ملامح بلاغية في رواية مولانا

19/09/2016 - 11:39:37

د. عبد الرحيم الكردي - ناقد مصري

رواية "مولانا" الكاتب المصري محمد العون تنتمي إلى نوع من الروايات يسمى رواية "السيرة الغيرية" استخدم الكاتب فيها الشكل الروائي والتقنيات الروائية الحديثة بمهارة في رسم صورة حية لشخصية ملك مصر فاروق الأول، لكن الكاتب لم يكتف باستخدام الشكل التقليدي لرواية السيرة الغيرية في رسم هذه الصورة، بل جدد فيه، ومن الطريف أن أكثر جوانب التجديد التي أحدثها جاءت من استخدامه لتقنيات بلاغية قديمة في التراث العربي، إذ طور الكاتب كثيرا من التقنيات البلاغية وأخضعها للسرد الروائي الحديث بمهارة، مثل التورية ووضع المضمر موضع الظاهر والفصل والوصل والكناية.
أولا: التورية
فأول ما يلفت انتباهنا في رواية "مولانا" (التي نال عنها جائزة الدولة التشجيعية) هو الرؤية المنظورية في عنوان الرواية وعلاقة هذا العنوان بالنص الروائي، فعلى الرغم من أن الرواية تعمل على رسم صورة لشخص معروف ومحدد المعالم هو الملك فاروق الذي تولى حكم مصر منذ سنة 1936 حتى 1952 إلا أن الرواية لا تذكر اسمه صراحة، لا في العنوان ولا في صلب الرواية، بل تطلق عليه لقبا من الألقاب التي تطلق على الملوك من قبل الرعية أو الحاشية أو الشعب الموالي لجلالته هو لقب مضاف لضمير المتكلمين، وهو "مولانا" وعبارة مولانا هذه ليست كلمة واحدة، بل هي عبارة عن("أنت السيد" + "نحن الرعية" + "علاقة السيد هو الأعلى بالمسودين الأدنى نحن") العبارة إذن تحمل منظورا دونيا، أو رؤية دونية تنظر إلى صاحب اللقب من أسفل إلى أعلى، لكن مع تقدم أحداث الرواية وجلاء الصورة الحقيقية لشخصية "مولانا" يتضح أن مولانا هذا ليس مولى على الإطلاق، بل هو على النقيض من ذلك عبد لشهواته، وأسير لظروفه وتربيته القاسية التي جعلته رغم النعمة الظاهرة والسطوة والرفاهية التي يرفل فيها مكبلا لا ينعم بالحرية التي ينعم بها بسطاء الناس من رعيته ومواليه، وهنا تكمن التورية فالمعنى القريب للكلمة أنها تدل على السيد المبجل، بينما المعنى البعيد المراد هو أنه عبد، وفي التورية تكمن المفارقة البلاغية، إذ يجتمع في الشخص الواحد الوصف ونقيضه في وقت واحد، ومما يعمق من حدة المفارقة ويمنحها المستوى السطحي لشكل التورية، وهذا ما يعمق المستوى المعنوي لها أن كلمة مولى في اللغة العربية من المشترك اللفظي، لأنها تطلق على المعنيين معا، فالمولى في اللغة العربية الفصحى هو السيد والرب والمالك والمنعم، وفي الوقت نفسه تطلق كلمة المولى على العبد والتابع، بالإضافة إلى هذين المستويين هناك مستوى أعمق من المفارقة، ويكمن هذا المستوى في أن التقابل بين صفتي السيادة الظاهرية الجوفاء والعبودية الحقيقية الكامنة في شخص الملك يبعث نوعا من السخرية، سخرية القدر التي جعلت السيد عبدا، وفي الوقت نفسه فإن التفاصيل التي تسوقها الرواية عن حياة هذا الشاب الذي ساقته الأقدار في هذا المأزق تدفع إلى التعاطف معه، وهنا يجتمع النقيضان معا، السخرية الباعثة على الضحك والتعاطف المثير للشفقة والبكاء، وهكذا نرى المفارقة ذات ثلاثة أبعاد، بعد في المشترك اللفظي وآخر معنوي، وثالث وجداني في الجمع بين السخرية المضحكة والتعاطف المبكي.
ثانيا: وضع المضمر في موضع الظاهر، وشبه كمال الاتصال
فإذا تجاوزنا عنوان الرواية وبدأنا في قراءة النص الأصلي فإننا سوف نجد محمد العون يستخدم تقنيتين بلاغيتين معروفتين في البلاغة القديمة، وهما وضع المضمر في موضع المظهر، ثم يوظف هذه التقنية توظيفا سرديا يختلف عن توظيفها في التراث العربي، فهو يبني الرواية على شخص لم يذكر اسمه بل يشير إليه بالصفة والضمير هو، ثم يستخدم هذا المضمر باعتباره أول غرزة في النسيج السردي الذي تتفرع منه خيوط السرد في اتجاهات متعددة حتى نهاية الرواية، في انتظام وإحكام، وفي فواصل سردية تتم العلاقة بينها عن طريق ما يطلق عليه البلاغيون "شبه كمال الاتصال" وهي التقنية الثانية، أي أن تأتي الجملة التالية إجابة لسؤال تبعثه الجملة السابقة، لكنه يجعل هذه العلاقة بين المفاصل السردية، وليس بين الجمل، وهذه التقنية البلاغية عندما تأتي في السرد تعمل على التشويق والتماسك النصي.
فهو في أول الرواية يقول: "كانوا يعرفون أنه يبكي، ظلوا في أماكنهم يرقبونه من بعيد، وهو يقف وحيدا عند شاطئ البحر، بينما تسود حولهم حالة من الارتباك والحركة السريعة لإعداد المكان". هذه الفقرة السردية تشبه الجملة المبنية للمجول والتي تثير أسئلة كثيرة من قبيل: من هو؟ ولماذا يبكي رغم ما هو فيه من أبهة ونعيم؟ وأين هو الآن؟ ومن أين جاء؟ وإلى أين هو ذاهب؟ ومن هم؟ وكيف يكون وحيدا وهم حوله؟ ولماذا هم قلقون رغم ما يحيط بالمكان من أمان؟
والرواية بعد ذلك لا تخرج عن كونها إجابة عن هذه الأسئلة، لكن الإجابة عنها ذات مستويات وأبعاد متفاوتة في العمق، فالسؤال عن من هو لا يقتصر على التعريف باسمه ووظيفته وتاريخ ميلاده وأسرته، بل يتطرق للسؤال عن حقيقة شخصيته ومكوناته النفسية الفكرية والوجدانية، والسؤال الثاني عن السبب في بكائه لا يكتفي بالموقف العارض الذي يجعله يفعل ذلك الآن، بل يتطرق للبكاء المعنوي للحالة العامة وللجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية السيئة المحيطة بالعرش، والسؤال الثالث عن أين هو الآن لا يكتفي بالموقع الجغرافي بل بالموقع المتعلق بالأحوال التاريخية الأكبر، والسؤال المتعلق بقلق الحاشية لا يتعلق فقط بالموقف الراهن على شاطئ البحر وإنما يتعلق بالقلق من حافة المصير المجهول الذي ينتظر مصر كلها، ومن هذه الخيوط الدقيقة يرسم الكاتب لوحة فنية، فيها صورة، ليس فقط لشخص الملك وإنما لمصر كلها في هذه الفترة، وهذا الامتداد الذي يتجاوز فيه السرد المستوى المباشر للذات والبكاء والمكان والزمان..الخ ويمتد إلى المعاني المجازية، وبهذا اكتسبت هذه الأشياء كلها صفة الشعرية، حسب مفهوم باشلار.
ثالثا: الكناية
هناك جانب بلاغي آخر في الرواية نشأ من العلاقة بين الصورة الفنية التي رسمتها الرواية لشخصية الملك فاروق وبين دلالة هذه الصورة لدى القارئ من ناحية، وبينها وبين التاريخ الحقيقي لحياة الملك كما روتها الوثائق وسجلتها كتب التاريخ، هذه العلاقة تقوم على الكناية، فالكناية في البلاغة القديمة هي ذكر الشيء وإرادة لازم معناه مع عدم وجود ما يمنع من إرادة المعنى الأصلي، وهذا ما اعتمدته بلاغة السرد في الرواية، فبكاء الملك في الرواية لا يراد لذاته بل للازم معناه وهو فقدان السعادة في حياته، ومع ذلك ليس هناك أي مانع من أن يكون الملك قد بكى فعلا، وكذلك الأمر في واقعة تناوله الإفطار مع الخدم والحراس، أو مصادقته لهم وغير ذلك.
لكنها في الرواية تتحول إلى كناية سردية، لأن لوازم المعنى الكنائي فيها تتحول إلى لوحة دالة بدورها، لأنها في هذه الحالة تصبح لوحة حرة، ليس فقط مجرد تاريح لحياة شخص اسمه فاروق، بل باعتبارها لوحة فنية خيالية، يمكن أن تنطبق على أشخاص في أزمنة وأمكنة مختلفة.وهنا يتوقف دور معارفنا التاريخية عن حياة الملك فاروق عند وجه واحد فقط من تأويلات الرواية، وتظل الرواية بعد ذلك زاخرة ومنفتحة على تأويلات كثيرة لمن يعرف سيرة الملك ولمن لا يعرفها، لأنها في النهاية صورة فنية ترسم ملامح شخص بهذه الصفات والملامح يسمى مولانا، أينما كان هذا الشخص وفي أي مكان كان.
هناك جانب كنائي آخر في الرواية، وهو التعبير غير المباشر عن السمات العامة للشخصية المصورة بواسطة تكرار مجموعة من الأفعال الجزئية التي تتجلى فيها هذه السمات، وذلك مثل تكرار حدوث تصرفات عديدة غير متوقعة من الملك الشاب كناية عن عدم اتزانه انفعاليا، مثل قراره المفاجئ بالسفر إلى الإسكندرية بعد انتهاء سهرته قبل الفجر، وقراره المفاجئ بالإفطار مع أفراد الحراسة، وقراره المفاجئ بالجلوس على المقهى، وقرارة المفاجئ بالتجول على الكورنيش، وهكذا.
رابعا: الالتفات
ومن الجوانب البلاغية في الرواية استخدام الكاتب بكثافة لأسلوب الالتفات السردي، وأقصد بالالتفات السردي هنا أن الكاتب يتحول في المستوى اللغوي وزاوية الرؤية الخطابية، من مستوى وزاوية رؤية الراوي إلى مستوى وزاوية رؤية بعض الشخصيات، مع الاحتفاظ بالضمائر السردية للراوي كما هي، مثال ذلك، قول الراوي: "الملامح الثابتة لم تظهر أي أثر للاستنكار على وجه مدحت بيك، موظف القصر القديم، الذي عمل منذ بداية عهد الملك الأب، وتشرب قواعد وتقاليد القصور حتى باتت تجري في دمه، امتعض واستنكر في نفسه هذه الفعلة التي رأى أنها تخالف الأصول، وعيب لا يليق أبدا بملك البلاد، حتى التواضع والتبسط مع الناس له أصول لا يصح مخالفتها، أما هذا الذي رآه فهو استهتار وخفة لا تواضع، إن مولانا له مظهر الملوك وهيبتهم من الخارج فقط، أما داخله.. فيعلم الله فالصو على الآخر زي أمه الله يخرب بيتها" فعبارة مثل "فالصو على الآخر زي أمه الله يخرب بيتها" لا يمكن أن تكون صادرة من الراوي، لأنها أولا مصوغة بمستوى لغوي عامي بينما مستوى لغة السرد الصادر من الراوي مصوغ بمستوى فصيح، ولأن الإدانة التي تحملها ألفاظ العبارة لا يمكن أن تكون من الراوي، بل من مدحت بيك نفسه، أو من رجال الحاشية أو الرأي العام في المجتمع.
وهذا الأسلوب يطلق عليه الأسلوبيون المعاصرون مصطلح "الأسلوب الحر المباشر" والكاتب يستخدمه في هذه الرواية بكثافة، وبأشكال متنوعة وفي وظائف مختلفة، فهو مرة يلتفت من خطاب الراوي إلى خطاب الجمهور، كما في المثال السابق، ومرة ثانية يلتفت من خطاب الراوي إلى خطاب الشخصية الموصوفة نفسها، مثل قوله: "رشف من فنجان الشاي واسترخى في مقعده العريض المريح لظهره من الآلام التي تعاوده بين الحين والآخر منذ حادثة السيارة التي نجا منها بمعجزة، كان القدر رحيما به فلم يمت في ذلك اليوم، لا يعرف إن كان العسكري الإنجليزي الحمار الذي قطع عليه الطريق فجأة قد تعمد ذلك طبقا لمؤامرة أعدت لاغتياله أم أن الحادث كان مصادفة كما يؤكدون"، فكلمة "الحمار" تنتمي لخطاب الملك نفسه، أما سائر الفقرة فهي من خطاب الراوي الذي يستخدم ضمير الغائب للتعبير عن الملك.
وحينا ثالثا يكون الالتفات بين خطاب الراوي وخطاب بعض الشخصيات الهامشية، مثل قوله: "سمع همساتهم وهي تدور من حوله وهم يحضرون له كوز ماء ليشرب"، فعبارة "كوز ماء" ليست من خطاب الراوي أو الملك، بل من خطاب الفلاحين المحيطين بالملك. ومن نماذج هذا الأسلوب قوله: "أشبعه أهل الإسكندرية تريقة وتندروا عليه وعلى هيئته التي لم تعجبهم، عامل زي فتوات مينا البصل، ده أصله شيخ منسر، شنباته زي شنكل الجزار" فعبارة "عامل زي فتوات مينا البصل" وما بعدها ليست من خطاب الراوي بل من خطاب العامة.
وحينا رابعا يتم الالتفات بين ثلاثة مستويات مثل قوله: "علت الهتافات من جديد ترد تحيته بأحسن منها. ما أجمل أن تحكم الشعب المصري، فين ولاد الكلب الذين يقولون إن شعبيته انخفضت وإن الناس أصبحت تكرهه". في هذه الفقرة نجد صوت الراوي في العبارة الأولى "علت الهتافات من جديد ترد تحيته بأحسن منها" ثم صوت الملك نفسه في العبارتين الأخريين، لكن العبارة الأولى منهما "ما أجمل أن تحكم الشعب المصري" من حديث النفس أو المنولوج، أما العبارة الثالثة، فعلى الرغم من أنها من الحديث النفسي للملك غير أن الضمير للغائب يدخل في صوت الراوي.
وبعد
فإن هذه الملامح البلاغية في السرد العربي المعاصر تؤكد لنا أن الفنون الأدبية الحديثة رغم اقتباس هياكلها من الحضارة الغربية فإنها تظل امتدادا للروح العربية الأصيلة، والفن العربي والذوق العربي في التعبير، وأن البيان العربي الحديث في مجال السرد العربي هو امتداد وتطور للبيان العربي التراثي.