مؤامرة 1916 تتناسل .. مئة عام على أكاذيب صاحب « أعمدة الحكمة السبعة »

19/09/2016 - 12:01:46

محمد القصبي - كاتب مصري

كنت أظن أن مرور مئة عام على حدث محوري مثل انطلاق الثورة العربية 1916 كفيل بأن يشعل مراكز الأبحاث السياسية والتاريخية في الجامعات وخارجها بالحوار حول الدوافع وراء ما حدث، وفيوضات القوميين العرب الرومانسية والتي تدفقت خلال تلك الفترة أحلاما جميلة بالاستقلال عن الاستعمار العثماني، وكيفية التعامل مع صدمة سايكس بيكو، ووعد بلفور.
كنت أظن أن الذكرى جديرة بأن تستحضر من قبل فضائياتنا وصحفنا، ليس على سبيل الانتشاء بالألم، بل لأن ما تشهده الجغرافيا العربية حاليا من مؤامرات هو عملية تناسل للمشهد الأم عام 1916. فإن شئنا فهم موقف الآخر الآن، يتحتم علينا أن نعي جيدا ماذا فعل بنا منذ مئة عام.
خلال الحرب العالمية الأولى تحالفت تركيا مع ألمانيا. ومثل هذا التحالف تهديدا قويا للحلفاء، خاصة بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية. والتقت مصالح الدول الثلاث على ضرورة توجيه ضربة قوية للأتراك في المشرق العربي من خلال حث العرب على إشعال الثورة ضد الأتراك. وبدا على السطح التقاء مصالح القوى الثلاث مع طموحات العرب الذين يسعون إلى الاستقلال عن الإمبراطورية العثمانية التي أذاقتهم مرار التخلف والفقر والقهر، ومحاولة طمس هويتهم من خلال فرض الثقافة التركية. كان الحلفاء - خاصة الإنجليز- يعزفون خلال محادثاتهم مع الشريف حسين بن علي شريف مكة على أنه آن الأوان لأن تعود الخلافة إلى البيت العربي. فالعرب هم أولى بقيادة دولة الخلافة من بيت آل عثمان!
وقد عرفت المراسلات التي تمت بين الإنجليز وشريف مكة بمراسلات حسين - مكماهون. حيث تبودل الرسائل بين حسين بن علي والسير هنري مكماهون الممثل الأعلى لبريطانيا في مصر بين عامي 1915 و1916. كان موضوع الرسائل يدور حول المستقبل السياسي للأراضي العربية في الشرق الأوسط. حيث وعد مكماهون الشريف حسين باعتراف بريطانيا بآسيا العربية كاملة دولة عربية مستقلة، إذا شارك العرب في الحرب ضد الدوله العثمانية. وكانت المجازر التي ارتكبها الضابط العثماني جمال باشا السفاح ضد القوميين العرب في الشام دافعا لقادة حركة استقلال العرب لممارسة الضغوط على الشريف حسين لإعلان الثورة. واستجاب شريف مكة. لتنطلق شرارة الثورة في 10 يونيو 1916. حيث اندلعت المعارك في جدة يوم 13 يونيو واندحرت الحامية التركية. وحرر العرب مكة في 9 يوليو 1916. ليتوالى سقوط المدن والثغور على البحر الأحمر في أيدي الثوار العرب. إلى أن سقط ميناء العقبة في أيديهم في يوليو 1917. وانشق الكثير من الضباط العرب عن الجيش العثماني وانضموا للجيش العربي الذي انطلق في ربوع الشام ليحرر بيروت وحلب وحماة وصيدا وصور وحمص. وفي أكتوبر عام 1917 تم تشكيل الحكومة العربية الأولى في بيروت.
عاش العرب الحلم الجميل. تأسيس الدولة العربية الكبرى. ولم يكونوا على دراية بما يخطط لهم في الخفاء. فإذا كان الهدف الأول للتحالف الثلاثي "بريطانيا – فرنسا – روسيا" توجيه ضربة موجعة للأتراك حلفاء ألمانيا إلا أن هذا الهدف سرعان ما تطور ليصبح تقويض الدولة العثمانية. وتوزيع الميراث في المشرق العربي على الدول الثلاث. لكن هذا الهدف الذي ترجم إلى اتفاقية تفصيلية عرفت باتفاقية سايكس بيكو لم يكن للعرب علم به.
فما دور "توماس إدوارد لورنس" في هذا المخطط؟
حين يكون الحديث عن "لورنس"، يجري اختزاله – حتى بين النخبة المثقفة - في كونه ضابطا بالمخابرات الإنجليزية، كان الرجل أحد أكفأ ضباط الجهاز خلال الحرب العالمية الأولى، حتى أواخر عشرينيات القرن الماضي، لكن للورنس وجوها أخرى قد تكون مثيرة للتساؤل، فهو كاتب ومترجم وعالم انثربولوجيا وآثار، التحق بجامعة أكسفورد عام 1908، وأثار إعجاب أساتذته من خلال بحث ميداني حول التاريخ العسكري. وقد وصف الكاتب الساخر برنارد شو كتابه "أعمدة الحكمة السبعة" بأنه "تحفة من تحف الأدب الإنجليزي".
يقول لورنس في كتابه "إن العربي حين يثق بك ويؤمن برسالتك، سوف يتبعك إلى أقاصي الدنيا. ولو بذل في ذلك حياته!". وهنا تكمن المأساة أن "العربي" وثق في الضابط الإنجليزي وساسة بلاده وصدق وعودهم بالاستقلال والتأسيس للدولة العربية الكبرى. كان لورنس خبيرا أثريا. وعلى علم كبير بآثار المشرق العربي، وألم إلماما جيدا باللغة العربية وتضاريس المنطقة نتيجة زياراته للبنان وسوريا والأردن ومصر وإقامته في أكثر من منطقة عربية لفترات طويلة. تم تعيينه في قسم الخرائط بالقيادة العليا للجيوش البريطانية في القاهرة. وقد أبدى خلال عمله آراء بدت صائبة في الخطط العسكرية البريطانية. لذا رأت القيادة البريطانية أن مكانه الأنسب قسم المخابرات السرية. خاصة وأنه كان على علم تام بالمواقع العسكرية التركية في المشرق العربي. وقد استثمر لورنس علاقته بالعرب لإيهامهم بمقدرته على مساعدتهم في إلحاق الهزيمة بالأتراك. وقام بجولة في الجزيرة العربية، وعضد من علاقاته بالأمير فيصل بن الشريف حسين. حيث رأى في فيصل صفات الزعامة. وبالفعل عمل مستشارا عسكريا له. وخلال الظروف العصيبة التي واجهت الجيش العربي في معاركه ضد الجيوش التركية خاصة في الشام كان صوت لورنس مقنعا للقيادة البريطانية لزيادة دعمها للجيش العربي. بل استخدام القوات الجوية البريطانية في شن غارات على القوات التركية التي حاولت استعادة ميناء العقبة، أو في معارك مدينتي عمان والسلط.
اللحظة التشرشلية
في الوقت الذي كان العالم العربي يترنح بفعل الضربة الموجعة التي وجهتها إدارة المحافظين الجدد بغزو العراق. دعا الكاتب الصحفي الأمريكي توماس فريدمان الإدارة الأمريكية في مقالة بصحيفة الشرق الأوسط "عدد 10 يناير 2005" إلى استحضار "اللحظة التشرشلية". أي إعادة ترسيم تضاريس ومحتويات هذه الأقاليم الشرق أوسطية. طبقا للمصالح الأمريكية.
ما يعنيه فريدمان باللحظة التشرشلية هو ذلك اللقاء الذي تم بين ونستون تشرشل وزير المستعمرات البريطاني والضابط توماس إدوارد لورانس الذي عينه تشرشل مستشارا للوزارة في فندق سميراميس على هامش مؤتمر القاهرة الذي نظمته بريطانيا يوم 2 مارس 1921 لبحث المعضلات التي تواجه المصالح البريطانية في المنطقة، حيث قام الرجلان، وهما يتناولان العشاء بتقسيم العالم العربي! بالطبع مسترشدين باتفاقية سايكس بيكو. ولم يأبها بأن النخب السياسية العربية عرفت بأمر المؤامرة بعد فضح البلاشفة الروس للاتفاق السري بين لندن وباريس وموسكو القيصرية. لأنهما يعرفان أن "العربي" نقي، وحسن النية وبالتالي يسهل خداعه ببضعة وعود لن تنفذ، وهذا تشخيص "لورنس" لأصدقائه العرب طبقا لما جاء في كتابه "أعمدة الحكمة السبعة"، حين قال: "كنت أعلم أننا إذا كسبنا الحرب فإن عهودنا للعرب ستصبح (أوراقا ميتة) غير أن الاندفاع العربي كان وسيلتنا الرئيسية في كسب الحرب الشرقية، وعلى ذلك فقد أكدت لهم أن بريطانيا سوف تحافظ على عهودها نصا وروحا، فاطمأنوا إلى هذا القول، وقاموا بالكثير من الأعمال المدهشة، ولكني في الواقع بدلا من أن أشعر بالفخر لهذا الذي فعلته، كنت أشعر دائما بنوع من المرارة والخجل".
ويسوق لورنس تبريرا غريبا إن لم يكن ساذجا لكذبه وخداعه حين يقول: "إن الرجل إذا ألقت به الظروف إلى من لا يماثلونه عاش بينهم ولا ضمير له، لأنه قد يعمل ضد صالحهم أو يستميلهم إلى غير ما يحبون لأنفسهم، وهو يتحايل بدهائه ليغلب دهاءهم، وهكذا كنت مع العرب، كنت أقلد أحوالهم فيقلدونني حكاية واقتداء، وكنت أخرج على مألوفي وأتظاهر بمألوفهم". ويتجاوز محاولته تبييض وجهه - على الأقل أمام نفسه- ليواصل اعترافاته المثيرة قائلا:
"لم أبلغ درجة من الحمق تجعلني لا أدرك أنه لو قضي للخلفاء أن ينتصروا وأننا لو كسبنا الحرب فإن هذه الوعود سوف تكون حبرا على ورق، ولو كنت مناصحا شريفا للعرب لنصحتهم بالعودة إلى بيوتهم وسرحت جيشهم وجنبتهم التضحية بأرواحهم ودعوتهم إلى عدم المخاطرة بحياتهم في مثل هذه الحرب، أما الشرف فقد فقدته يوم أن أكدت للعرب بأن بريطانيا ستحافظ على وعدها، لقد كان قواد الحركة العربية يفهمون السياسة الخارجية فهما عشائريا بدويا، وكانت طبيعة قلبهم وصفاء نيتهم وانعزالهم عن العالم الغربي تخفي عليهم ملتويات السياسة وأخطاءها، وتشجع البريطانيين والفرنسيين على القيام بمناورات جريئة يعتمدون في نجاحها على سذاجة العرب وضعفهم وبساطة قلوبهم، وكانت لهم بساطة في التفكير وثقة في العدو".
لكن هذا الشعور بالإثم لم يمنعه أن يقول: "إنني أكثر ما أكون فخرا أن الدم الإنجليزي لم يسفك في المعارك الثلاثين التي خضتها لأن جميع الأقطار الخاضعة لنا لم تكن تساوي في نظري موت إنجليزي واحد، لقد جازفت بخديعة العرب لاعتقادي أن مساعدتهم كانت ضرورية لانتصارنا قليل الثمن في الشرق، ولاعتقادي أن كسب الحرب مع الحنث بوعودنا أفضل من الهزيمة!".
المذهل أن كتاب "أعمدة الحكمة السبعة" الذي كان أحد أكثر الكتب الكلاسيكية رواجا في الغرب منذ طبعته الأولى عام 1926 والذي كال له تشرشل المديح حين قال عنه: "إن غنى الموضوع، وقوته، وميزة الأسلوب الرفيعة وتلك الشخصية الصوفية التي لا حدود لها، رفع هذا العمل الجبار إلى ما فوق مستوى جميع المؤلفات المعاصرة ".
هذا الكتاب يراه صاحبه مهزلة! ويطفح بالأكاذيب. وهذا ما قاله لورنس لأحد أصدقائه: "إن كتابي بني على أكاذيب ولأنني قد أصبحت بطلا أسطوريا فقد كان من الضروري أن أعيش هذه الأسطورة"! وقال أيضا في رسالته لصديقه إدوارد جارنت: "إن كتابي مهزلة لا تستحق أن تقرأ!".
فهل أمضى "لورنس " سنوات ما بعد مآسيه في الصحراء العربية يقضم أظافره ندما على ما فعله ب"أصدقائه" العرب؟
لقد أتى صاحب "أعمدة الحكمة السبعة" بفعل يتناقض تماما مع بوحه الباكي هذا سواء الذي ورد في كتابه أو في رسائله لأصدقائه، والذي ينتمي بجدارة لما يسميه النقاد ب"أدب الاعتراف"، حين لبى نداء حكومته ليمارس الأكاذيب مجددا. لكن في جغرافيا أخرى. ففي عام 1926 - عام صدور الكتاب - توجه بتعليمات من مخابرات بلاده إلى أفغانستان التي استعصت على الجيوش البريطانية في حربين باهظتين. حيث استقر في محمية ميرانشاه على بعد ستة عشر كيلومترا من الحدود الهندية الأفغانية. وبدأ يمارس لعبته في حشد القبائل أو الوقيعة بينها بما يخدم مصالح الإمبراطورية.
ثمة سؤال سوف يراود كل من يقرأ سيرة إدوارد لورنس: ما الذي يدفع مثقفا وكاتبا وعالما مثله إلى الانزلاق في وحل التعامل مع جهاز استخباراتي، ويتآمر على أحلام شعب يتطلع إلى الحرية والاستقلال؟
في كتابه "اللامنتمي" يقدم المفكر الإنجليزي كولن ولسون وصفا للورنس قائلا: كان يفكر أكثر مما يجب، وهذا التفكير المتواصل جرده من كل هذه المفاهيم المباشرة عن العالم وجعله غير قادر على تجربة أي كائن آخر غير نفسه فصار سجينا في عقله!
ولو كانت رؤية كولن ولسون صائبة، فقد سجن لورنس في عقل ضابط المخابرات المتآمر، وليس عقل المثقف ضمير الإنسانية ورأس حكمتها! لذا لا يرى العالم إلا بكونه غنيمة، يقتضي الانقضاض عليها التسلح بالتآمر والخداع!