قصتان

19/09/2016 - 11:46:19

طارق المهدوي - كاتب مصري

سيدة القصر
(1)
كلما ترددت دعوات التخلص من الثوار المصريين المخضرمين على ألسنة أبنائهم المبتدئين تعاودني تفاصيل إحدى الحكايات التي جرت أمامي بقصر لالا سميحة سراج الدين، أثناء عملي الدبلوماسي كمستشار إعلامي في السفارة المصرية بالسودان خلال النصف الأول من تسعينيات القرن العشرين، فبعد أن طالت إقامتي في فندق هيلتون الخرطوم إلى عدة شهور على أمل استجابة رئاسة الجمهورية المصرية لطلب نقلي وفق جدول التوزيع الجغرافي للدبلوماسيين الذي يمنع نظريا تكرار الإلحاق بمناطق التوتر كما حدث معي، رفضت الرئاسة طلبي استنادا لما تعوله على استمرار عملي في السودان من توقعات بعوائد معلوماتية تفيد الوطن كله حسبما تم إبلاغي رسميا آنذاك، لاسيما وأن أعمالي السابقة في مناطق التوتر الأخرى كألمانيا الشرقية وجنوب إيطاليا وغيرها كانت شبه دبلوماسية لا تخضع إلى الجدول المذكور كما قالوا، فانتقلتُ للإقامة بقصر منيف يجاور نهر النيل سبق أن شيده التاجر الثري سلطان سراج الدين الوافد قبل عقود من مدينة بورسودان عن أصول ترجع إلى آسيا الوسطى، ثم توفي تاركا القصر مع ثلاثة أبناء وابنة واحدة دأب السودانيون على تسميتها "لالا سميحة" أي الأستاذة سميحة بإحدى لغات آسيا الوسطى، وإزاء سوء إدارة الاقتصاد السوداني من قبل نظام الحكم العسكري الإخواني المشترك تدهورت الأحوال المالية لأبناء سراج الدين فهاجروا إلى إحدى بلدان العالم الجديد تاركين شقيقتهم بعد توكيلها لبيع القصر واللحاق بهم، ولكن نظرا لعدم وجود سيولة مالية في السوق السوداني تغطي ثمنه الكبير فقد قررت سميحة استثمار القصر تجاريا بتقسيمه إلى نصفين خصصت أحدهما لإقامتها مع أسرتها وفرشت الآخر فرشا راقيا يليق بسكانه من الدبلوماسيين الأجانب، بعد تقسيم هذا النصف أيضا إلى نصفين مساحة كل منهما 500 متر مربع أحدهما أرضي يتوسط حديقة القصر والآخر علوي يكتفي بإطلالة فوقية على الحديقة ذات الألف متر مربع والتي تأوي عدة مجموعات من الحيوانات الملتفة حول لالا سميحة كأبنائها!
(2)
في يوم إقامتي الأول باعتباري مستأجر ربع القصر الأرضي الذي يتوسط الحديقة أزعجني جدا سوء حالة أحد الأعضاء المنتمين إلى إحدى المجموعات الحيوانية المقيمة على أرض الحديقة، وهو كلب أسود عجوز مقطوع الذيل والأذن اليمنى ومفقوء العين اليسرى ومكسور الساق مع انتشار آثار غائرة لجراح دموية قديمة عديدة فوق كل أجزاء جسده وكان السودانيون يسمونه "أدهم الدادابان" أي أدهم الحارس بإحدى لغات آسيا الوسطى، فطلبتُ من سميحة أن تنقذه من العذاب الذي أراه يعانيه عبر قتله قتلا رحيما فنصحتني بالتريث حتى أرى مدى أهميته لدى جميع سكان القصر من بشر وحيوانات معا، وهو ما أثبتته لي الأيام التالية حيث ساعدته المواهب الغريزية في الشعور المبكر بالخطر قبل وقوعه مع تنبيه ضحاياه المحتملين أو عند وقوع الخطر مع تدخله الفوري واستنفار الآخرين من أجل إنقاذ الضحايا، كما ساعدته المهارات المعرفية على تمييز النوايا الحقيقية للوافدين إلى القصر سواء كانوا أصدقاء أو أعداء أو محايدين والتعامل مع كل وافد منهم حسب نواياه الحقيقية، بينما ساعدته الخبرات القتالية على مصارعة أشرار البشر والكواسر والجوارح والزواحف رغم أن ذلك قد سبب له الإصابات والإعاقات العديدة التي سبق أن أزعجتني في يوم إقامتي الأول، ولما كانت كل واحدة من إصاباته وإعاقاته ارتبطت بإنقاذ أو مساعدة أو حراسة أحد البشر أو الحيوانات ساكني القصر فقد أصبحوا جميعا يشعرون حياله بالامتنان، وفي حين ترجم البشر مشاعرهم نحوه بالمواظبة على مداواته وعلاجه وتنظيفه ومداعبته فقد ترجمت الحيوانات مشاعرها نحوه عبر احترام بالغ تجلى في عدة سلوكيات، شملت ضمن ما شملته إفساح المكان الذي يختاره لرقود جسده وترك أولوية الأكل والشرب له حتى يشبع ويرتوي حتى آكلات العشب كانت تنتظره ليتشمم أكلها قبل أن يقرر زهده فيه، أما إناث الكلاب الصغيرات البالغات فكانت لا تسمح للذكور الصغار باعتلائها قبله أملا في الحصول على جراء تشبهه من حيث المواهب والمهارات والخبرات، وهو ما حدث أخيرا بمجيء ابن له سماه السودانيون "تاكسي الغرام" بلغة الأغاني المصرية استنادا إلى تطابق لون بشرته الموزع بين الأسود والأبيض مع سيارات الأجرة في القاهرة وتكرار ملاحقاته لإناث الكلاب منذ صغره، وسرعان ما كشفت بعض العلامات السلوكية أن الابن "تاكسي الغرام" قد ورث المواهب والمهارات والخبرات عن أبيه "أدهم الدادابان" الذي تأكد من ذلك بنفسه فغادر القصر مطمأنا دون عودة!!
***
المدينة بين زلزالين
(1)
عندما وقع الزلزال الأول في المدينة استمر الأب جالسا على مكتبه المنزلي يستكمل ما كان قد بدأه منذ الصباح لتجهيز مرافعة دفاعه التطوعي المجاني عن عمال البلدية المفصولين تعسفيا، رغم هروب ابنه الأكبر مع بقية أفراد أسرته وجيرانهم من أجل الاحتماء بالحديقة العامة التي تتوسط صينية الميدان الرئيسي للحي، وفي تلك الأثناء طارت عشرات العصافير البلدية من أعلى أشجارها لتحط فوق مكتبه وتغرد له لحنا موسيقيا بهيجا، بينما تسللت عشرات القطط البلدية من مناورها لتندس أسفل المكتب حتى يتسنى لها أن تلعق ساقيه وقدميه، في حين هرعت عشرات الكلاب البلدية من شوارعها لتحيط به وهي تهز رؤوسها وأذيالها فرحا بنجاته، ولم تغادره هذه "الكائنات" إلا عقب عودة كافة الأمور لطبيعتها برجوع جميع الأفراد الهاربين إلى سابق مواقعهم حوله مع هدوء الزلزال وتوابعه، ولكن العصافير استمرت قبيل كل فجر تحط فوق شباك غرفة نومه المطل على أشجارها لتوقظه في مواعيده المعتادة بتغريداتها الموسيقية البهيجة، بينما استمرت القطط تتسلق المواسير وتدخل من شبابيك المناور بعد صلاة الفجر لتلعق ساقيه وقدميه، في حين استمرت الكلاب تحرس سيارته هو حصريا دونا عن بقية السيارات الخاصة بأفراد أسرته وجيرانه، لتستقبله عند خروجه من باب منزله صباحا ثم تقوده نحو موقع سيارته المعدل إذا كان حارس المنزل قد قام بتحريكها إلى مكان انتظار آخر، وأخيرا ترافق الكلاب سيارته من جانبيها خلال تحركه بها مع إطلاقها لنباح التحية حتى تطمئن إلى مغادرته الشارع سالما عند إطلاقه لآلة التنبيه مودعا إياها، فترد عليه بنباح الوداع وتبقى في انتظار عودته المسائية لتكرار الطقوس ذاتها على نحو عكسي!!
(2)
عقب اغتيال الأب بواسطة الأجهزة العسكرية الحاكمة على خلفية دفاعه التطوعي عن الفقراء المحكومين في مظالمهم المتعددة والمتنوعة، لم يعرف أفراد أسرته ولا جيرانه كيف اختفت العصافير والقطط والكلاب من الشارع أو إلى أين ذهبت، حتى تلقيهم شكوى حارس المقبرة البعيدة عشرات الكيلومترات عن الحي والتي يتضرر فيها من تكرار قيام هذه "الكائنات" معا بحفر التربة في إطار سعيها الدؤوب للوصول إلى جثمان الأب الشهيد، وسرعان ما تواطأ الابن الأكبر مع الأجهزة على إغلاق ملف اغتيال أبيه طمعا منه في الوظيفة المرموقة التي منحته إياها تلك الأجهزة قبل أن تسحبها سريعا وتتركه تائها بين الفسطاطين، حيث كان قد فشل في أن يرث أي شيء عن أبيه باستثناء بعض الأموال التي فشلت محاولاته المتوالية أيضا لاستخدامها من أجل اجتذاب العصافير والقطط والكلاب البلدية، فاشترى بأموال أبيه قفصا خشبيا في داخله عصافير دائمة التغريد النائحي حزنا على حريتها المفقودة وقططا أغلق عليها مخارج المنزل وكلابا ربط أعناقها بسلاسل حديدية مشدودة إلى الجدران، وعندما وقع الزلزال الثاني في المدينة وهرب الابن الأكبر كعادته مع بقية أفراد أسرته وجيرانهم من أجل الاحتماء بالحديقة العامة التي تتوسط صينية الميدان الرئيسي للحي، حصلت العصافير والقطط والكلاب الحبيسة في منزله على حريتها ففرت منه إلى الشارع بغير رجعة!!