رسائل العتاب بين جمال عبدالناصر وتحية كاظم

19/09/2016 - 11:56:39

جمال عبد الناصر وتحية كاظم جمال عبد الناصر وتحية كاظم

د.هاشم قاسم - طبيب وكاتب مصرى

يحتوي الجزء الأول من أوراق جمال عبدالناصر الخاصة التي أعدتها ابنته الدكتورة هدي عبدالناصر، عدة رسائل ما بين جمال عبدالناصر وزوجته تحية محمد كاظم أثناء حرب فلسطين 1948 نلمس فيها مشاعر إنسانية دافئة ما بين الزوجين خاصة بالأشواق والود والعتاب تؤكد من يحمل مهمة ثورية لتغيير مجتمعه يحمل أيضاً مشاعر إنسانية رقيقة نحو المرأة.
لأن العمل الثوري في طبيعته يقوم علي مشاعر عاطفية جياشة ترفض الظلم وتحلم بالعدالة وتتعاطف مع الضعفاء أصحاب الحق.
في بعض هذه الرسائل يتكرر العتاب قد تبدو لأسباب بسيطة لكن في عالم المحبين تصبح كبيرة بل فظيعة.. لكي نفهم العتاب لا بد أن ندرك أولاً مقدار الحب بينهما.
اطلع معي علي هذه الرسالة التي تفيض بالعاطفة الجياشة وقد خطها جمال عبدالناصر إلي زوجته وهو بأرض فلسطين في السابع والعشرين من أغسطس 1948.
«أنا في شدة الشوق لك وللأنجال العزاز وأعد هذه الأيام يوماً يوماً في انتظار اليوم الذي نلتقي فيه ولو لمدة قصيرة فأنت أعز شيء عندي في الوجود.. وأي جمال لا أشعر به لأنه ناقص ولا يكتمل إلا بوجودك بجواري».. وكالعشاق الولهانين يظل طيف المحبوبة يقابله في كل لحظات حياته - طيفك ده تملي شاغلني مطرح ما أروح يقابلني - «وأنا لا يمر يوم إلا وأراك بجانبي أو أمامي مرات كثيرة.. أراك وأنت في الصالة مع هدي ومني وأراك تخرجين من حجرة إلي حجرة.. أرجو أن نجتمع قريباً يا حبيبتي وأنت في أسعد حال.. فأنا لا تكتمل سعادتي إلا بوجودك أنت وهدي ومني بجواري».
وفي رسالة أخري يقول لها «أرجو أن تكوني مطمئنة جداً فأنا في أحسن حال ولا ينقصني شيء إلا أنتم ولو أني أشعر أني أعيش معكم باستمرار فإنكم لا تغربوا عن ذاكرتي مطلقاً في الصباح والمساء».
كالعاشقين يقلقه أي مكروه يصيب محبوبته فعندما علي ما يبدو أنها انهارت في محادثة هاتفية معه يرسل لها «عزيزتي تحية.. أكتب لك بعد انتهاء الحديث التليفوني معك وأعتقد أن الواجب أن تمسكي أعصابك فلا داعي مطلقاً لهذا القلق أنا هنا أقضي الصيف في مكان جميل».. تعده تحية بالاستجابة لطلبه في رسالة لها بتاريخ 30 يونيو 48 برغم صعوبة ذلك «أكتب لك بعد ما كلمتني بالتليفون وسمعت صوتك المحبوب وسأحكم أعصابي كما قلت لي في جوابك وما عهدي إلا طاعتك يا حبيبي».
مفاجأة الالتقاء بالحبيب تكون أسعد اللحظات بالذات إذا كانت ليست في الحسبان.. يقول جمال لتحية «لقد كانت مفاجأة سارة لما طلبت منزل السيد بك يوسف بالتليفون حتي أبلغك أني بخير.. لقد كانت مفاجأة سارة عندما سمعت صوتك تردين عليّ».
في رسالة أخري لتحية بعد حصار الفالوجا نلمس منها إدراكه لمدي قلقها عليه والحزن الذي يكتنفها مما يجعلها تبتعد عن مباهج الحياة ولأن جمال يقدرها بشدة ويضايقه أن تصيبها تلك المشاعر يقول لها في رسالة بتاريخ 6/12/48 «قد علمت من العم أنك لا تغادري المنزل مطلقاً وكل رجائي أن تكوني مطمئنة جداً وأن تحافظي علي نفسك وعلي الأولاد.. وأن تعملي علي الترويح عن نفسك وعن الأولاد باستمرار وإن شاء الله قريباً نجتمع سوياً ونمضي أيام سعيدة.. ويجب أن تكوني مطمئنة جداً.
ولك يا حبيتي قبلاتي التي لا حصر لها وأشواقي، قبلاتي للعزيزات هدي ومني».
كالمحبين العاشقين الذين ينتظرون بفارغ الصبر ورود خطاب من محبوبتهم «ستصلني اليوم خطابات باسمي وأتعشم بفارغ الصبر أن يكون فيها جواب منك فقد وحشتني جداً جواباتك».. وفي خطاب آخر يقول لها «الحقيقة أني كل يوم أنتظر البريد لعلي أجد جواب منك.. وأنا أراك في المنزل عند حضوري وعند خروجي إن شاء الله سأعود إليك بعد النصر.. وبعد أن شعرت بالحاجة إليك.. والحقيقة فإن قيمتك عندي لا يمكن أن تقدر».
بعد وصول الخطاب يكون شديد السعادة به «وصلني اليوم جواب منك بتاريخ 26 نوفمبر 1948 وقد كنت منتظره بفارغ الصبر.. وقد عرفت خطك من ضمن خمسة جوابات وصلتني وكان هو أول جواب فتحته وقرأته حتي الآن مرات عدة متتالية فهو أول جواب يصلني منك من مدة شهرين» هكذا جمال ككل العشاق يتحرك بقوة خفية تجعله يقرأ خطاب حبيبته عدة مرات برغم أن الكلمات هي هي.. يخبرها في خطاب آخر بإبقاء خطابها أمامه لساعات كأنه في محراب يتعبد فيه أمام معبوده «كتبت لك صباح اليوم بعد استلامي جوابك والآن بعد الظهر أكتب لك هذا الجواب والحقيقة أنكم وحشتوني جداً وأن جوابك موجود أمامي منذ وصوله حتي الآن».. من شدة شوقه يكتب لها خطابين في يوم واحد.
وفي خطاب آخر بتاريخ 20 يونيو 1948 يحدثها بمناسبة عيد زواجهما الرابع «وأنا في هذا الشهر من يونيو بالذات.. الشهر الذي ارتبطنا فيه.. أذكر السنين التي قضيناها معاً يوماً يوماً.. وأني أجدها كلها أيام سعيدة وأشعر أنك كنت السبب في هذه السعادة التي أرجو أن تدوم» وفي ختام الخطاب يريد أن يطمئن من يحب علي حاله حتي لا تقلق فيقول بخفة ظل برغم أنه في أجواء معركة وحرب كمن «يقضي الصيف في الشام».
كعادة من يحب يظل يبحث حتي يهدي محبوبه بأجمل هدية «اشتريت بعض الهدايا من القدس حاجة تذكارية وهي أحسن الموجود أرجو أن تعجبك».
وتحية كاظم لا تقل عنه شوقاً بل إن القلق علي زوجها الذي بأرض المعارك يشحن مشاعرها نحوه بشكل أكبر.. يحدث عبدالناصر حسين ابنه جمال في خطاب له «حضرت يوم 5 الجاري - 5/6/48 - فكدت لا أعرف تحية كان نصف وقتها بكاء والحمد لله بعد أن اطمأنت ابتدأت تتحسن حالها».. تقول تحية لحبيبها جمال «منذ سافرت يا حبيبي والبيت مظلم في نظري.. وأنا بأعد الأيام يوماً يوماً حتي يأتي اليوم السعيد يوم حضورك».
تحية
اكتب لي جوابات كثيرة يا جمالي.
وفي خطاب آخر تقول تحية لحبيبها جمال «أكتب إليك وصوتك ما زال في أذني بعد حرماني من سماعه أياماً طويلة.. ما أسعدها تلك اللحظات التي كنت أسمعك فيها تكلمني.. أرجو أن تكررها وما عهدي بك إلا إسعادي».. عهدي بك إلا إسعادي.. مهمة كل حبيب نحو حبيبه هي إسعاده لا استحواذه.. ثم تطلب منه «لا ترسل نقوداً مرة أخري فمعي ما يكفي وزيادة.. لا أريد شيئاً في الوجود إلا أن أراك قريباً جداً» وفي الحقيقة كان جمال يسعي دائماً أن تكون زوجته مرتاحة في معيشتها لذلك دائماً في رسائله يخبرها بالشيكات المرسلة «أرجو أن تكوني استلمت الفلوس التي أرسلتها لك يوم 12 الجاري وعشمي أن تكوني مرتاحة في معيشتك».. «سأرسل لك أول الشهر أي مبلغ تحتاجين إليه.. أرجو أن لا توفري أو تحاولي توفير شيء».. «فأنا لا أحتاج إلي الفلوس هنا ولا أحتاج إلي أي شيء».. وفي موضع آخر يكرر سؤالها في أكثر من خطاب «هل أحضرت خادمة»، فترد عليه «لم أحضر خادمة للآن وكنت أود أن لا أخبرك حتي لا تتضايق.. لكن دي مش مهمة عندي الآن فكل راحتي أن أكون مطمئنة عليك وأراك قريباً».. يطلب منها أن ترفه عن نفسها وتخرج بابنتيه هدي ومني ليتنزهن.. وتلبي تحية طلبه وتعده «إن شاء الله سأذهب بهما - هدي ومني - لجنينة الحيوانات وجنينة الأسماك كما قلت.. لو أني لم أذهب لجنينة الأسماك لكني أعرف مكانها جيداً» لاحظ التناقض الجميل التلقائي خفيف الظل.. لم تذهب إلي جنينة الأسماك لكن تعرف مكانها جيداً!.
تحدثه بمناسبة قدوم شهر رمضان في 8 يوليو 48 وهو ليس بينهم بطقوسه المميزة «اليوم أول رمضان كل عام وأنت بخير إليه رمضان غريب عليّ أين البهجة والمرح أين الحياة كلها تعبر عن جمالي حبيبي فأنت حياتي وكل شيء في الوجود».. يرد عليها جمال في 15/7 «كل سنة وأنت طيبة.. طبعاً أنا إن شاء الله أصوم لما أرجع لك.. وطبعا راح أختار شهر في الشتاء عشان أفطر الساعة الخامسة» علي الرغم ما في الرد من خفة ظل يظهر أن جمال تدينه لا تصلب فيه أو تعسف.
علي قد هذا الشوق والمودة يكون العتاب والغضب لأقل هفوة أو الشعور بالإهمال أو الظن بقلة الاهتمام.. عندما قلت الخطابات المرسلة من تحية لجمال أصابه الضيق هل قل شغفها به وهو بعيد عنها بأرض فلسطين حياته معرضة للخطر «كل يوم انتظر ميعاد وصول البريد ولكن دون جدوي وقد كنت أستلم جواب كل يومين تقريباً.. ولكن يظهر الكسل».
لم ترض تحية أن تتركه في قلقه أو هواجسه - مع أن بعض المحبين يسعدهم ذلك - فترد عليه بعدها بأربعة أيام في 4 سبتمبر 1948 «سلامي وقبلاتي الزائدة وأشواقي لك.. أرجو أن تكون في أحسن حال.. وصلني جوابك وقد أرسلت لك جوابين لعلهم وصلوا.. فأنا مهما بلغ الكسل مني إلا الكتابة لك يا حبيبي.. نحن الآن في غاية الفرح لقرب حضورك وأشعر أن كل شيء أمامي جميل فما الجمال في نظري إلا بوجودك بقربي».
تكثر تحية هي الأخري من معاتبة حبيبها جمال لتأخره في المراسلة أو المحادثة هاتفياً الذي وعدها أنه سيحدثها مرتين أسبوعياً «سأكلمك الأربعاء وإذا لم أتكلم فسيكون السبب هو انقطاع التليفون وسأتكلم الأحد.. أي سأعمل ترتيب الكلام يوم الأربعاء والأحد باستمرار عند عبدالحميد.. إذا كان الوالد موجود فأحضريه عند الكلام في المرة التالية.. سيكون الكلام حوالي الساعة الثالثة».
برغم أن جمال أخبرها أنه لابد أن يكون هناك سبب قهري لعدم اتصاله إلا أن تحية تقلق لو حدث «عزيزي جمال.. انتظرتك أمس لتكلمني بالتليفون ولم تكلمني.. أنا في غاية الانشغال عليك.. أرجو أن يكون المانع هو كثرة الانشغال».. نلمح هاجساً ينتاب تحية - ككل المحبيبن الشغفين بمن يحبون - من عدم وفائه بالاتصال بها هل أصابه مكروه.. هل قل اهتمامه بها فتكاسل عن محادثتها.
وفي خطاب آخر تقول له بعدها بأربعة أيام وهي ذاهبة إلي عبدالحميد - الشخص الذي لديه هاتف ولم تعطنا دكتورة هدي نبذة عنه - لتتلقي مكالمته «قبلاتي التي لا عدد لها وأشواقي لك.. أرجو أن تكون في أحسن حال.. سأذهب الآن لأنتظرك تكلمني.. أرجو أن تكلمني لأني الحقيقة المرة اللي فاتت رجعت زعلانة ومشغولة جداً لأنك قلت أنك ستكلمني ولم تتكلم».
لم يتركها جمال في حيرتها فأرسل إليها خطاباً بعد خطابها السابق بثمانية أيام في السادس من أكتوبر 1948 «قبلاتي الزائدة وأشواقي لم أكلمك يوم الاثنين نظراً لانشغالي.. وأرجو أن تلاحظي أن المسافة بيني وبين التليفون 60 كم وليس من السهل أن أذهب إذا كنت مشغول ولا داعي مطلقاً للانشغال فنحن في هدنة والحمد لله».
بعدها بيوم يرسل خطاباً آخر يؤكد ما قاله «أكتب لك الآن الساعة التاسعة بعد أن كلمني عبدالحكيم بالتليفون وبلغني أنه كلم عبدالحميد.. وأنا في شدة الأسف لأني لم أستطع في هذه المدة الكلام بالتليفون وذلك لشدة انشغالي.. ولعدم وجود من يحل محلي حتي أخلي نفسي وأتوجه للكلام وهذا المشوار يستغرق ثلاث ساعات علي الأقل لأتكلم 3 دقائق وأني باستمرار أضحي بتعبي وبالمشوار مهما كانت الظروف ولكني اليوم ويوم الاثنين الماضي ويوم الخميس الماضي لم أتمكن مطلقاً من وجود وقت للكلام في التليفون مع مصر وكلفت أحد الأصدقاء بالكلام يوم الاثنين وكلفت عبدالحكيم بالكلام اليوم ولا داعي مطلقاً للانشغال وإن شاء الله سأكلمك يوم الخميس المقبل».
لكن هل يرضي تحية أن يرسل صديقه عبدالحكيم ليتصل بها هاتفياً بدلاً منه «ذهبت بالأمس لأنتظرك لتكلمني لكني وجدت - لاحظ الصدمة التي أصابتها - عبدالحكيم أفندي تكلم مع عبدالحميد وأخبره في أنك في جهة بعيدة وأنا لازلت قلقة جداً ويزيد في انشغالي اليوم تأخر جوابك وكنت منتظراه بفارغ الصبر.. وأنا الآن في انتظار جواب منك يطمني يا حبيبي».. الحل الذي ارتآه جمال في أن يرسل صديقه بالاتصال نظراً لانشغاله لم يغير شيئاً لها فمن يحب لن يرضي إلا بحبيبه ليحدثه بدلا من ينوب عنه.
ظلت تحية راضية بحبها لجمال مكتفية بحبه لها حتي بعد أن صار زعيم الأمة لا تحاول الاستفادة من منصبه أو الظهور الاجتماعي أو ممارسة أنشطة اجتماعية أو ثقافية الغرض منها البلورة والبروز.. لأن هذه الأنشطة إذا كان المجتمع في حاجة إليها لا تحتاج لحرم الرئيس لكي يكتب لها الوجود.. وعندما قرر التنحي عام 67 لم تراجعه وقالت أنها في أي قرار يتخذه ولا مشكلة لديها لتعود معه كما كانوا قبل قيام الثورة أسرة صغيرة تود بعضها دون صخب الرئاسة.. لأن ما بينهما حب حقيقي لا يبغي أي منهما منفعة من ورائه.