أن تكون نتيجة للتحولات وشاهدا عليها في آن!

19/09/2016 - 11:51:36

محمد فريد أبوسعدة - شاعر مصري

كان إنشاء المصنع في المحلة عام 1927مثل إلقاء حجر في ماء ساكن، كان تعبيرا عن صدمة الحداثة، وتجسيدا لعودة الروح، المطالبة بالاستقلال، وبناء الدولة الحديثة، جاء المصنع وكأنه تمهيد لإلغاء معاهدة 1936، وليتحول إلى حضّانة من حضانات الطبقة العاملة التي انتشرت في كفر الدوار، وشبرا الخيمة، والحوامدية، وحلوان وغيرها.
وقع الإضراب الأول في يوليو عام 1938. وكان السبب في ذلك تطبيق نظام جديد للعمل يتألف من ثلاث ورديات كل وردية ثماني ساعات بدلا من ورديتين، كل وردية 11 ساعة. ونظرا لأن العمال كانوا يتقاضون أجورهم على أساس نظام القطعة، كان هذا التغير إيذانا بنقص أجورهم بدرجة ملموسة. أي أن عشر سنوات في حضانة المصنع الكبير كانت كافية لتحويل أخلاط من المعدمين، وأجراء الأرض، والمهمشين، وأصحاب المهن البائدة إلى عمال حقيقيين، يدركون ذاتهم، ويعرفون مهمتهم، ويمضون إلى أحلامهم المفتوحة على عالم أكثر عدلا وحرية.
بعد ذلك بسنوات، وتحديدا في سبتمبر 1947، نظم عمال الشركة إضرابا ضخما احتجاجا على لائحة الجزاءات الجديدة التي أقرتها الشركة. وخلال تلك الفترة، كانت قد تبددت الأوهام حول ضرورة انصياع العمال لأصحاب العمل في الشركات المملوكة للمصريين، كما تضاءلت حدة الانقسام بين الشركاوية والمحلاويين، لصالح قيم التآزر والعمل الجماعي من أجل تحقيق المصالح المشتركة للعمال.
كانت هذه هي المناخات التي تنفس فيها هذا الجيل، من المحلاويين الأصّل والمخلطين: سعيد الكفراوى (1939)، ورمضان جميل، ونصر أبو زيد، ومحمد صالح، وجابر عصفور، وبكر الحلو، والمنسي قنديل، وفريد أبو سعدة، وجار النبي الحلو (1947). في قوس من 39 إلى 47 أي بين اشتعالين من الوعي الطبقي في هذه المدينة ولد هذا الجيل.
أحدث وجود المصنع في المحلة، والغرّابة - الذين جاءوا كالجراد من الحزام الفقير حولها- تحولات عميقة في التركيب الاجتماعي والثقافي للمحلة، لعل أهمها إذكاء ملكات الغريب أمام تحدي الوجود. كانت الحرب العالمية في أولها وحدث أن شحّ الغزل ولم تعد تكفي حصص البطاقات المقررة لأنوال المحلاوية، وبدا للجميع أن أجرا مضمونا ومستمرا يحصل عليه الشركاوي من المصنع الكبير أفضل من التقلبات العنيفة في دخل أصحاب الأنوال اليدوية الذين انحدر بهم الحال، لقد تغيرت الأفكار وإن ببطء.
بدأ بعض المحلاوية يقبلون على العمل بالمصنع، وبدأ الاحتكاك بالشركاوية يؤدى إلى تفاهم أكثر، وبدأ حراك اجتماعي واسع، إذ غزت صورة الشركاوي مخيلة البنات، وبدأت الزيجات تصهر الغرابة بأهل البلد. وما يستتبع ذلك من تقبّل للأفكار الجديدة، والسعي إلى التقدير والاعتبار، والطموح إلى حياة أفضل، وإثبات الذات عبر المعرفة والتجاوز والتفوق والابتكار.
في خريف 1965 تعرفت علي المنسي قنديل، وفي نفس الخريف قدمني لصديقه "جار" كان البيت، منذ رأيته في هذا الخريف البعيد، يبدو وكأنه خارج علي السياق، ليس فقط لأنه بيت بحديقة، ولكن لأنه بدا وكأنه بني، كالحلم، على حافة مهددة بالانهيار. إنه على أية حال بيت "جار النبي" الذي كتبه في " بيت علي نهر" و"حجرة فوق سطح" ولا بد أنه ينتهي، كأسطورة، في الجزء الثالث "قمر الشتاء".
ترى ما الذي فتح وعي الصبي على الكتابة؟
هل هي رؤية الأخ المثقف "بكر" وهو يحظى باحترام العائلة؟ أم مراقبة الأب. الذي ظل يقرأ ويرسم حتى كف بصره؟
عالم "جار"، هو عالم المهمشين، عالم يبدو محشورا ومتآكلا في آن بين المدينة والريف عالم، يبدو طازجا لأنه مرسوم بمخيلة طفل، وعميقا لأنه سليل الحكاية المنقحة، الحكاية بعد أن أصبحت أمثولة على التناقض.
لم يعر جار اهتماما لغواية التجريب، بل ظل وفيا لسرده الغنائي الذي يلامس الشعر، الذي ما إن نستشعر ألفته حتى يفاجئنا بأن الحكاية ليست سوى سطح مراوغ جميل كفخ وأن ما نألفه منها يقودنا إلي ما لم نألف.
وأقول إن كل ما كتبه جار حتى الآن ليس إلا بكائية على طلل.
بكائية تمتد من الأسى حتى النحيب، بكائية على زمن بريء، زمن البراح السعيد، أناس طيبون تخذلهم التحولات، وتقتل أشواقهم للحرية والعدل. إنها تفرس لا يخلو من غنائية في التدابير الغريبة للمصائر، إنها بكائية الحكاء الشاعر الذي عاد فلم يجد سوى الأطلال أما القبيلة فقد اختفت!
أعتقد أن عمله الكبير، رباعيته الروائية، هو علامة بارزة ودالة على هذا العالم الجميل الذي اندثر أو كاد. في رواية "حلم على نهر" قدم جار النبي عالمه للقارئ معيدا الاعتبار لطرائق من السرد البسيط يتميز بالحس الشعبي، ومقدما في تنوع ثرى عالم هؤلاء البشر الذين يعيشون في المدن الصغيرة، يراوحون بين تقاليد الريف وطرائقه في الحياة وبين زخم المدينة وما تقوم به من انتهاك لهذه التقاليد.
يقدم سيرورة هذا العالم وصيرورته من خلال سيرة ذاتية للبطل "سيد" وسيرة ذاتية لهذا البيت على نهر، من خلال مروحة زمنية تبدأ مع نهايات الحرب العالمية حتى أواخر السبعينيات، وكامب ديفيد بشعارها "آخر الحروب".
"سيد" بطل هذه السيرة يبدو كما لو كان روحا للمكان، روحا رافضة وحالمة بالأفضل، قادرة على كل شيء، فهو يرسم الصور ويقرأ الكتب: سيرة عنترة، وألف ليلة وليلة، وتذكرة داود، ويقرأ في كتب السحر ويعرف لكل داء دواء. الذين يعرفونه يقولون إنه "مخاوٍ" للعفاريت، قادر على استخدامها، والذين لا يعرفون يندهشون من أفكاره الغريبة والصحيحة في آن، يعرف محمد على باشا ومصطفى كامل، وطلعت حرب، ويحب محمد عبد الوهاب ويحتفظ بإعلان عن فيلم "الوردة البيضاء".
يقدم لنا الكاتب "سيد" كحيوية للمكان تصل بين تراث الأجداد المعرفي والتطلع الدائم للتغيير وتقبل الأفكار وآليات الحياة الجديدة المتقدمة. يفتتح جار النبي روايته بوقوف "سيد" على النهر متمنيا هذا البيت في خياله.
يضع جار النبي عبر النص حزمة من التوازيات لعل أهمها هذا التوازى بين راكب البغلة وبين "سيد" بين الباحث عن كنوز أمه وجدته، والباحث عن بيت روحه، وكان النهر الذى يشتركان فى التحقق من خلاله هو الواسطة بينهما. وليس من الغريب أن ردم النهر كان نهاية لهذه العلاقة بين راكب البغلة و"سيد"، وإيذانا فى الوقت نفسه بانهيار حلمه، الذى عاش من أجله.
وهكذا أصبح البيت مجرد بيت تحيط به البيوت، فقد فرادته وحلميته خلال هذا الاحساس بالخيبة والمرارة، من انطفاء الأحلام أو تحولها إلى كوابيس يقف "سيد" مع ابنه المتعلم "جابر" فى شرفة البيت ويقول له "هل تذكر النهر؟ كان هنا نهر.. وذات يوم خرج لى الصياد ببغلته من النهر".
يبدو المشهد وكأنه مرثية للعمر الجميل، مرثية للأحلام التى كانت بكل المقاييس ضرورية وممكنة. بساطة القص عند جار النبى الحلو قد توحى بتثبيت وعى القارئ على ملمس الرواية، سطحها ولكن القص المراوغ، يجعل من الإشارات التى ينثرها عبر الزمن الروائى، أو عبر اللغة الروائية، كافية ليعيد القارئ إنتاج الدلالة مرة بعد أخرى. وعلى مستوى البناء نجد "سيد" يبدأ مرة أخرى فى قص حكايته مع راكب البغلة، وكأن البناء يستدير حول نفسه فى دورة جديدة أمام المؤهل للحلم الجديد "جابر" فيما يشي بأن على "جابر" أن يبدأ من حيث انتهى أبوه، الذى قص لنا سيرة البيت، سيرة الأب. وعلينا أن ننتظر سيرته هو.
توالت رباعية المحلة "حلم على نهر" و"حجرة فوق سطح" و"قمر الشتاء" و"عطر قديم" لتضيف جزاء مهما في السيرة الذاتية للمدينة، فهى سيرة ذاتية للمحلة، وسيرة ذاتية لتحولات وعيها خلال نصف قرن من 1927 إلى 1977، من خلال شخصيات صنعتها مناخات الحداثة التى وفدت مع المصنع الكبير يملأ بها الفراغات، ويتمم ما بدأه فكرى الخولي في رائعته "الرحلة" وعباس أحمد في روايته "البلد"، خاصة في رصد "جار النبي الحلو" لوعى وأحلام وإحباطات جيل من المثقفين كان واحدا منه.
شهادة مجروحة!!
خمسة عشر فصلا، أو قطعة من الفسيفساء، أو لنقل قطعة من لعبة البازل، كل منها سردية تكاد تكتفي بنفسها، كأيقونة تقول نفسها دفعة واحدة، ولا تنتظر تأويلا أو تفسيرا يتفضل به أحد، سأغامر بالقول إنها يمكن قراءتها بالترتيب الذي اقترحه الكاتب، دون أن تتأبى على قراءات أخرى يقترحها القراء!
رواية "العجوزان" لوحة مجمعة من لوحات، قد تكون اللوحة المجمعة بفعل الكاتب أكثر منطقية، لكنها لا تصادر على خيال القارئ إذا ما ارتأى ترتيبا آخر، إذ يجعل، أي ترتيب، من الوحدة المفردة أغنى مما هي عليه!
جرّب جار النبي هذه التقنية في روايتيه الأخيرتين، ورافق هذه التقنية رواة أربعة، (الجار/ رفيق/ فايز/ ياسمين)، يدحرجون أمام القارئ سجادة النص، بالقطع يتفاوتون في الرواية، إذ يظل (رفيق) السارد العليم والمهيمن على فضاء الحكاية.
الرواية تقدم عجوزين (رفيق وفايز) عبر لوحات منداة ومغوية من النوستالجيا، أماكن ترشح بفراشات من الزمن الجميل، وعلاقات بالمكان، وشخوص المكان، تراجعت وأفلت نجومها بعد نصف قرن تاركة في الذاكرة أظافرها الملونة!
تبدأ الرواية بقوس «أول مرة رأيت فايز»، وتنتهي بقوس «آخر مرة رأيت رفيق»!