الحاوي

19/09/2016 - 11:44:38

مريم حسين - قاصة مصرية

أنظر بدقة لحلقة النار. أراقب تلّوي ألسنتها بعنف كأثر مضاجعة جنونية، بينما تستقر في ثبات الكُرات السوداء التى يتمركز فيها الجاز. أرفع رأسي لأعلى تجاه شرفة منزلنا وألمحنى أقف أترقبني بحذر. أرتكن إلى جوار الحاوي، نستعد أنا وهو للقفز في الحلقة وقد التف حولنا الناس، ونبتت رؤوس في الشرفات معظمها لسيدات استندن بصدورهن أولا إلى الأسوار الصامدة. أشعر بهبو النار يلامس وجهي. أخاف وأتراجع. أتركه يقفز في النار وحيدا وأصعد جريا إلى شرفتي.
غمرتُ فرشاة أسنان قديمة في غطاء الزجاجه الممتلئ بالصبغة، ورطَّبتُ جفاف جلد زوجين من الأحذية. راقبت تشرًّب الجلد في غضب، فمنذ ثلاثة أشهر رُدمت شوارع المنطقة بحجارة بيضاء تمهيدا لرصفها، ومن حينها والشوارع بيضاء يشوبها بعض السواد إثر سير الناس والسيارات والتكاتك والعربات الكارو، وأضطر كل يوم لتنظيف الحذاء الذي يُردم بالتراب الأبيض. أمسكت قدمي اليسرى بيديَّ أدقق في باطنها، أتتبع أثر "عين السمكة" وقد تناهى إليَّ صوت ضوضاء بعيدة.
كانت ملامحهما قروية، ونحن في منطقة شعبية في أعماق الجيزة ولم يأتنا حاوٍ منذ سنوات. كانا مرتبكين ويجاهدان لإخفاء ذلك. أعتقد أنهما جاءا إلى هنا تائهين.
رجل وطفلة بملابس مهلهلة، معهما أداوت في بقجة مرقَّعة غير مفهوم فيم تستخدم . استقرا أسفل شرفتنا ناصية التقاء أربعة شوارع . جزء كبير من شعر الطفلة كان مصبوغا بالأصفر، وفي أذنيها- عوضا عن الحلق- فتلة دائرية معقودة. كانت منشغلة بإخراج "عدّة الشغل" من البقجة بينما يركّب والدها حلقة النار، ولشدة انشغالها لم تنتبه إليَّ وأنا أدور خلفها وشعري منسدل على كتفي (بعد أن فككت عنه الرباط) وأنا أحاول مستاءة من سرعة حركتها لمّ شعرها "الشعنون" في حضن "توكتي".
لا أستطع نسيان اللحظة التي انقض فيها الوابور العملاق على الحجارة البيضاء ليتساوى الجميع. حينها شعرت وسمعت عظام قفصي الصدري وهى تُفرم وتطقطق، وليومين حرصت على التنفس بعمق حتى يعيد اندفاع الهواء إصلاح كل شيء بالداخل.
تنفستُ بعمق أيضا حين تناسب لون التوكة مع لون شعرها. كانت حركتها خفيفة وهي تتقافز وراء الكرات في الهواء لدرجة أنها أعجبت الوحش، "وحش الحتة" أم محمد.. تسكن أمامنا مباشرة وهي صاحبة أضخم ثديين رأيتهما في حياتي. وقفَت في بلكونتها أمس، بكل غدر وبصوت غليظ كلّه شماتة وبلكنة شرقاوية رصينة، تعلن بفخر سبب طلاق ابنها البكري، حيث إن زوجته عاقر: "طلقها.. ما هي ما بتخلفش".
لم يتحمس الواقفون من المراهقين والأطفال للعبة البنت برغم إجادتها، ولكنها ابتلعت إحباطها وأكملت مرغمة، خاصة بعد نظرة الأب الآمرة.
استندتُ إلى قدمي اليمنى تجنبا لضغط "عين السمكة"، وأبقيت اليسرى معلقة في الهواء، وأسندت ذقني على طرف الشباك أشاهد بقية الألعاب. لمحت (من وراء ستارة في منزل مقابل) لمنزلنا هاني وزوجته يتابعان الحاوي، وطبعا أقل شيء بعد ما فعلاه بالأمس أن يختبئا خلف الستارة، فصوت تأوهاتهما سمعه الشارع كله، والشارع كله أتته حكمة الصمت فجأة، فكان الصوت واضحا وكل شخص يضيف بخياله، و"هو وشطارته".
منذ فتره ليست بالقصيره تنازلتُ عن علبة الورنيش الصاج، واتجهتُ- استسهالا- إلى الورنيش الكريمي، فهو أسهل وأقل تلويثا لأصابعي، ولكن كسهولة وضعه يمحي أيضا أثره بسهولة. دهنت الحذاء بسرعة وواصلت المتابعة بأذني إلى أن انتهيت وعدت إلى الشرفة بحماس.
نبشَت الفتاة في البقجة وأخرجت عدة أشياء، ثم أمسكت ببيضة بلاستيكية بحجم كف يدها، بينما لفَّ الحاوي أسفل الشرفات يلتقط بعض النقود البسيطة الملقاة من أعلى. هذا ما يُطلق عليه فعلا "رزق من السماء".
دارت الفتاة على الناس وهي تقفز كالأرنب، وبين لحظة وأخرى تضع يدها على مؤخرتها الضئيلة ثم تفتح كفها لتكشف عن البيضة التي (يُفترض أنها) باضتها. يضحك بعض الأطفال بينما يطلق معظم الواقفين تعليقات ساخرة ، غير مقتنعين بما يحدث، (لا باعتباره سحرا، ولا حتى من باب المجاملة تجنبا لإحراج الرجل). الوحيد الذي ضحك من قلبه هو الفتاة نفسها. أعجبتها اللعبة.
لاحظ الحاوي عدم تفاعل الناس. أوقف الفتاة أمامه وأخرج من البقجة طرطورا مرقَّعا وحذاء ضخما وألبسهما لها، ثم وقفا يتبادلان حوارا بصوت مرتفع:
ـ قولي أنا بنت حلال يابا.
تتصنع الفتاه عدم السماع جيدا وتردد:
ـ أنا بنت حمار يابا!
ينفجر الجميع ضاحكين على السباب، مما يجعل الحاوي يردده أكثر من مرة، ماحيا أثر ثقل ظل الفقرات السابقة.
لم يعجبنى ذلك. وكمساعدة مني جلست على حَجَر وسط أقدام الناس ألملم الأشياء التي تبعثرت من البقجة، والتي فشلتُ في تكوين شكل ومعنى محدد لها، وكدت أكثر من مرة أضرب قدم الحاوي الذى تحمّس مع الكلام والضحك وداس على قدمي اليسرى (المصابة بعين السمكة) مما جعلني أصرخ متألمة في غضب: "تصدق أنا غلطانة!".
وانسحبتُ من الزحام، أعرج متألمة إلى شرفتي.
ردد أحد الواقفين بسخرية: "يا عم خلَّص وولع النار".
أنهى فقرة سبابه، وأخذ يسكب بحرص قطرات الجاز على حواف الحلقة السوداء، ويزيد منه على الكرات المتناثرة على الحلقة. في ذلك الموقع بالضبط اشتعلَت من أسبوعين نار لم تشتعل مثلها في "الحتَّة" من قبل، ووقف الجميع مذهولين من الجرأة، ولا يجروء أحد على التدخل حتى لا يتهم بأن له صلة بهذا الحدث الخطير. هنا تحديدا وقفت امرأتان تصرخان، الواحدة في وجه الأخرى، بأحداث أنا نفسى لم أستطع ربطها معا، ولكن حين تردد اسم سيد الكهربائي زوج إحداهما، بدأت الأمور تسوء، والجلاليب تُمزق، والطرح تسقط، والناس في حالة ذهول، والجميع يبتعد ويتابع عن بعد خناقة "اتنين نسوان على راجل"، رجل أظنه ظل مختبئا إلى أن تهزم إحداهما الأخرى لكن ذلك لم يحدث. تعادلتا حتى في كمية الشعر الكبيرة التى تقطعت إثر الجذب القاسي، وكمية الدموع إثر ألم الضرب وجذب الشعر. حتى قذارة الشتائم تساوت. أجّل تفاقم الخلاف البكاء الهستيري لطفل السيدة الأخرى، بينما لمت الزوجة شعرها في منديلها ومضت لتكمل معركتها مع سيد.
ساد صمت تام وحذر، واقتربتُ أنا والحاوي من الحلقة الموقدة استعدادا للقفز. وعندما شعرت بهبو النار يلامس وجهي خُفت وتراجعت وتركته يقفز وحيدا وصعدتُ أنا جريا إلى شرفتي.
حلقة النار كانت ذروة فقرات الرجل. شهق البعض، وهللت نساء الشرفات، بينما راحت مجموعة المراهقين ـ وكانوا مشغولين باللعب في تليفوناتهم المحمولة معظم العرض ـ تضحك في سخرية: "عادي يعني.. مش صعبة"، وتعالت الأصوات: "أنا ممكن أعملها عادي!".
فجأة صار مطلبا عاما أن يعيد الحاوي إشعال الحلقة ويسمح لهم بالقفز وسطها مقابل جنيه لكل فرد. أنهى كل ذلك خروج زوج الوحش- أبو محمد- الأستاذ نجمي المحامي القدير الذي يعود إلى منزله كل يوم في تاكسي. خرج فجأة من شرفته غاضبا محمرّ الوجه أثر محاولة نوم، وزعق في الحاوي: "إنت يا جدع إنت.. خلَّص وامشي ياللَّا بقالك ساعة.. راجعين من أشغالنا تعبانين وعاوزين ننام".
فاض الكيل بالحاوي ولمَّ عدته غاضبا: "ماشيين يا عم خلاص". بينما اكتست ملامح الفتاة بالإحباط والحزن وهى تعيد ربط البقجة. أفسح الناس لهما الطريق، فمضيا غاضبين بخطى مسرعة رغم الأحمال. للأسف لم يلتفتا إليَّ وأنا أجرى وراءهما مسرعة، أحاول تهدئة الموقف وإغراء البنت بأن لدي أنواعا عديدة من الخرز "وممكن أعمل لك حلق جميل، وعقد كمان.. طب ممكن أديكي جزمة جميلة لسَّه ملمعاها".
يواصلان السير دون أن يُعنى أي منهما بالرد عليَّ.. أقدم لها حلا: إذا كان حذائي واسعا على قدميها تستطيع أن تضع به فرشا، أو أن تحشوه بالجرائد.
يدخلان في شارع جانبي. لا أيأس، وأواصل الجري وراءهما وقد بدأتُ أعرج بقدمي اليسرى، وأنا أحكى لها عن قريبي الذى عندما يخلع أحذيته يضع بها جرائد لحين ارتدائها ثانية، فهو دائم الخوف من العناكب، وهو على يقين أنها سوف تختبئ له بداخل أحذيته، فإما أن يفعصها بأصابعه، وإما أن تعضه هي وتقتله، و...
تشير الفتاه إليَّ دون أن تلتفت محركة ذراعها تجاهي بإهمال يقضى بجملة "يا شيخة روحي كده.. ينعل أبوكو!".