامرات الفرنسية والرواسب الصليبية هي التي حالت دون ذلك من وجهة نظر (بلانت) رغم إقتناع الحكومة البريطانية بالفكرة. هذه الفكرة التي اقترحها (بلانت) في يناير 1882 وأعاد الدفاع عنها في ديسمبر نفذ (اللورد كرومر) بعض أجزاءها فيما بعد عندما أصبح مندوبا ساميا للإمبراطورية في مصر بعد تحييد الفرنسيين والسيطرة الكاملة على مصر والقناة.
الثاني: كان هناك إجماع على المصالح البريطانية في قناة السويس فوق أي اعتبار أو مناقشة، وقد كتب (إم. جي. مولهول) مقالا في فورتنتلي بعنوان "اقتصاديات مصر" قائلا إن القناة "أفادت كل أمم الأرض إلا الفلاحين المصريين فقد أثقلت كواهلهم بالديون والأمراض والوفيات والتهمت زيادة الدخل القومي التي نتجت عن ارتفاع أسعار القطن نتيجة الحرب الأهلية الأمريكية هي شريان الحياة لبريطانيا ولا يمكن التخلي عنها". الاختلاف في المقالات كان فقط في كيفية الاستيلاء عليها. هل يتم بالغزو المباشر أم بالإدارة البديلة والتحالف مع الوطنيين وهي إستراتيجية استخدمها الإنجليز والفرنسيون فيما بعد إبان الثورة العربية وكان نتاجها اتفاقية (سايكس بيكو).
أيضا كان من أهم معالم الصحف البريطانية في تلك الفترة ظهور مصطلحات سياسية وتعريفات لهذه المصطلحات مثل: القومية، الإمبريالية، التقدم، الدكتاتورية.
كما انصب اهتمام كتاب الصحف البريطانية عموما قبل الغزو وأثناءه وبعده على هذه النقاط:
ـ الوضع الاقتصادي في بريطانيا.
ـ مدى أهمية وحيوية قناة السويس بالنسبة للإمبراطورية.
ـ السباق الاستعماري مع بقية دول أوروبا وبالأخص فرنسا المنافس التقليدي.
ولهذا لم يأت ذكر مصر ومصريين في كتابات الصحف كثيرا اللهم إلا في إطار أن إثقال المصريين بالضرائب الناجمة عن القناة وأنها لم تعد عليهم بأي فائدة أكسب عرابي الذي وصف بالطاغية والدكتاتور تعاطفا كبيرا بين طبقات الشعب وأن التدخل البريطاني في مصر هدفه الرئيس الدفاع عن الشرعية والحاكم الشرعي أي الخديو توفيق، ولم يخرج عن السرب سوى (بلانت) الذي رأى في ثورة الفلاحين حليفا محتملا قويا للقضاء على النفوذ العثماني وإحلال البريطاني محله فكان الاختلاف في رؤية كيفية السيطرة على مصر، وليس على وجوب السيطرة عليها، وفي خضم كل هذا لم يكتب أحد سطرا واحد عن المدن التي دكت وسويت بالأرض فوق رؤوس مئات بل ربما آلاف المدنيين لتحصل بريطانيا على عقود إعادة إعمار المدن، ولم يكتب أحد عن جثث مئات الجنود المصريين التي تناثرت على أسوار قلاع الإسكندرية وعلى مفارق طرق كفر الدوار والقصاصين والتل الكبير لتحصل بريطانيا على عقود لإعادة بناء وتكوين الجيش المصري، ولم يكتب أحد عن المحاصيل التي نهبت وطرق السكة الحديدية التي دمرت على طول الطريق إلى القاهرة حيث كان توفيق ينتظر ليعلق الأوسمة على صدور الغزاة الذين حرصوا على التقاط صورهم أمام أبو الهول والأهرام مع أعلام فرق الجيش البريطاني، ليؤكدوا للعالم سقوط مصر في قبضة الأسد البريطاني، ويبدأ صراع بين الإمبريالية والمصالح القومية لم ينته بانتهاء الاحتلال البريطاني بعد سبع عقود من معركة التل الكبير بل ظل مستمرا حتى الآن.