غرفة الجراحة.. طرف من رحلة صعود الجراحين

19/09/2016 - 11:52:40

تمثال للطبيب الهندى القديم سوشروتا - أبو الجراحة تمثال للطبيب الهندى القديم سوشروتا - أبو الجراحة

رجب سعد السيد - كاتب مصري

من أغرب ما صادفني في قراءاتي أن "الجـراحة" لـم تحظ بالاحترام والوضعية الاجتماعية الراقية والاعتراف الأكاديمي، كسـائر أفرع الطـب، إلا منـذ زمن قريب نسـبيا؛ فقد كان اليونانيون ضد فتح جسم الإنسان؛ ويحذر قسم أبوقراط الأطباء من اللجوء لإجراء جراحات لمرضاهم!
ولم تصبح الجراحة علما له شخصيته المستقلة في جامعات أوروبا إلا في نهاية القرن الخامس عشر، وإن كانت أدنى مرتبة من سائر فروع الطب الأخرى؛ ثم أسهمت الحروب في رفع شأنها، واكتسب أطباء الحروب النابوليونية أهمية خاصة، وبرعوا في جراحات الحرب، وبخاصة عمليات البتر. وفي ذلك الوقت، كان للأسطول جراحوه الذين كانوا يقومون، أيضا، بمهمة (الحلاقة) للجنود؛ وهذا أمر شبيه بما كان شائعا في الريف المصري حتى منتصف القرن العشرين، حيث كان (حـلاق الصحة) يضطلع بمهام الحلاقة للرجال، ومداواة المرضى، بما في ذلك إجراء (الجراحات الصغيرة)، مثل ختان الصبيان، وكم سقط على يديه من ضحايا! وفي بريطانيا واســتراليا ونيوزيلنـــدا يتميز الجراحـــون عن سائر الأطباء بلقب (مستر)؛ وهو لقب تقليدي، منقول من القرن 18، حين كان الجراحون أقل منزلة، وكانوا غير مؤهلين علميا، بل إن بعضهم لم يكن يحصل على أي قدر من التعليم الرسمي، بينما كان الأطباء يحملون لقب (دكتور)، وكانوا يحصلون على درجة جامعية في الطب.
وقبل اكتشاف التخدير والتعقيم، كان الجراحون الإنجليز يجرون عملياتهم الجراحية في (مسرح الجراحة)؛ ولا يزال أحد هذه المسارح موجودا، ومكانه سـطح كنيسة في لندن، وهو مفتوح كمزار للعامة. وفي بداية القرن 19، بدأت أحوال الجراحين في التبدل، فاعترفت بهم الجامعات الأوروبية، وخصصت بريطانيا كلية للجراحة، هي الكلية الملكية للجراحين في لندن، التي لا تزال تطلق على خريجيها لقب (مستر)، ولكن بعد أن تغيرت صورة الجراح ومنزلته من النقيض إلى النقيض.
وقبل أن تعرف غرف العمليات الجراحية التخدير، كانت الجراحة تعنى الألم المبرح؛ وكان أمهر الجراحين أسرعهم، لتقليل زمن تعرض المريض لهذه الآلام. وكان نشاط الجراحين قاصرا، في معظمه، على جراحات البتر واستئصال الزوائد الخارجية. ولم يكن التعقيم معروفا، فكان من النادر أن ينجو مريض من تلوث جرحه بعد إجراء العملية. وفي أربعينيات القرن 19، حدثت طفرة كبيرة في تاريخ الجراحة حين ظهرت كيماويات التخدير الجراحي، مثل الأثير والكلوروفورم، بالإضافة إلى العقاقير المرخية للعضلات، مما أتاح للجراحين الإقدام على إجراء عمليات معقدة. وقد تزامن ذلك، لحسن حظ البشر، مع اكتشاف لويس باستير للجراثيم، فاستفاد منه الأطباء، وتوصلوا إلى طرق التعقيم التي أمنت الجراحات ضد التلوث.
إن كلمة جراحة باليونانية (كيرورجيا)، تعنى (شغل يدوي) في الإنجليزية. وقد أصبحت اصطلاحا طبيا على نوع من العلاج للأمراض أو الجروح يتضمن استخدام أدوات؛ ويتسع الاصطلاح ليشمل مهنا طبية مختلفة: الجراحين البشريين، وأطباء الأسنان، وأيضا الأطباء البيطريين المختصين بجراحة الحيوان. كما أن كلمة جراحة Surgery يمكن أن تدل، مفردة، على المكان الذي تجرى به العمليات الجراحية، فيكفي أن يقال أن المريض ذهب إلى الجراحة ليفهم من ذلك أنه نقل إلى غرفة العمليات لإجراء الجراحة، أو إلى قسم الجراحة بالمستشفى لتقرير إجراء عملية جراحية له.
وحسب نتائج فريق فرنسي ألماني، من أطباء وعلماء حفريات، فإن أقدم اكتشاف لعملية جراحية هو ما وجده فــي جمجمة بشرية من العصر الحجري الفخاري الحديث (حوالي 5000 سنة) وبها آثار لعملية (التربنة)، وهي الجراحة التي يعرفها العامة بنفس اسمها العلمي Trepanation، ويلجأ إليها الجراحون لمعالجة النزيف الذي يحدث داخل الجمجمة بعد تعرضها لاصطدام شديد. وفي تلك الجراحة البسيطة يقوم الجراح بثقب الجمجمة ليسحب الدماء والسوائل المتجمعة بداخلها، فلا يتزايد حجمها ويضغط على نسيج المخ. وكانت جمجمة الفريق العلمي الألماني الفرنسي تحتوي على ثقبين خاليين تماما من التشققات على طول محيطيهما، مما يؤكد أن عملية الثقب تمت بيد جراح ماهر، استخدم آلات جراحية مصنوعة من الحجر الصوان، ولها من الخواص ما يفوق المباضع الحديثة. وكان المعتقد، قبل هذا الاكتشاف، أن أقدم دليل على عملية جراحية هو ذلك الذي اكتشفه العلماء في عظم حنكي فرعوني عمره 2500 سنة، وكان به ثقبان تحت جذر أول الضروس الطاحنة بالفك السفلي، مما يشير إلى أن المريض خضع لجراحة لتصريف خراج كان يلهب ضرسه.
وثمة ما يشبه الإجماع على أن ( أبي الجراحة ) هو الطبيب الهندي "سـوشـروتـا" (600 سنة قبل الميلاد) وقد استحق هذا اللقب لأنه وضع أقدم مرجع في الجراحة، هو مؤلفه الضخم "سوشروتا سامهيتا"، الذي سجل فيه كل خبراته الطبية والجراحية.
والجراحُ المعاصر هو رئيس الأركان العامة لغرفة العمليات الجراحية؛ ويساعده طاقم من الأطباء الاختصاصيين، حسب احتياج العملية الجراحية، في مقدمتهم طبيب التخدير والإفاقة، وهو أول من يتدخل في العملية الجراحية بتخدير المريض وتهيئته للجراحة، وآخر من يتركها، بإفاقته.
ولا يغلق باب غرفة العمليات إلا بعد اكتمال طاقم الأفراد المشاركين في الجراحة، في ملابسهم التي تشبه العباءات، وقفازاتهم، وكماماتهم، وأغطية الرأس، وشـلالات الضوء الباهر الساقطة فوق رءوسهم من سقف غرفة العمليات، تضيء وتسـخنُ الجو في الوقت نفسه. إن لكل من الملابس الثقيلة والأضواء الشديدة ضرورته، ولا تتصور أنهما يؤثران في كفاءة الجراح وحيويته، في جراحات تستغرق، أحيانا، ساعات طويلة. إن أجهزة التكييف القوية توفر للجراح أطيب الظروف لأداء عمله؛ ولكنك إن اقتربت من حجرة الجراحة في ملابسك العادية ستشعر بأن التبريد عال نوعا ما؛ وقد تفكر – مثلي- في أن المريض الغائب عن الوعي، الممدد فوق طاولة الجراحة، قد يصاب بالبرد، وهو يكاد يكون مجردا من ملابسه منذ تهيئته للجراحة. إن ذلك يحدث، فعـلا، فحرارة جسم المريض تنخفض بمقدار أربع درجات مئوية. وكان الأطباء لا ينزعجون من ذلك، بل يجدون فيه ميزة، فهو يعطل نشاط الجراثيم، فيساعد على نظافة الجراحة. ولكن اتضح أخيرا أن العكس صحيح، فالتبريد العالي لغرفة العمليات يعظم من خطورة تلوث الجراحة بمقدار ثلاثة أضعاف. لقد تبين أن تلوث الجراحات يعود، بالدرجة الأولى، إلى نقص مقاومة جسم المريض للجراثيم المنتشرة على سطح الجلد، أو المتجمعة في مكان الجراحة، وليس إلى الجراثيم المحومة في هواء غرفة العمليات؛ فالتبريد العالي سلاح ذو حدين.
توصل إلى هذه الحقيقة جراح القولون (دانيال سـيسـلار)، الأستاذ بجامعتي كاليفورنيا وفيينـا، بعد دراسة مائتي حالة، وفـر لعدد 104 منها وسائل تدفئة أثناء الجراحة، فحقنت بسوائل دافئة، وغطيت بألحفة منفوخة بهواء سـاخن؛ بينما أجريت الجراحات للحالات الأخرى (96 حالة) دون تدفئة، فانخفضت درجة حرارة الجسم إلى 34,72 درجة مئوية، في المتوسط. وكانت النتيجة، بعد انتهاء الجراحات، تلوث 19% من الجراحات التي أجريت (على البارد)، بينما لم تزد النسبة على 6% من الحالات التي حظيت بالتدفئة في غرفة العمليات.
ولغرفة الجراحة تقاليدها الراسخة، التي إن اهتزت فقدت الغرفة خصوصيتها كمكان لإنقاذ حياة البشر وتخليصهم من آلام المرض؛ وإن هي أُهملت أصبح "الجو العام يوحي بالاستهتار، فالغرفة مفتوحة بلا حاكم؛ والممرضون يدخلون ويخرجون كأنهم في منتزه عام وليس في غرفة عمليات. وبالطبع، فالتعقيم أمر غير وارد، والســــالمونيــللا – بالتأكيد – تمرح في كل مكان!" كما يصفها طبيب حديث العهد بالمستشفيات العامة في مصر، يدخل غرفة عمليات المستشفى الذي عين به، لأول مرة ـ
وقد عرفت غرفة الجراحة الـ (غش) مؤخرا، فعُرفت حوادث سرقة أعضاء بشرية من المرضى الذين تجرى لهم الجراحة. وأغرب حالات الغش ما نشرته مجلة (ويكلي وورلدز نيوز)، من فلوريدا بالولايات المتحدة الأمريكية، عن مريض دخل إلى غرفة العمليات لإجراء جراحة بسيطة بالبطن، وعندما استيقظ كان ينتمي لنوع الجنس المغاير. لقد تطورت، إذن، أخطاء الجراحين، فقديما كانوا ينسون مبضعـا أو مقصا أو منشفة داخل بطن المريض، وأصبحوا ينسون العمل المطلوب، وبدلا من إجراء جراحة لعلاج (الفتاق)، يتجهون إلى تغيير نوع المريض، فيدخل غرفة العمليات رجلا، ويخرج أنثى. إن ثمة احتمالا لأن يكونوا لاحظوا أعراضا أغرتهم بإجراء هذه الجراحة المختلفة، ولكن اتفاق المريض معهم كان على جراحة الفتاق، وليس على سلبه صفة الذكورة!
إن تجربة إجراء جراحة في غرفة العمليات قد تكون قاسية على الكبار؛ فلا يزال كاتب هذه السطور يتذكر جراحة أجريت له في طفولته لاستئصال زائدته الدودية، وقد تركت في نفسه أثرا عميقا، حتى أنه لا يحتفظ بكثير من الود للأطباء، ولا للمستشفيات! وقد أوضحت إحصاءات من دراسات حديثة أن 75% من الأطفال الذين يبكون خوفا عند تعرضهم لتجربة دخول هذه الغرفة لإجراء جراحة تنتابهم الكوابيس لعدة أسابيع بعد العملية الجراحية. لذلك، فكر بعض المستشفيات في بعض الإجراءات لتخفيف حدة الخوف عند الأطفال المقبلين على دخول غرفة العمليات؛ منها إعطاؤهم دواء مهدئا قبل العملية بقليل؛ والسماح لأحد الوالدين بمرافقة الابن إلى داخل الغرفة، إلى أن يتم تخديره. أما الأطفال الأكبر سنا والأكثر إدراكا، فإن اختصاصيا نفسيا يقدم لهم شرحا مبسطا لما سيجدونه في غرفة العمليات، فلا يفاجأون بالإجراءات التي يشهدونها قبل أن يخضعوا للتخدير ثم الجراحة، مما يخفف من درجة الخوف عندهم. كما أن بعض المستشفيات يسمح للطفل بزيارة مسبقة لغرفة العمليات، ويرى بعينيه الأجهزة الموجودة بها، ويحصل على فكرة مبسطة عن طريقة عملها، ويسمح له باللعب بقفازات الجراح وارتداء غطاء الرأس التقليدي للعاملين داخل هذه الغرفة.