« شوق المستهام » .. البحث عن هوية مصرية تنحاز للمستقبل

19/09/2016 - 11:43:40

د. رمضان رمضان متولي - كاتب مصري

يعد التاريخ بمراحله المختلفة مصدرا خصبا من مصادر المعرفة بكافة فنونها وأشكالها وأطرها يستلهم منه الأدباء والشعراء حتى أصحاب الفنون التشكيلية مادة غزيرة لفنونهم وأدبهم ومعارفهم. وفي "شوق المستهام" تقدم الكاتبة المصرية سلوى بكر نموذجا من فن الرواية الذي يستلهم طرفا من التاريخ.
بطل الرواية هو الراهب المطبب "أمونيوس" الذي يتلقى، بعد سنوات ست على عمله بأحد أديرة مريوط، رسالة من والده بمرض أمه، فيسرع بالعودة إلى قريته "قربيط" بدلتا مصر، وهناك يفاجأ بإصابة أخته "تكلا" بفقد بصرها نتيجة لوباء أصاب الكثيرين بالموت وفَقْد البصر، وأجبر الآخرين على الفرار إلى مناطق نائية بعيدة عن العمى والموت، ويحس بالعجز والتقصير أمام هذا المرض اللعين، فيتجه إلى الله ويصلي، فيسمع هاتفا أقرب إلى همس الخشوع، فيسرع من فوره خائفا وجلا إلى كاهن القرية الأب "سيرابيون" حاكيا له ما حل به في صلاته، فيهدئ من روعه ويطمئنه بأن هذا الصوت إشارة من الرب يغلق معناها على الكثيرين، ولكنها تلهم المؤمنين بالبحث عما وراءها، وأنها بمثابة أمر بالارتحال والبحث بين برديات المعابد والبيع والأديرة. فيشتعل الحماس في عروق "أمونيوس"، وتدفعه الرغبة في المعرفة إلى الانطلاق من فوره مرتحلا إلى ربوع وادي النيل باحثا عن علاج لذلك الوباء، ويتردد على أديرة مصر ومعابدها وبيعها في طول البلاد وعرضها من شمالها إلى جنوبها باحثا ومنقبا بين رموزها وألغازها عن كتابات مجهولة كتبها الأولون السابقون، ودونوا فيها علاجات شافية لهذا الوباء، ويحل ضيفا على معبد سمنود المختص بالتاريخ، ثم معبد عين شمس المختص بالفلسفة، ومنه إلى معبد أخميم المختص بالكيمياء والسحر، إلى أن يجد ضالته في معبد "أموحتب" بمدينة منف، ويتجاوب معه حرس المعبد، ويوافقونه على نسخ إحدى البرديات الطبية القديمة "بردية زويجا" فيجتهد في العمل على فك رموزها وطلاسمها، فيزداد تصميمه على الرغبة في المعرفة، كشوق المستهام إلى سبر أغوار نفسه، ويزداد يقينه رسوخا بعد لقائه في أخميم بالعالم النبطي الكلداني ابن وحشية النبطي بأن مصر يصدق فيها قول القائل:
كنوزك يا مصر لا هيه فضة ولا دهب
كنوزك مدفونة في كتب من مضى ومن ذهب
في هذه الرواية تذكرنا سلوى بكر بنجيب محفوظ حينما بدأ حياته الأدبية بالعودة إلى ماضينا التليد في "عبث الأقدار" "وكفاح طيبة" فرفعت اللثام عن صفحات من تاريخنا القومي وغاصت بكليتها داخل كم هائل من نصوص تاريخية تعود إلى القرن التاسع الميلادي، واختارت أحداثا نعيد معها النظر في المرويات التاريخية، ثم قدمت دعوة لنبحر معها بين شطآن التاريخ المصري القديم، ونصاحب معها "أمونيوس" في تنقله بين معابد مصر ونشاركه في البحث عن الحلقات المفقودة والفواصل التاريخية المتسببة في القطيعة الثقافية بين الماضي والحاضر، خاصة ما يتعلق باندثار لغات مصرية قديمة، وما تحمله بين طياتها من إرث شديد الثراء، كان قد تراكم عبر حقول معرفية قديمة متنوعة، إضافة إلى بعض الثورات التي قام بها المصريون في مراحل تاريخية متباينة.
كما يكشف المضمون القيمي والتاريخي للرواية عن أسباب تجاهل جوانب من التراث العلمي والفلسفي لحضارة مصر. إذن فسلوى بكر بذكائها تدعونا إلى أن ننزع عن وجوهنا أقنعة الكسل والبلادة، وأن نشمر عن سواعدنا ونطوف الأصقاع والبلاد بحثا عن الهوية المصرية التي يحاول جهلاء هذا العصر ممن يُدْعَوْنَ بالإخوان المسلمين طمسها بدعوى البحث عن الخلافة الأممية، فهويتنا ومصريتنا وتاريخنا القومي حافل بكنوز المعارف والعلوم والأفكار والفلسفة التي قام غيرنا بالسطو عليها ونسبوها زورا لهويتهم.
ثم إن الرغبة الصادقة في المعرفة – التي يمثلها بطل الرواية "أمونيوس" – تعتبرها الكاتبة طريقنا الأوحد لاستعادة مجد حضارتنا الإنسانية المصرية التي شيدت المعابد والأهرام والتماثيل الخالدة، وهذا بعض ما تقدمه رواية "شوق المستهام" من دعوة إلى الوعي الإنساني، وتساؤل عن أسباب القطيعة مع ماضي مصر الحضاري وتجاهل البعض لجوانب من تراثنا العلمي والفلسفي خاصة ذلك الذي نقله من معابدنا وأديرتنا وآثارنا القديمة بعض فلاسفة اليونان مثل أرسطو وفيثاغورث ونسبوه فيما بعد لأنفسهم. ويحمد للمؤلفة في سردها الدرامي المتقن الذي انساب بالأحداث انسياب ماء النيل نقل جوانب من التقاليد المتوارثة في البيع والأديرة وصورة الحياة والقواعد بطابعها المدني والديني، وأسرار الطبابة والشفاء حتى يخيل لقارئها – من فرط صدقها وواقعيتها ودقتها في الوصف – أنها كانت تعيش في ذلك الزمان وتلك الأمكنة.
وتيسر لسلوى بكر ذلك من خلال استخدامها أسلوبا أدبيا راقيا بعيدا عن المباشرة، ولغة عربية بليغة تفيض رقة وعذوبة من فرط صدقها وجمال رونقها وحسن سبكها وخصوصيتها التي تتماشى مع مناخ وزمن الأحداث، بحساسية شديدة توظف اللغة داخل النص في إطار جمالي متقن، وليست وظيفة تجميلية أو زخرفية. حيث كان السرد محملا بمفردات ومصطلحات وتراكيب لغوية خاصة بها، ومن ذلك وصفها لشخصية "أبانوب" قائلة "وله حظ من فراعة الطول"، ووصفها لمريضة زارها "أمونيوس" على لسانه: "وجدتها فتاة افترسها الهزال". وقولها على لسانه أيضا: "فأردت "تبيان" الغرض من ذهابي إلى البرية والبحث بها عن كتب للطبابة"، فتأمل كلمتى "تبيان وطبابة" لتدرك استخدامها مفردات كانت مطروقة في تلك الفترة التاريخية السحيقة. حتى مسميات المرض والعلاج والأدوية ستلاحظ أنها مفردات غير مطروقة الآن، وإنما تعبر عن الجو والزمن التاريخي الذي تدور فيه أحداث الرواية. كما تستخدم أدوات جمع غير مطروقة حتى أنها تجمع كلمة "دير" على "ديورة"، وهي مغرمة باستخدام التفعيلتين الخماسية والسداسية، فتقول على لسان "أمونيوس": "فلما تنبهت جيدا من النعاس "افتهمت" والمعتاد أن نستخدم التفعيلة الرباعية: فهمت. ولا غرابة ولا عجب فى ذلك، كما أنها تجمع سفينة على "سفائن" بدلا من الجمع التقليدي "سفن".
وإذا تأملت بعض أسماء شخصيات الرواية ستجد أنها قد اختارت لها مسميات ذات هوية مصرية فرعونية وصبغة مسيحية، وكانت مطروقة فى تلك الفترة التاريخية ومنها: "إبساى، مانتيوس،أبانوب، منتول، بسطورس، مرت مريم، باهور بن بهم، أنوخ، بالامون".
كما تنتقي سلوى بكر عنوانها الروائى من قلب المشهد القصصى فتلتقط جوهر الشيء وليس الشيء فى ذاته، بهدف أن يتكثف المعنى محملا بدلالات وإيحاءات تسمه بالاختصار والوضوح أحيانا، وتحيطه بالغموض والإبهام أحيانا أخرى؛ لتجعل هذا المعنى المكثف عبر إنتاجية الدلالة شبيها بجبل الثلج العائم، باعتبار أن العنوان هو المحور الذى يتوالد ويتنامى ويعيد إنتاج نفسه فى تمثلات وسياقات نصية تؤكد طبيعة التعالقات التى تربط العنوان بنصه والنص بعنوانه. وبذكائها ورصيدها في فن الرواية، توظف الكاتبة أحداثا من التاريخ المصري توظيفا دراميا يسهم في إثراء الحدث الدرامي، ولا يشكل عبئا على تتابع وتنامي أحداث الرواية. ومن أمثلة ذلك علاج بطل الرواية أمونيوس لفتاة مريضة بعلة نفسية، حيث تقدم لعلاجها بطلب من أهلها، ونراه يسرد عليها أحداثا من التاريخ عن قديسات مسيحيات – مثلها – سقطن شهيدات زمن الاضطهاد الوثني الروماني، بسبب ما تعرضن له من تعذيب وتنكيل شديد القسوة في مدينة طيبة، مهونا بذلك عليها مصيبتها، ليجسد بمخيلتها مصائب الشهيدات وما لاقينه من تمثيل بأجسادهن، فقد أيقن أمونيوس أنه لا جدوى من برء هذه الفتاة إلا إذا بكت وسالت دموعها، لأن أباها كان قد أخبره أنه منذ ضاع خطيبها في النهر لم تبك ولم تسل دموعها، وأدرك أن في بكائها عودة للحس والشعور والشفاء لها.. وهو ما حدث بالفعل بعد أن سمعت منه ما حل بالقديسات الشهيدات من قتل وتعذيب.
وفي السرد الدرامي أيضا أدعية ذات طابع ديني مسيحي يلائم جو الرواية التاريخي، ومن أمثلة ذلك: "طوبى لمن يعطف على المسكين، في يوم الشر ينجيه الرب، الرب يحفظه ويجعله في الأرض مضبوطا، ولا يسلمه لأيدي أعدائه، الرب يعينه على سرير وجعه، إنك أقمته من كل أوجاع مرضه، أنا قلت يارب ارحمني، اشف نفسي لأني أخطأت إليك. أعدائي تقولوا على شرا : متى يموت ويباد اسمه؟".
وتنحاز المؤلفة انحيازا مطلقا إلى الباحثين عن المستقبل عبر تاريخنا المصري القديم وهي بذلك المفهوم والمضمون القيمي الراقي تواجه فريقين أحدهما يعبر عن الخلافة الإسلامية بينما يمثل الثاني الخلافة الأمريكية، خاصة عند محطة النهاية لحظة اكتشاف الراهب جذوره وهويته الإنسانية.
ولا تغلق النهاية في رواية "شوق المستهام" حكاية بطلها أمونيوس، إذ تتناسق البداية مع النهاية، بل لا تقل أهمية عن البداية، فهي ليست مجرد ختام لأحداث الرواية، بل هي تنوير يستقطر جوهر الرواية وخلاصتها. إذ لخصت خاتمة الأحداث في مضمون قيمي ينحاز لقيمة مصر ورسالتها التنويرية إلى الإنسانية كافة، من خلال الحقيقة التي أعلنها ذلك العالم النبطي الكلداني الأصل، حين قال لأمونيوس:
"إن كل من يبحث عن العلم والحقيقة لا بد أن يأتي إلى مصر، لقد تم ذلك عبر الزمان ومنذ الزمن العتيق، كل الفلاسفة المرموقين كانوا يحجون إلى عين شمس ومنف ليتشربوا من علمائها وحكمائها، فيثاغورث عاش بها مدة اثنين وعشرين عاما، وأفلاطون تسعة عشر عاما، وكذا أرسطو وغيرهم كثيرون حتى الأنبياء جاءوا إليها إبراهيم ويعقوب ويوسف، ومخلصكم عيسى بن مريم لقد هبط الجميع إلى مصر، وها أنا أهبط إليها بعد كل هذي الدهور باحثا فيها".