مقهى خبِّيني

19/09/2016 - 11:48:12

محمود عوض عبد العال - كاتب مصري

.. حين كتبوا على رمال البحر وصيتي، تبعته ووافقته ومنحني محل الإقامة ومواعيد الترحال.. انقياد الحامدين. أقوده وأتبعه، لا يستبقي مني لونا أو رائحة. يتلون على رمل البحر الطري بالآهة والضحكة الجافة وعصارة سكن ضيق بدون مصعد، ننتظر الطعام وجفاف الملابس وترقيع الأحذية. العيون مرهقة. تطل على البحر إلا أنت.. يغوص بجسده في بريق الماء. بريق يسمرك في مكانك. نظارتك الجغرافية بذراعين قصيرتين تآكلت من الشمس والذاكرة. مدد يا أبو العباس. البحر يحضنك من جميع الجهات. يرجوك أن يغسل قدميك ويعرف لغتك. هات همومك هنا في الملح فلا تبقى. أشاهد الظلمة. شخوص ممحوة ونقط في شكل دائرة كأنها هدف. قصر الملك الأبهة قبالة البحر، تعلوه قبة سماوية ترتل آيات من عند الله.. من نور العينين. حشد أذرع المشاهدين بالدعاء. دخلت قصر الملك الحزين قبل أن يسرق. كان لي حذاء عند عتبة حجرة النوم. فرصة الهلال أن يثبت حضنه للنجوم الثلاثة. نوبة من الموسيقى. الكتابة على ذراعين من الغزلان. والسماء والأرض بأي لون، مقابض الأبواب.. ياه. ذهب عيار واحد وعشرين. حضرة الملك. أنت الملك وبعدك الطوفان. سروج الخيل والحقائب والصناديق وحلي النساء هناك. على رصيف قصر الملك بمسافة قريبة. الفقه واللغة والسنة والتاريخ والتفاسير وشروح الأجرومية وموطأ مالك، رأس الحكمة في رأس الأزهريين. (يا ساتر.. قلت لك افتح الباب).
..إلا امرأته. تغار النساء من جمالها. معطرة بالليل ومزدهرة بالنهار وناعسة في الصباح مع وحيدها. الكتف تطول الكتف والذراع في الذراع لئلا يضحك بصوت عفوي لافت. الطبيب كرر لها ما تعرفه عن وحيدها (سيظل طفلا مهما تقدم به العمر) انفتح البابان قبالة بعضهما والولد الطويل العفوي يصرخ، فما استطاع أن يترك باب المفاجأة مجهولا. جذب الولد فسكت وأغلق دونهما باب البيت.
.. مقهى خبِّيني قبالة السائرين ناحية البحر والملك والأزهريين. القرفة والخشاف والحلبة الحصى والشاي والقهوة. المستشفى البحري وسينما الأنفوشي ومصنع البسطرما للخواجة ميشيل بسيارته الكاديلات السوداء للتسويق. أولاد المدارس يختبئون في مقهى خبِّيني من عصا الناظر والمدرس بالمشروب. نشط السياسيون الهاربون إلى المقهى من البوليس السري. دروة المقهى في الخلف من قماش المآتم والأفراح المزخرف. وسط نباتات شيطانية تتخذ أشكالا حلزونية. أولاد المدارس يرصون المنشورات للسياسيين. كل مائة ورقة في ربطة بلون من الحبال ويستحقون واحد خشاف مجانا. (يا ساتر.. قلت لك افتح الباب)، فما استطاع أن يسكتها فجأة. البلوكات الأسمنتية ملقاة على لسان البحر، ممتدة. تمنع صوت الغروب في زمن الخريف. نزلت سترته تحت قدميه، جذبها كلب وكلب واقف يتفرج. جرس التليفون يفك أزرار قميصه في آخر حجرة.. الآن.
- حجزت تذكرتين في القطار.
- إلى أين ستذهب؟ عودة يومية. قل لي؟
- وما قيمة معرفتك؟
- يا سلام. فاكر نفسك حاجة مهمة؟
- كلنا في سلسلة واحدة. بالساعة واليوم.
- وحياة الغالي عندك. قل لي. إيه نيتك؟
- جربي المجهول مرة.
- .. كذا؟!
- عين العقل!!
.. قام من انتظار صلاة الجمعة خارجا. ساعة ونصف عذاب في الجحيم وتقطيع الأذنين والماء الحميم. قرأ أول ملصق على جدار مقهى (خبِّيني) من سكان أبو وردة إلى سكان شارع سيدي تمراز. لا توافقوا على زواج بناتنا من أولادكم قبل موافقتنا. نام الليلة عندها. علق ملابسه فوق ملابسها وكان مفلسا حتى طلع النهار ولم يره أحد يخرج أو يدخل.
- أنت.. طظ!
.. طوى صراخها ببطن كف يده. (اهدئي). مسح على رأسها وشعرها المتهدل. (اهدئي). الخائنة هي أمه وعائلته وهو نفسه أول خائن. لف ذراعيه حول خصرها. (اهدئي) ليتك رأيته يوم زواجنا. كان متسولا، سائق تاكسي أجرة قديم. شكلت منه بني آدم. يأكل ويلبس وله رصيد في البنك. تعالي. الباب أمام الباب. يبدو الضوء الداخل منكسرا مشتتا عبر برواز معدني براق. وكان الغروب بطيئا منكفئا بوجهه إلى الأرض. بين النافذة والفراش. ساكنة طويلة. لملمت شعرها إلى الرقبة. إلى الخلف. ومسحت بأصابعها الوجنتين والأنف وأعلى الصدر وتلك الابتسامة لحالة الارتخاء على المقعد الكبير. اللسان الدافيء يحكم غطاء اللحظة بنبرات خفيضة هامسة ومتقطعة.
- أي عام نحن؟
- أصبح اليوم.. ناقص يوم.
.. صعدت العجوز وراءه بالمراهقة. الماء مقطوع تحت وجئت لملء إنائي. لست أقل من الأخريات بل أجمل. قرأت عينيها وما جرى على لسانها الغامض لحظة انسدال شعرها المموج على صدرها.
- أنت رياضي. صح.
- كنت زمان.. يعني.
- .. كتفي وظهري مثل لوح الخشب.. حاول.
.. كانت تئن مثل سمكة كبيرة مجهدة. لي الفضل في تخريج عدد من الأزهريين الرياضيين. فات زمن المرأة في حياته بانشغاله في رسوم الخطوط بالجوامع. مقهى خبِّيني كان نافذة انسجام على كل لون. من جديد يتأمل شكلها وإصرارها على الدخول في شقة الجار العانس كما يرددون. يمكن تموت عندي. واحتمال يركبها الشيطان وتعود إليها المراهقة. شكلها وصوتها مشتقان من مسافة ليست بعيدة عن هبوط في القلب. أخيرا دخلت فعلا. فاهمة حاجة عني وتريد التأكد منها. لا تقل عن خمسين عاما وأحفادها معها كل يوم جمعة. إنها تتجه إلى غرفة النوم بلا خطأ. الدهون البيضاء تتلوى في سوق الجواري. صحيح صدقتها حين توسلت بالألم. ورسمت نفسي شمشونا.
المنظر:
.. المقهى مقسوم نصفين. خلف الظهر تفوح رائحته. وكل شيء يتسع في الواجهة. (سلامة) مدمن هذا المقعد كل يوم. يحدق في أي فأر يمر. في أي صوت غير مألوف. يحدق في كوب الشاي الثابت على شفتيه والذقن الطويلة. يعرفونه ولا يريدونه. كان ساعي بريد وكمساري في ترام المدينة زمان. لا يذكر أم عياله بالخير. فقد ماتت وأوصت بنصف البيت لأم أمها.
- لا تلف ولا تدور. قل لي ما تعرفه؟
- أنا سلامة يا حضرة الضابط. في حالي.
- وتعرف دبة النملة؟
- كان زمان!
- اخرس.. تعال في العدل. المنشورات في إيد التلامذة. من يحركهم؟
- أقول لك أمارة؟
- اخلص.
- إحنا في حارة أبو وردة. كلنا كلام على بعض. صدقني يا باشا. كل الواقفين والقاعدين هنا. مسجلين. قلة حيلة. (رن تليفون الضابط. انتبه وأجاب وانصرف مع مرافقيه بسرعة).
- بيسألك عن حاجة يا سلامة؟
- دبة النملة.
- أبشر يا عم.
- هه.. بيضالي في القفص؟
- (بصوت ساخر) يا ما شاء الله. إنت داخلها. داخلها.
- قول.. والله؟
.. حينما فلت الأمر من يدك ضرب صدره بيديه. تظاهر أنه يندب ابنه مع تلاميذ المنشورات، مع كوب الخشاف. لا يعرفون ساعة يغيب. وساعة يهرول. وساعة يعود مسرورا فيأكل ويشرب الشاي ويدخن الشيشة.
- وقلت إيه كمان؟
- أهو غار. يوم غم من أوله.
- تائهة ورجعت.
- من؟ هي بنت أو ولد. قل لي.
- المعلم قال تغور من هنا حالا.
- أنا؟ أنا كافي خيري شري. (يتحسس ذقنه الطويلة).
- سامعني. المعلم قال.
- إنت سألته؟
- ومن يجرؤ سؤال المعلم؟
- صحيح. صحيح. أوه. لم أعد موجودا.
.. مذعورا نهض. اصطدم في عمود وسط المقهى. وهو يتمتم بكلام مبتور. مر على مقاعد وأشخاص. أراد أن يقول لكنه لم يفعل. تابع خروجه إلى رأس الحارة. عنوانه الذي يزأر بصوته ويلم أبوابه لتتلقفه طلعة أول عربة ترام خرجت من الجراج.
- أطلب حقي منك
- حق.. أي حق؟
- سكان العمارة يسألون عنك. وأعلنوا أنك لن تفلت.
- تخاريف العجائز وأوهامهم.
مد ذراعه من النافذة التي تعلو الفراش حيث تمددت العجوز. وخنق مئذنة الجامع القريب حتى تدلت إلى الأرض. ذراعه تطول البعيد والقريب. كل شيء جائز. بذراع واحدة رفع سقف الحجرة. السقف ابتعد إلى فوق. ينخلع ويرتفع. تاركا الجدران عارية ودافئة. هه.. السقف المرفوع والبيت المقهور. صراخ الفزع على سلم العمارة.
الرجال يسبقون الأطفال والنساء. الشارع غرق في الظلمة على ورق حساس. عود عطر مدخن بين الإبهام والسبابة يدلف إلى مقهى (خبِّيني) سيحظى بكوب خشاف بماء قمر الدين البرتقالي ذي لسعة. مزة. دلفت إلى الداخل.
- دعني أرى! أين؟
- من؟ ما الحكاية؟
.. نظرت إلى المرآة في جانب الجدار لفترة. وتردد صدى صوتها الحاد حين التفتت.
- أين ابنتي؟ ربنا يجازيك كل خير. قل لها. قومي من النوم!
وجه منزعج يسألني. آمل أن تكون نصف عاقلة، ضروري جدا الهدوء. لا أغلق الباب علينا. أعني الاهتمام يسحبها إلى خارج الباب. تمام. وارد أن لها ابنة لا تزورها أو ماتت أو أهملت الاتصال بها. (واحد خشاف وبراد شاي في عرضك) جرت بين الحجرات فجأة. كانت هناك. سمعتها. معقول تخرج من باب الشقة ولا أنتبه. أحس إني نمت وأنا واقف. همس. تحرك مفتاح الباب من الخارج. رنين يتغير ويتكرر. يعلو الصوت وينخفض!!