عين الموسيقيّ تسمع حين لا تسعفه الأذن

19/09/2016 - 11:59:39

د. رانيا يحيى - عازفة وكاتبة مصرية

أضاءت عقولهم نورا فولد الإبداع، وامتدت أنظارهم للمستقبل بمحاور بعيدة فكشفت مكنون خباياهم بنغمات ساحرة عشقها العالم أجمع، فلم يحدهم العجز عن انطلاق الموهبة، بل كان الإصرار هو الهدف، كما كان هدم اليأس هو الشعار. لقد أنعم علينا الله سبحانه بالحواس التى تنتقل الأشياء الكائنة من خلالها إلى الذهن، ومنافذ الإدراك هذه تساعد الشخص فى عملية الإبداع سواء كمتلقين أو كفنانين فنحن نتلقى الفنون بهذه المدركات أولا قبل أن تنتقل إلى مراكز المخ كى يتعامل معها، كذلك المبدع يتعامل مع وسائطه الفنية بحواسه فهو يميز الألوان بحاسة البصر ويتعرف على الأشياء بحاسة اللمس ويميز النغمات الموسيقية وطبيعة أصواتها اللحنية بحاسة السمع وهكذا.
وعندما يصل الإبداع إلى قمته أتذكر الدكتور ثروت عكاشة حين وضع لكتابه الرائع الزمن ونسيج النغم عنوان "العين تسمع والأذن ترى" وهو ما يؤكد تداخل الحواس والمدركات حيث تتعانق داخل الشخص وتستشعر الفن وكأنها تمتصه وتلتهمه من الوجود بكل الأحاسيس دون تفرقة بين حاسة وأخرى، ووصول الإبداع الفنى إلى حالة الذوبان مع أحد الفنون هو ما يجعلنا أيضا نترجم العبقرية الإنسانية والفنية للموسيقى الألمانى لودفيج فان بيتهوفن (1770 ـ 1827) الذى قال عنه موتسارت: "اهتموا بهذا الصبى فسيكون حديث العالم في المستقبل" حيث أعطى البشرية مثالا يحتذى به فى الأمل والصبر وعدم اليأس وهو فى الثلاثينيات من عمره حين ذاع صيته كمؤلف موهوب له أسلوب خاص، ولكن بدأت تحل عليه الكارثة في فقدان سمعه، وظل ينسحب من الأوساط الفنية تدريجيا، ولم يتوقف إنتاجه الفني رغم ذلك، وأمضى حياته بلا زواج رغم ارتباطه بعدة علاقات عاطفية، ومع ازدياد حالة الصمم التي أصابته امتنع عن العزف في الحفلات العامة، وابتعد عن الحياة الاجتماعية واتجه للوحدة والعزلة، وأصبحت مؤلفاته أكثر تعقيدا وجرأة من وجهة نظر النقاد مما جعله يبرر هذا قائلا إنه "يعزف للأجيال القادمة" وبالفعل ما زالت أعماله التى ألفها وهو أصم من أهم ما أنتجته البشرية فى مجال الموسيقى الكلاسيكية العالمية حتى اليوم، علاوة على ما حققته من جماهيرية وشعبية خاصة السيمفونية الخامسة "القدر" والتاسعة "الكورالية".
فقد جمع بيتهوفن بين عظمة الفنان وقوة الشخصية، ويتضح ذلك من خلال أعماله التى هى خلاصة نابضة لتجربة نفسية عميقة وتعبيرا موسيقيا صادقا عما كان يعتري حياته من قلق وما يجول في نفسه من ألم إزاء ما أصابه من كارثة الصمم، وبإيمان لا يتزعزع تقبل القدر لذلك ابتعدت موسيقاه عن الروح الكلاسيكية بتحفظها واتزانها واقتربت من الرومانتيكية بعواطفها الجياشة والعمق في الإحساس والقوة في التعبير. وتعتبر أغلب مؤلفات بيتهوفن من الموسيقى الذاتية أى التى يظهر فيها الجانب الشخصى فتتجسد مشاعره وأفكاره واتجاهاته ورؤاه الخاصة. ومن أكثر العوامل التى أثرت في نزعاته كانت الظروف السياسية والاجتماعية في مجتمعه والتى كان لها أثر كبير في وجدانه وتشكيل وعيه، وبالتالى انعكست على مؤلفاته فهو رغم العزلة وعدم الانخراط في المجتمع بشكل كبير إلا أنه كان على دراية ووعى وعلى قدر كبير من المسؤولية بكل ما يدور في المجتمع من مستجدات. ويتميز بيتهوفن بخياله الخصب وعبقريته الفائقة في صياغة الأفكار الموسيقية، ويمثل تراثه الموسيقى تسع سيمفونيات تتميز بالضخامة والعظمة وتتضح فيها شخصيته الفريدة مما أكسبها شكلا جديدا تماما، بجانب الخمس كونشيرتات للبيانو وكونشيرتو الفيولينة وافتتاحيات أوركسترالية أهمها "كورليان"، "ليونور" و"ايجمونت"، كما اهتم بتأليف أعمال أخرى لآلة البيانو مما يبرهن حبه الشديد وعشقه وارتباطه بهذه الآلة التى اعتاد العزف عليها منذ سنواته الأولى فكتب اثنتين وثلاثين سوناتا أشهرها (ضوء القمر والعاصفة)، بالإضافة لأعمال موسيقى الحجرة حيث كتب ست عشرة رباعية وترية وسوناتا للفيولينة والبيانو وخمس سوناتات للتشيللو والبيانو، وكتب أوبرا واحدة هى "فيديليو" جسد فيها قوة العدالة من خلال امرأة اسمها ليونور تنكرت في شخصية رجل، وأطلقت على نفسها فيديليو لتحصل على ثقة الحارس وتحرر زوجها من السجن وتعكس القصة أحاسيس مختلفة تجاه الكفاح من أجل الحرية والمثالية. فهو دائما ما يبحث عن الفضائل ليبثها في الوجدان، فالفن لديه رسالة هادفة وسامية، وهو خير مثال للفنان الذى لم يستسلم للقدر بل تحدى المعوقات ووصل حبه للموسيقى أنه يستمع إليها داخليا بحواسه الأخرى وأحاسيسه الصادقة وموهبته العبقرية فأنجب للبشرية أعظم المؤلفات العالمية.
أما المؤلف الثانى صاحب القلب البوهيمى النابض، كما وصفه المجري فرانز ليست، فهو فريدريك سميتانا (1824 ـ 1884). سميتانا من أهم المؤلفين القوميين التشيك حيث كتب العديد من المؤلفات الموسيقية التى يزخر بها ربرتوار الموسيقى الكلاسيكية الغربية والتى لاتزال تقدم فى أكبر مسارح وأوبرات العالم منها الافتتاحية الاحتفالية، والسيمفونية الاحتفالية، وثلاثية البيانو والرباعى الوترى من حياتى، وأغنية الحرية للكورال ومجموعة من القصائد السيمفونية بجانب أعماله للمسرح والأوبرا منها مقايضة العروس، القبلة، الأرملتان، حائط الشيطان. وكتب سميتانا دراما موسيقية تاريخية نادت بالتحرر من الاضطهاد الوطني والاجتماعي، وكوميديا أوبرالية عن حياة الناس اليومية تعتمد إيقاع الفرح بالحياة وألحان الرقص فى بوهيميا. وظل يعمل لبلده ويكافح المستعمر الغاصب عن طريق الموسيقى.
ومن أهم ما كتب فى تاريخ الموسيقى العالمية قصائده السيمفونية الست المسماة "وطني" والتى أعرب فيها عن جمال بلاده ووصف سحرها بخيالاته واستلهم فيها الملاحم والأساطير والألحان التشيكية الشعبية وعبر في مادتها الموسيقية عن ريف بوهيميا، وجبل بلانيك، ومدينة تابور، ونهر فلتافا، وقلعة فيسيهارد، وقد عزفت وطنى فى الاحتفالية الكبرى بعد استقلال تشيكوسلوفاكيا عام 1918، والمدهش أن إسرائيل أخذت مقطعا من هذا القصيد السيمفونى وجعلته النشيد الوطنى لها متناسية أو متجاهلة عن عمد أنه تعبير من مواطن تشيكى عن بلاده، وأن هذه الموسيقى النشيد الوطنى الثانى للتشيك وأنها موسيقى كرسها سميتانا لوطنه وسماها بهذا الاسم وكانت سندا للشعب للمناداة بالتحرر، لكنه ليس بغريب على من اغتصب أرضا أن يغتصب فنونا وثقافات وهوية وينسبها لنفسه؛ لأنه أجوف لا يمتلك تراثا ثقافيا وفنيا، فهم ينتزعون الإبداع عنوة لتزوير الحقائق بشكل متعمد!
ولا يعرف الكثيرون ما أصاب سميتانا فى أواخر حياته حيث فقد سمعه قبل وفاته بعشر سنوات تقريبا، وهو بعد بيتهوفن يعد النموذج الثانى الذى تعامل مع موهبته الفذة حتى فى أحلك الظروف، فالسمع بالنسبة للموسيقى هو كل حواسه التى يرى ويتذوق من خلالها الوجود. لكنهما لم ييأسا وأبدعا أروع الألحان الموسيقية التى تعد زخرا موسيقيا حقيقيا للبشرية جمعاء.
والمدهش أن هناك من يحاول أن يبنى شهرته على حساب عبقرية بيتهوفن، مثل مامورو ساموراجوتشي الملقب بـ "بيتهوفن العصر الرقمي" و"بيتهوفن اليابان"، إذ اعتذر منذ ما يزيد على سنتين عن كذبه الذى استمر أكثر من ثمانية عشر عاما، وكان اليابانيون نتيجة لصممه يعتبرونه بيتهوفن جديدا يحمل نفس العبقرية لكن مامورو اعترف صادما الشعب اليابانى الذى طالما تعاطف معه، حين كشف حقيقة استعانته بمدرس موسيقى يدعى تاكاشى نيجاكى، وأن هذا الأمر كان سرا بينهما إلى أن أراد مامورو أن ينهى خداعه قائلا "أشعر بحرج شديد أفضل من أعيش حياة تنطوى على أكاذيب" ومن أشهر مؤلفات ناجاكى والتى حصلت على شهرة كبيرة جدا ونسبت لساموراجوتشى سيمفونية هيروشيما وأصبحت مقطوعة وطنية للمنطقة التى اجتاحها تسونامى، بالإضافة لما قدمه من أعمال موسيقية سينمائية وألعاب فيديو لكن جميعها تدخل ضمن ادعاء الموهبة والفن على غير الحقيقة. فبيتهوفن حالة فريدة فى العالم صاحب الإبداع والتراث الموسيقى الخالد هو الثائر العظيم ومبدع أنغام تلتهم الأحزان، وإن كان سميتانا أصيب بالحالة نفسها لكنه لم يصل للمكانة نفسها من الإبداع والبراعة.
إلا أنهما رغم معاناتهما أصبحا أصحاب هامات عالية ونماذج نتمنى الاقتداء بها، ففقدان حاسة ليس هو النهاية بل قد يكون بداية الانطلاق للإبداع والإلهام غير المكبل بالأغلال وليس رهينا للحواس، وإنما العقل يمكنه تحويل قدراته لملكات إبداعية تباغت العالم أجمع، فالصمم الحقيقى ليس فى حاسة السمع بل هو صمم الذهن وبقية أعضاء الجسد. ونحن الأصحاء بحاجة لتعلم المثابرة والعزيمة ممن انتصروا لقوة إصرارهم وأملهم حتى وإن كانوا فقدوا إحدى الحواس، أما نحن فقد سلمت حواسنا ولكن لم تسلم عقولنا بالقناعة والإرادة.