عنقاء عصرية .. تباشير لحل مشكلة الجوع إلى الطاقة بتقنيات نظيفة

19/09/2016 - 11:55:48

طائرة الدفع الشمسيّ رقم 1 طائرة الدفع الشمسيّ رقم 1

د. نبيل حنفي محمود - كاتب مصري

قبل أن تبدد أشعة الشمس غبشة الصباح الخفيفة بعد فجر الأربعاء الثالث عشر من يوليو 2016، ظهرت طائرة غريبة الشكل في سماء القاهرة، حلقت أولا فوق أهرام الجيزة، قبل أن تهبط بعد نصف الساعة ومع شروق الشمس في مطار القاهرة. كانت الطائرة التي تحمل اسم "الدفع الشمسي رقم 2" Solar Impulse2 أول طائرة في العالم تعمل بالطاقة الشمسية، من دون الاستعانة بأي نوع من أنواع الوقود.
بدت الطائرة أثناء تحليقها وخلال هبوطها بمظهرها الخارجي الذي لا يشبه كثيرا المألوف من الطائرات، وكأنها طائر ضخم مبهم المعالم، مما يجعل من رآها لا يجد اسما لها خير من اسم العنقاء، ذلك الاسم الذي أطلقه قدماء العرب على طائر خرافيّ مجهول الجسم.
تستمد الطائرة التي تعمل بالطاقة الشمسية احتياجاتها من الطاقة من مصفوفات من الخلايا الكهروضوئية، شأنها في ذلك شأن الكثير من المعدات الأخرى كالسيارات الشمسية والمحركات الحرارية الشمسية التي تنتج الطاقة الكهربية، ويرجع اكتشاف الخلايا الكهروضوئية إلى عام 1876، عندما اكتشف الفيزيائي الفرنسي هنري بيكريل التأثير الكهروضوئي أو الفوتوفولتي Photovoltaic Effect ، ذلك التأثير الذي تحول إلى نظرية على يد ألبرت إينشتاين، وكان نص تلك النظرية: "عندما تسقط فوتونات الضوء (نبضات من الطاقة) على سطح من السيلكون، فإن سيلا من الإلكترونات سوف ينبعث من هذا السطح، فيولد تيارا كهربيا عبر سلك معدني يوضع أمام السطح السيليكوني"، ويستخلص السيليكون البللوري بالغ النقاء، والذي تصنع منه الخلايا الكهروضوئية، من صهارة الرمال البيضاء، ويحفظ التاريخ أن أول بطارية من الخلايا الكهروضوئية أنتجت عام 1953 بالاتحاد السوفيتي السابق، وكان الهدف من إنتاجها تأمين الطاقة الكهربية اللازمة لتشغيل القمر الصناعي سبوتنيك -3، الذي وضع بمداره في 15 مايو 1958 (فلاديمير كارتسيف وبيوتر خازانوفسكي: آلاف السنين من الطاقة)، ومنذ ذلك التاريخ، لم تخل مركبة فضائية ولا قمر صناعي من مصفوفات الخلايا الكهروضوئية.
تصنع الخلايا الكهروضوئية من مواد بلورية سميكة كالسيلكون البلوري، أو من مواد لا بلورية رقيقة كالسيلكون اللابلوري، أو من مواد عضوية مترسبة على شكل رقائق تغطي شرائح من أشباه الموصلات (د. محمد مصطفي الخياط: الطاقة: لعبة الكبار)، وتتكون الخلية الكهروضوئية من عنصرين من مواد شبه موصلة، أحدهما مُصدر للإلكترونات، والآخر مُجتذب لها، وتتشكل الخلية من طبقتين من هذين العنصرين، تطلق إحداهما إلكترونات إضافية عند تعرضها لأشعة الشمس، فتتحرك الإلكترونات صوب الطبقة الثانية التي تحوي ثقوبا إضافية، مما يخلق تيارا كهربيا بين الطبقتين (ماثيو وولد: قدرات مصادر الطاقات المتجددة، العلوم، العددان 1 و2، المجلد 26، يناير وفبراير 2010)، إن ما أجري من تحسينات على تلك الخلايا خلال قرابة نصف القرن، رفع من كفاءتها لتتجاوز الثلاثين بالمائة عند مطلع الألفية الثالثة، إلا أن ارتفاع تكلفة وحدة الطاقة المنتجة من تلك الخلايا، حال دون التوسع في الاعتماد عليها كبديل للطاقة الكهربية المنتجة من مصادر أخرى، مائية كانت أو حرارية، إلا أن البعض من مراكز الأبحاث أسهم في خفض تكلفة وحدة الطاقة المولدة من الخلايا الكهروضوئية، وذلك بابتكار خلايا تتكون من أغشية رقيقة من مواد عضوية رخيصة الثمن، ومن هذه المراكز.. كلية العلوم في جامعة الوادي بمدينة قنا، والتي تمكن فريق بحثي بها من تصنيع خلايا كهروضوئية من مواد عضوية، وبلغت كفاءة تلك الخلايا حوالي 9% (الأهرام: 14 أكتوبر 2012).
بدخول المواد العضوية في تركيب الخلايا الكهروضوئية، انقسمت هذه الخلايا إلى عضوية وغير عضوية، وتتكون الخلايا العضوية من مركبات كربونية تسمى كرات باكي، وهي جزيئات تتخذ شكل كرة قدم مجوفة، (باكي هو اسم مبتكرها الأول)، وتحتوي كل كرة من كرات باكي على ستين من ذرات الكربون، ويعاب على الخلايا العضوية انخفاض قدرتها على تحويل ضوء الشمس إلى طاقة كهربية، إذا ما قورنت بقدرة مثيلتها المصنوعة من السيليكون، وهو ما تم التغلب عليه باستخدام مادة "البنتاسين" وهي مركب عضوي من الكربون والأيدروجين، وبابتكار الخلايا الكهروضوئية العضوية، التي تميزت بالمرونة وخفة الوزن والمتانة ورخص الثمن، انفتحت آفاق استخدام الخلايا الكهروضوئية على عديد من المجالات والتطبيقات، فمن رقاقات الحاسب الآلي وبطاريات المركبات الفضائية والسيارات الشمسية حتى أجهزة التحكم عن بعد ومشغل الموسيقى والهاتف المحمول، حيث يجري استهلاك الطاقة المولدة من الخلايا الكهروضوئية، إما مباشرة أو بعد تخزينها في بطاريات (رؤوف وصفي: طاقة المستقبل، 2013)، فتجاوز معدل الإنتاج العالمي من الطاقة الكهربية المولدة من الخلايا الكهروضوئية 1700 ميجاوات عام 2006 (الأهرام: 4 فبراير 2007)، ثم قفز المعدل عام 2010 ليصل إلى ثلاثين جيجاوات (د. محمد مصطفي الخياط: مرجع سابق)، لتلوح تباشير حل مشكلة الجوع إلى الطاقة في الأفق، وكأنها ضوء خافت يومض في نهاية نفق مظلم.
سيارات ثم طائرات
ألهمت الآفاق المبشرة للخلايا الكهروضوئية الكثير من العلماء والمخترعين أفكارا رائعة لتصميمات ابتكروها لسيارات وطائرات تستمد القدرة من أشعة الشمس، ومن تلك الأفكار ما طرحته مجموعة من العلماء المكسيكيين لسيارة تستمد قدرتها من بطارية شمسية، وتوقعت حساباتهم أن تبلغ سرعتها 40 كيلومترا في الساعة (فلاديمير كارتسيف وبيوتر خازانوفسكي: مرجع سابق)، وقد ترجم إد باسيريني الأستاذ بجامعة ألاباما الأمريكية تلك الأفكار في سيارة تعتمد فقط على القدرة الكهربية المولدة من خلايا كهروضوئية من دون الاعتماد على أية بطاريات، حيث عُرض نموذج بالحجم الطبيعي من السيارة في معرض عالمي عام 1982 (موقع Automostory بالإنترنت)، وقد أطلق على ذلك النموذج اسم "الطائر الأزرق" Bluebird، وبتوالي الأفكار والابتكارات تضاعفت سرعة السيارات التي تعمل بالطاقة الشمسية واتسع مداها، حتى سجلت الدوريات المهتمة بتطبيقات الطاقة الشمسية فوز السيارة Tokai Challenger بالمركز الأول في سباق 2009 العالمي للسيارات الشمسية، حيث اجتازت قارة أستراليا بسرعة متوسطة بلغت 100.5 كيلومتر في الساعة، ولمسافة قدرت بحوالي ثلاثة آلاف من الكيلومترات.
ألهمت النجاحات المتوالية لنماذج السيارات العاملة بالطاقة الشمسية بعض العلماء والمخترعين أفكارا لبناء طائرات تعمل بالتقنية نفسها، ومن هؤلاء الأمريكي لاري ماورو Larry Mauro، الذي اختبر عام 1979 نموذجا لطائرة تعمل بالقدرة المنتجة بخمسمائة من الخلايا الكهروضوئية، وفيما يلي مواصفات ذلك النموذج:
طول الطائرة = 2.44 مترا، باع الجناح = 9.14 مترا، الوزن الإجمالي = 125 كيلوجراما، قدرة المحرك الكهربي = 2.6 كيلووات، السرعة القصوي = 32 كيلومترا في الساعة وزمن التحليق = من 3 الى 5 دقائق (فلاديمير كارتسيف وبيوتر خازانوفسكي: مرجع سابق، موسوعة ويكبيديا)، وتوجت تلك الأفكار بالرحلة الناجحة للطائرة "الدفع الشمسي رقم 2" حول العالم، مما يفتح آفاق استخدام تقنيات الطاقة النظيفة على اتساعها في المستقبل القريب، وذلك لحل مشكلات النفاد المتوقع لمصادر الطاقة التقليدية والتلوث الناجم عنها.
الدفع الشمسيّ رقم 2
استلهم السويسريان برتراند بيكارد Bertrand Picard وأندريه بورشبيرجAndre Borschberg الأفكار التي وجهت بناء ما ظهر من طائرات تعمل بالطاقة الشمسية منذ سبعينيات القرن العشرين، لبناء نموذج تجريبي حمل اسم "الدفع الشمسيّ رقم 1" Solar Impuls1، وكان الهدف من بناء النموذج هو تحقيق زمن طيران قدره 36 ساعة، اختبر ذلك النموذج بالطيران في ديسمبر 2009، وحقق النموذج في اختبار آخر في يوليو 2010 تسع ساعات من الطيران الليلي، في زمن طيران إجمالي بلغ 26 ساعة، وفي عام 2012 تمكن بيكارد وبورشبيرج من التحليق بالطائرة من سويسرا إلى المملكة المغربية، مرورا بإسبانيا (موسوعة ويكبيديا)، ومنذ تلك الرحلة الناجحة عكف السويسريان على تطوير نموذجهما الأول الناجح، في إطار سعيهما لإثبات إمكانية التحليق حول العالم بطائرة تستمد قدرتها المحركة من أشعة الشمس وحدها، من دون الاعتماد ولو على قطرة بترول واحدة.
انقضى نحو ثلاث سنوات، حتى أتم بيكارد وبورشبيرج بناء نموذجهما الثاني، لطائرة تعمل بالطاقة الشمسية وتطوف حول العالم، وأقلعت الطائرة من مدينة أبوظبي في أولى رحلاتها التجريبية في مارس 2015، وأنجزت خلال قرابة العام حوالي ثمانية عشر ألف كيلومتر في رحلات حول العالم، حتى تم الإعلان في شهر يونيو 2016 عن استكمال تجارب النموذج الثاني، والذي اتخذ اسم "الدفع الشمسيّ رقم2"، وجاء في الإعلان الذي صرح به بورشبيرج، أن "الدفع الشمسيّ رقم2" حلقت بنجاح وأتمت عدة دورات حول مدينة نيويورك الأمريكية (الأهرام: 12 يونيو 2016)، قبل ذلك، في مارس 2016، هبطت الطائرة في هاواي بالولايات المتحدة، وأعلن يومها عن برنامج المرحلة الأخيرة من رحلتها حول العالم، حيث تضمن البرنامج الإقلاع من الولايات المتحدة، ثم الهبوط في إسبانيا، ومنها إلى مصر التي تصلها في يوليو 2016، لتعود بعد ذلك إلى نقطة انطلاقها في أبوظبي (الأهرام: 9 مارس 2016).
تناقلت الصحف ووسائط الإعلام المتاح من أنباء عن طائرة "الدفع الشمسيّ رقم2"، وهي أنباء جمعت بين ما هو علمي وما هو إنساني، وسوف يستخلص فيما يلي كل ما يهم القارئ من بيانات علمية تجلو خصائص الطائرة وميزاتها: الطائرة مصنوعة من الألياف الكربونية، ويبلغ طول جناحيها حوالي 72 مترا وهما بذلك أطول من جناحي الطائرة (بوينج 747)، يقدر وزن الطائرة التي تحمل طيارا واحدا حوالي 2300 كيلوجرام، وتعتمد الطائرة على 17248 خلية كهروضوئية مثبتة على السطح العلوي للجناحين لتوفير الطاقة اللازمة لكل ما تحويه من محركات ومعدات، وتستهلك محركات كهربية أربع تدير ريش الطائرة الأربع معظم إنتاج الخلايا الكهروضوئية خلال ساعات النهار، وتعتمد الطائرة في طيرانها الليلي على ما اختزن من طاقة كهربية أثناء النهار في بطاريات الليثيوم الموجودة بها، وبإمكان الطائرة التحليق بسرعة تقدر بحوالي 90 كيلومترا في الساعة وعلى ارتفاع 8500 متر من سطح الأرض.
عندما أقلعت "الدفع الشمسيّ رقم 2" من مطار القاهرة يوم الأحد 24 يوليو 2016 متجهة صوب محطتها الأخيرة في أبوظبي، لتختتم رحلتها الأولي حول العالم، تلك الرحلة التي استغرقت ما يقرب من عام ونصف العام، وزارت خلالها خمس عشرة مدينة حول العالم، غدت الرحلة الخيالية ـ التي ضمّنها الكاتب الفرنسيّ الشهير جول فيرن (1828 ـ 1905) روايته الخالدة "حول العالم في ثمانين يوما" (1873) ـ أمرا واقعا وقابلا للتحقيق مع نسخ "الدفع الشمسيّ" السابقة والمستقبلية، وإن كانت رحلة جول فيرن حول العالم في ثمانين يوما، قد شهدت من ضروب تلويث البيئة الشيء الكثير، حيث احتاج فيرن لتحقيق شرط الثمانين يوما المعجز بمنطق عصره، إلى حرق عشرات الأطنان من الفحم والأخشاب للوفاء بالشرط الذي عد ضربا من المحال في القرن التاسع عشر، في حين تحلق الآن نماذج "الدفع الشمسي" حول العالم بما تستمده من طاقة الشمس، من دون أي تلوث يلحق بغلاف الأرض الجوي الذي تشبع بملوثات آلاف الطائرات التي تطلق من محركاتها ملايين الأطنان من ملوثات سوف تقضي على الأخضر واليابس في كوكبنا البائس، لذا لا يسع البشر سوى انتظار العصر الذي سوف يشهد اختفاء ذيل الملوثات الطويل المنبعث من مؤخرات الطائرات النفاثة، والذي يتبدى لأعين البشر في الأيام الشتوية المشرقة، فلا يرى الناس إلا طائرات تعمل بطاقة الشمس، وتنزلق في مساراتها العلوية دونما ضجيج وبلا ذيول طويلة من الانبعاثات.