كيف حدد الأوربيون خط زمان الحضارة المصرية القديمة؟

19/09/2016 - 12:02:40

قائمة الملوك المنسوبة إلى مانيتون بحائط معبد أبيدوس الجنائزى قائمة الملوك المنسوبة إلى مانيتون بحائط معبد أبيدوس الجنائزى

إيهاب غريب - كاتب مصري

مانتو (مانتون Manetho) اسمُ علم يوناني، لعل أقدم الشخصيات الأسطورية التي حملته هي كاهنة معبد الإله أبوللو في دلفي (مانتو) ابنة عراف مدينة طيبة اليونانية الشهير، فاقد البصر نافذ البصيرة (تيريسياس) المنحدر من سلالة (يودايوس) أحد الرجال المزروعين الخمسة. تيريسياس صاحب النبوءة الأشهر في عالم الأساطير اليونانية التي داعبت خيال كُتاب ﺍﻟﺘﺮﺍﭼﻴﺪﻳﺎ على مر العصور. أعني نبوءته للملك (لايوس) ملك مدينة طيبة بأنه سوف يُنجبُ ولدا يقتل والده ويتزوج والدته وينجب منها إخوته، تلك النبوءة التي تحققت في شخص (أوديب).
والكاهنة (مانتو) ابنة تيريسياس هي من حذرت أهل طيبة من غضب الآلهة، ووجهتهم إلى وجوب التبرؤ من ذنب ملكة مدينتهم (نيوبي) ـ التي تطاولت على الربة (ليتو) والدة الإله (أبوللو) والربة (أرتميس) ـ بإقامة الصلوات وتقديم القرابين لهذه الأرباب تفاديا للعنة يمكن أن تصيب مدينتهم. وحين سقطت لاحقا مدينة طيبة بيد الأرجوسيين كان ذلك تحقيقا لنبوءة تيريسياس بأن تسقط المدينة بعد موت (أيجياليوس ابن الملك أدراستوس) مباشرة، باعتباره آخر أبناء الأبطال السبعة الذين هاجموا طيبة في عهد (الملك إتيوكليس)؛ ليكون ذلك إيذانا بموت تيريسياس نفسه بعد أن عاش سبعة أجيال (جرب خلالها الحياة كذكر، وكأنثى). وقد وجد الفاتحون الأرجوسيون (مانتو) وحيدة هادئة بانتظارهم في مدينة طيبة الخاوية على عروشها بعد أن هرب منها سكانها استجابة لنصيحة تيريسياس الأخيرة لهم؛ فأرسلوها مع كنوز طيبة إلى (دلفي)؛ لتكون (كاهنة معبد الإله أبوللو) هناك.
ولم يكن اسم "مانتو" يمكن أن يشير إلى ما يمت للتاريخ المصري القديم بأي صلة، لولا أمرين:
الأول: ورود هذا الاسم (مانتو) في شذرات مشكوك في صحتها منسوبة إلى مؤرخ يهودي يُدعى (جوزيفوس فلافيوس) يُفترض أنه عاش بالقرن الأول الميلادي، في إطار شرحه للقصة التوراتية المتعلقة بدخول (بني إسرائيل) مصر بدعوة من (يوسف)، واستقرارهم بها لمدة أربعمائة وثلاثين عاما، ثم خروجهم منها بقيادة (موسى). ومن بعده لدى كُتاب مسيحيين مثل (يوليوس أفريكانوس) في القرن الثالث الميلادي، و(يوسبيوس) في القرن الرابع.
الثاني: ظهور وثائق مكتوبة باللغة اليونانية نُشرت لأول مرة في فرنسا وإنجلترا بالعقد الثالث من القرن التاسع عشر (بالتزامن مع الإعلان عن فك شفرة الهيروغليفية عن طريق حجر رشيد) منسوبة إلى كاهن مصري قديم يُدعى (مانتو السمنوديManetho of Sebennyte) يُفترض أنه كتبها (بالمائة الثالثة قبل الميلاد) خصيصا لبطليموس الثاني الملقب بفيلادلفوس Philadelphus بمعنى (محب الأخ / الأخت) مقدما له المعلومات التي ذكر أنه جمعها من الكتب المقدسة التي كتبها (هرمس مثلث الجلالة Hermes Trismegistus) نفسه!
ولعل أهمية وخطورة هذه الوثائق تنبع من أنها لعبت منذ وقت مبكر دورا حاسما في تشكيل ملامح خط زمان الحضارة المصرية القديمة؛ إذ كانت (المستند) الذي تم على أساسه تحديد 31 أسرة تعاقبت على حكم مصر، وامتدت فترات حكمهم من عصر ما قبل الأسرات حتى عصر البطالمة! فما الذي تضمنته هذه الوثائق تحديدا؟! وهل يمكن الوثوق بصحة نسبتها إلى كاتبها المفترض أو (تاريخية) ما جاء بها من معلومات؟!
تضمنت هذه الوثائق قائمة طويلة بأسماء كل حُكام مصر عبر العصور، ومدة حكم كل منهم منذ ما قبل الطوفان حتى البطالمة، متبوعة برسالة عن قصة الملوك الرعاة (الهكسوس) Hycsos الذين دخلوا مصر من الشرق بلا معركة، ودون معرفة الكيفية، ثم سيطروا على الحكم، وارتكبوا ما ارتكبوه من فظائع. وأخرى عن الصراع بين الأخوين (سثوسيس) sethosis الملقب أيضا بإيجبتوس Aegyptus والذي صار اسمه علما على "إيجبت" (مصر)، وأخيه (أرمايس) Armais المعروف أيضا بدناؤس Danaus والذي صار اسمه علما على العشائر الإغريقية. وأخيرا، قصة الكاهن المصري (أوزرسيف) Osarsiph الذي اشـتُـق اسمه من لفظ الإله (أوزوريس) Osiris المولود بمدينة الشمس (هليوبوليس) (المطرية) Heliopolis والذي تحول اسمه إلى (مويسيس) (موسى) Moyses لدى الرعاة الذين تولى قيادتهم وسن شرائعهم!!
قائمةُ أسماء الحكام الطويلةُ جعلت الطوفان حدا فاصلا بين عصر ما قبل الطوفان الذي حكم فيه مصر ستة عشر ملكا من (أنصاف الآلهة DEMIGODS، وعصر ما بعد الطوفان الذي حكم فيه مصر ملوك من البشر تم تقسيمهم إلى 31 أسرة مع الحرص على نسبة كل أسرة إلى المدينة التي يُفترض أن ملوك الأسرة جاءوا منها، وفي بعض الحالات تم ذكر أهم أعمال الملك وأحداث عصره.
جاءت أسماءُ (أنصاف الآلهة الـ 16 الذين حكموا مصر قبل الطوفان) خليطا غير متجانس من أسماء (الآلهة اليونانية) والأسماء المشهورة في أورﭘﺎ بالعصور الوسطى لآلهة مصر القديمة، كما يلي: 1- هيفايستوس Hephaestus (رب النار والحدادة لدى الإغريق) حكم 724 سنة وستة أشهر وأربعة أيام. 2- هيليوس Helius بن هيفايستوس (ومعنى هيليوس: الشمس) حكم 86 سنة. 3- أجاثودايمون Agathodaemon (ومعناه: خير الجن) حكم 56 سنة وستة أشهر وعشرة أيام. 4- كرونوس Cronus (أحد التياتن لدى الإغريق) حكم 40 سنة وستة أشهر. 5- أوزيريس وإيزيس Osiris and Isis حكما 35 سنة. 6- مجهول الاسم ومدة الحكم. 7- طيفون Typhon (إله الأعاصير لدى الإغريق) حكم 29 سنة. 8- أوريس Uris وتم تفسيره بحورس Horus (الصقر) حكم 25 سنة. 9- أريس Ares (إله الحرب لدى الإغريق) حكم 23 سنة. 10- أنوبيس Anubis (ابن آوى) حكم 17 سنة. 11- هرقليس Heracles (بطل إغريقي) حكم 15 سنة. 12- أبوللو Apollo (رب الفنون والأضواء لدى الإغريق) حكم 25 سنة. 13- أمون Ammon حكم 30 سنة. 14- تيثويس Tithoes (يشبه اسم "تيثوس" زوجة أوكيانوس في الأساطير اليونانية) حكمت 27 سنة. 15- سوسوس Sosus حكم 32 سنة. 16- زيوس Zeus (كبير الآلهة لدى الإغريق) حكم 20 سنة.
وبذلك يكون مجموع سنين حكم (أنصاف الآلهة) قبل الطوفان (1185 سنة)، استحوذ هيفايستوس وحده على (724 سنة) منها. ومن الواضح أن الكاتب قد آثر أن يبقي على أحد الحكام (السادس) مجهول الاسم ومدة الحكم؛ كي لا يتورط بتحديد رأي حاسم للزمن الذي يجب أن يكون الطوفان حدث فيه، وهي قضية محل خلاف بين اليهود الذين يعتقدون أنه حدث بعد 1656 سنة من خلق الله للعالم، والمسيحيين الذين يعتقدون أن تلك الفترة تجاوزت 2200 سنة!!
ولأن المجال لا يتسع لذكر أسماء كل الحكام التي وزعتهم القائمة على 31 أسرة باعتبارهم حكموا مصر بعد انتهاء عصر أنصاف الآلهة حتى البطالمة؛ فسأكتفي بذكر عدد حكام كل أسرة، والمدينة التي يفترض أنهم ينتمون إليها، ومجموع سنوات حكمهم:
الأسرة الأولى: 8 ملوك ينتمون إلى (ثينيتيس) Thinites حكموا 263 سنة. وقد جاء في قاموس والس بيدﭺ أن ثينيتيس كانت المقاطعة الثامنة في مصر العليا ومركزها (أبيدوس). الثانية: 9 ملوك من ثينيتيس حكموا 302 سنة. الثالثة: 9 ملوك من منف (البدرشين) Memphis حكموا 214 سنة. الرابعة: 8 ملوك من (منف) ليسوا من عائلة واحدة، وحكموا 274 سنة. الخامسة: 9 ملوك من (فيلة) Elephantine حكموا (248 / 218 سنة؟!). السادسة: 6 ملوك من (منف) حكموا 203 سنة. السابعة: 70 ملكا من (منف) حكموا 70 يوما! الثامنة: 27 ملك من (منف) حكموا 146 سنة. التاسعة: 19 ملك من هيراكليوبوليس (حرفيا: مدينة هرقل) Heracleopolis حكموا 409 سنوات. العاشرة: 19 ملك من هيراكليوبوليس حكموا 185 سنة. الحادية عشرة: 16 ملكا من ديوسبوليس (حرفيا: مدينة زيوس) Diospolis حكموا 192 سنة. الثانية عشرة: 7 ملوك من ديوسبوليس حكموا 160 سنة. الثالثة عشرة: 60 ملكا من ديوسبوليس حكموا 184 سنة. الرابعة عشرة: كلها مفقودة. الامسة عشرة: 6 ملوك (رعاة فينيقيين) Phoenician Shepherds حكموا 284 سنة. السادسة عشرة: 32 ملكا (رعاة إغريقيين) Grecian Shepherds حكموا 518 سنة. السابعة عشرة: تقاسم حكم مصر فيها 43 من الملوك الرعاة الأجانب و43 من الملوك المصريين من (طيبة) (الأقصر حاليا) Theba حكموا جميعا 151 سنة. الثامنة عشرة: 16 ملكا من ديوسبوليس حكموا 263 سنة. التاسعة عشرة: 7 ملوك من ديوسبوليس حكموا 209 سنوات. العشرون: 12 ملكا من ديوسبوليس حكموا 135 سنة. الحادية والعشرون: 7 ملوك من تانيس) Tanis حكموا 130 سنة. الثانية والعشرون: 9 ملوك من بوباستيس (تل بسطة) Bubastis حكموا 120 سنة. الثالثة والعشرون: 4 ملوك من (تانيس) حكموا 89 سنة. الرابعة والعشرون: حاكم واحد هو (بونخوريس الصاوي) Bonchoris the Saite الذي تكلمت في عهده الغنم 990 سنة! وقد حكم 6 سنوات! الخامسة والعشرون: 3 ملوك (إثيوبيين) Ethiop حكموا 40 سنة. السادسة والعشرون: 9 ملوك (صاويين) حكموا 150 سنة وستة أشهر. السابعة والعشرون: 8 ملوك (فارسيين) Persian حكموا 124 سنة وأربعة أشهر. الثامنة والعشرون: ملك واحد هو (أميرتيوس الصاوي) Amyrteos, the Saite حكم 6 سنوات. التاسعة والعشرون: 4 ملوك (منديسيين) Mendesian حكموا 20 سنة وأربعة أشهر. الثلاثون: 3 ملوك (سمنوديين) نسبة إلى مدينة سمنّود بمحافظة الغربية وحكموا 38 سنة. الحادية والثلاثون: 3 ملوك فارسيين حكموا 9 سنوات.
وبذلك يكون مجموع سنين حكم هذه الأسر (31) قد امتد لحوالي (5045 سنة) من الطوفان حتى بداية (العصر البطلمي)، مع ملاحظة وجود أخطاء كثيرة في الحساب ارتكبها الكاتب حين ذكر مجموع سنوات حكم للأسرة مخالف لما سبق أن دونه هو نفسه للسنين التي حكمها أبناءُ هذه الأسرة كل على حدة (كما حدث مثلا في الأسر: 5، 22، 26). لكن الملاحظة المهمة هنا هي أنه وفقا لهذه التقديرات الزمنية قد ابتعد كثيرا عن المعتقد اليهودي بأن حادثة خلق "هاإيلوهيم הָאֱלֹהִים" للعالم وقعت عام 3760 قبل الميلاد! ووقف على مسافة أقرب للمعتقد المسيحي بأن خلق الله للعالم كان في حدود سنة 5508 قبل الميلاد!
وهناك بالطبع الكثير من الملاحظات على هذه الوثائق التي يمكن الخوض في تفاصيلها بما لا يتسع له المجال هنا؛ لكن يمكن إجمال أهم هذه الملاحظات فيما يلي:
1- اختيار اسم مانتو Manetho ووضعه على هذه الوثائق ـ باعتباره كاهنا مصريا قديما ـ لم يكن سوى محاولة قديمة متجددة للربط بين آثار مصر القديمة والأساطير اليونانية تجلت في مظاهر شتى: كمحاولة الربط بين مدينة (طيبة) اليونانية ومدينة (طيبة المصرية) منذ أن أطلق الأوربيون لفظ (سفنكس) Sphinx على تمثال (أبي الهول)، وهو اللفظ المستخدم على (الهولة/ الغولة) التي حاصرت مدينة (طيبة اليونانية) حين أصابتها لعنة الآلهة كما رأينا في (مأساة أوديب)، ثم التوسع في إطلاق أسماء الآلهة اليونانية دون مبرر على المدن المصرية، ثم النصوص التي تم خربشتها باللغة اليونانية على الآثار المصرية كما تم ـ على سبيل المثال ـ مع التمثالين الضخمين بالأقصر واللذين يسميان الآن تمثالا ممنون (أمنحتب) أو "أمينُفثيس الثالث "، بعد أن سماهما الفرنسيون بداية "ممنون" أو "أجاممنون" استنادا إلى "النص اليوناني" الذي تم نقشه على القدم اليسرى لأحد التمثالين! ويمثل حجر رشيد نقطة الذروة لهذه المحاولات؛ فقد أدخل العصر البطلمي برمته إلى الزمن المصري القديم الموصوف بـ"الفرعوني" عن طريق خرطوش واحد فُسر أنه بطليموس Ptolemaios أي اللقب العام للحكام البطالمة جميعا وليس (بطليموس) بعينه. وذلك بعد أن كان محررو موسوعة وصف مصر ـ الذين يفترض أنهم أكثر خبرة بآثارها يرفضون ضم العصر البطلمي إلى الزمن الذي أُنشئت فيه الآثار المصرية القديمة الموصوفة بـ"الفرعونية"؛ لأسباب عديدة وجيهة من ضمنها أنه لو كان البطالمة أنشأوا آثارا فرعونية فعلا، فلماذا لم ينقشوا عليها أنهم من فعلوا ذلك بلغتهم اليونانية؟!
2- كان مدعو فك شفرة النقوش المصرية القديمة بحاجة ماسة لظهور هذه الوثائق المنسوبة إلى مانتو في الوقت الذي ظهرت فيه؛ كي يسدوا فراغا في التاريخ لم يكن من الممكن أن يملؤه غيرها؛ إذ لم يكن كل ما تم استنتاجه من حجر رشيد و(مسلة فيلة) كافيا لتحديد السياق الزمني الذي حدد مسار التاريخ المصري الذي استُخدمت خلاله النقوش المصرية القديمة المشهورة اليوم بمسماها اليوناني (هيروغليفية) من البداية حتى النهاية، وبخاصة أن الطريقة الفلكية التي استخدمها محررو موسوعة "وصف مصر" لتحديد الزمن الذي أنشئت فيه الآثار المصرية القديمة قد أنتجت تقديرات زمنية أعلى كثيرا مما يمكن أن تقبله عقيدة الكنيسة القبطية؛ إذ قدر محررو الموسوعة أن الآثار التي تُنسب اليوم إلى البطالمة أي حوالي 300 سنة قبل الميلاد أنشئت منذ حوالي 3000 سنة قبل الميلاد، وهو ما يعني أن جل الآثار المصرية القديمة قد أنشئت قبل أن يخلق الله الإنسان أصلا، وفقا للحسابات المستخلصة من الكتاب المقدس!! وهو ما لا يمكن قبوله بالطبع من قبل (الكنيسة القبطية) التي ادعى الفرنسيون أنهم فكوا شفرة (الهيروغليفية) بمساعدة من (اللغة القبطية) المستخدمة في شعائرها؛ لذلك كان هناك ضرورة لظهور (وثائق) يمكن أن توصف بأنها (تاريخية) تروي ما حدث في مصر القديمة بأسلوب الكتاب المقدس الذي يقسم تاريخ العالم إلى مرحلتين (قبل الطوفان وبعده)، وفي الوقت نفسه لا تهمل رغبة الأوريين الحثيثة في إثبات أنهم أسهموا قديما في إنشاء هذه الآثار، وهو ما أدى إلى ظهورها بالشكل الذي ظهرت به!
3ـ أن محاولة تبرير ورود أسماء (الآلهة اليونانية)، سواء في هذه الوثيقة أو على حجر رشيد، بأن (الكهنة المصريين) كانوا يعبرون عن (الآلهة المصرية) بأسماء (مقابلاتها اليونانية) عندما يتحدثون إلى الملوك البطالمة: فيذكرون مثلا (هيفايستوس) Hephaestus رب النار والحدادة عند الإغريق عندما يريدون (ﭘـتاح) Ptah إله مدينة منف ـ مردود عليها بأمور كثيرة، منها:
أ ـ هذه المقابلات المدعاة ليس لها سند مقبول في ظل اختلاف البيئة التي نشأت بها كل ديانة؛ فأنتجت منظومة من المعتقدات لا مثيل لها لدى الديانة الأخرى.
ب ـ أن هذه المقابلات المدعاة لم تقدم آلهة يمكن أن تشبه بعضها البعض ليتم المساواة بينها: فهيفايستوس مثلا في الأساطير اليونانية هوى عند ولادته إلى (قعر بركان) فصار أعرج وقبيحا. وجاء زواجه من "أفروديت" Aphrodite ربة الجمال كعقاب لها، وكي يكون هذا الزواج مثالا للجمع بين الحدين المتناقضين (قمة القبح وقمة الجمال)؛ فما صورة الإله المصري الذي يمكن أن يشبه هذا القبيح، سواء (ﭘـتاح) أو غيره؟!
ج ـ أن لفظ (ﭘـتاح) نفسه تعريب للفظ (فثا) الوارد في الجزء اليوناني على (حجر رشيد)، والطريقة التي استنتجت بها العلامات (الهيروغليفية) التي تدل على هذا اللفظ تطلب من القارئ التسليم بأن ناقش الحجر نسى حين نقش الخرطوش الكبير الوارد بالسطر رقم (12) المكسور من بدايته أن يكتب العلامة الدالة على كلمة (محبوب)، فتحول نطق العلامات إلى (فتحي) وفقا للقيم الصوتية التي يمنحها الأوربيون لهذه العلامات!!
د ـ أنه إذا قبلنا جدلا أن يكون (ﭘـتاح) مكافئا لهيفايستوس، فكيف أمكن لذائقة الكاهن المصري القديم أن يجعل (الشمس) Helius وهي أهم الآلهة في الديانة المصرية القديمة مجرد ابنا لهيفايستوس الأعرج المشوه! ومن يمكن مشابهته إذن ب(زيوس)؟!
هـ ـ أن كاتب هذه الوثائق لم يوازن بين المعلومات التي قدمها فيها مع المعلومات التي سبق أن تم تقديمها عن طريق (حجر رشيد)، فدل ذلك على افتقاده لحرفية أعوزته؛ إذ إنه قدم هنا أسماء (الآلهة اليونانية) باعتبارهم مجرد (أنصاف آلهة) حكموا قبل الطوفان، وتبعهم بعد الطوفان ملوك من البشر، بينما جاء على حجر رشيد وصف متكرر للملوك البطالمة باعتبارهم آلهة كاملة!
4- مقارنة أعداد وأسماء الملوك الواردة في القائمة المنسوبة لمانتو بحائط (بربا أبيدوس) الجنائزي الذي اشتمل على أغطية توابيت أو خراطيش فُسرت بأنها قائمة بأسماء ملوك حكموا مصر بداية من الأسرة الأولى حتى الأسرة التاسعة عشرة يثبت قطعا ألا علاقة لهذه بتلك: فأعداد الملوك بالأسر الـ 18 وفقا لـقائمة مانتو يصل إلى 300 ملك بدون الأسرة السابعة وكذا الرابعة عشرة، بينما الخراطيش الواردة على الحائط (76) فقط، ناهيك عن أنه لا يمكن قراءة العلامات المصرية القديمة داخل الخراطيش وفقا للقيم الممنوحة لها لتنتج حتى بعض الأسماء الواردة في (قائمة مانتو).
5- تعامل مؤسسو (الإيجبتولجي) Egyptology بانتقائية عجيبة مع المعلومات الواردة بهذه الوثائق المنسوبة لمانتو، ففي حين اعتبروا أن بإمكانهم الاستغناء عن أسماء الملوك الواردة بها؛ لأنها لم تتطابق بالطبع مع طريقة نطقهم للإشارات الهيروغليفية المنقوشة داخل الخراطيش، واعتبروا أن بإمكانهم الاستغناء عن الأعداد المحددة للملوك بالأسر وكذا سنين حكمهم لأن بها مبالغات، واعتبروا أن بإمكانهم استبدال (الطوفان) باعتباره حدا بين عصرين بـ (الكتابة) أو (التاريخ) أو (الأسرات)، وأن يخفضوا زمن هذا الحد لتبدأ (الكتابة) و(التاريخ) و(الأسرات) حوالي سنة 3000 قبل الميلاد فيعودوا إلى التوافق مع رواية الكتاب المقدس لمسار (خط الزمان)، وأن (يمنطقوا) كل خرافة وردت به أو يستغنوا ببساطة عنها، اعتبروا أن بإمكانهم فعل كل ذلك وأكثر، والإبقاء في الوقت نفسه على فكرة أن من حكم مصر حتى عصر ما قبل الأسرات كانوا (31 أسرة)!!
هذه الأسر المحدد عددها سلفا إذن عبارة عن صناديق فارغة جاهزة لاستقبال كل ما يمكن أن يتم اكتشافه لاحقا من آثار! أي أن خط زمان التاريخ المصري تم ضغطه من أعلى ليتناسب مع خط الزمان المستخلص من الكتاب المقدس، وتم مطه من أسفل ليكون للأوروبيين مساهمة تاريخية في بناء الآثار المصرية تبررُ لهم سرقتها وتحويلها إلى بلدانهم باعتبارها (بضاعتهم رُدت إليهم)!! ألم يكن ذلك قتلا للتاريخ المصري وتحنيطا له تم في (عصر الاستعمار) الذي لا يلزمنا الآن الالتزام بـ (منجزاته)؟! إن السؤال الآن: ما الذي يجبر المصريين على أن يكون لتاريخهم سقفٌ محدد الارتفاع سلفا من قبل مستعمرين خططوا ألا يرفع رأسه فوق هذا السقف ليتخطاه، في حين أن ارتفاع هذا السقف لا يصل حقا إلى مستوى الركبة؟!