صور الظلام والنور في رواية « أرض المدامع »

19/09/2016 - 11:37:54

د. هشام مشبال - باحث وروائي من المغرب

"أرض المدامع" خطاب روائي عن التخلف وعن الثورة وعن الذات الإنسانية التي تصارع واقعا مأزوما تنحصر فيه الآمال الإنسانية. وإذا أمكن اختزال هذه الرواية في هذا البعد الذي يرى فيها خطابا عن الحياة وهي تتقلص شيئا فشيئا في ذوات شخصياتها الحائرة، فإن هذا المقال سيحاول أن يجيب عن سؤال يشكل جوهر هذا النص السردي: كيف يسهم التصوير الروائي في تحقيق الذات الإنسانية توازنها في عالم شديد التعقيد؛ يتسم بالتخلف والطبقية واللا عدالة وانعدام القيم الإنسانية؟
يصدر هذا المقال عن تصور ينظر في صور الأسلوب في جنس الرواية من زاوية بلاغية وظيفية، أي تلمس المكون اللغوي في نوع أدبي مخصوص وربطه بباقي العناصر التي تسهم في تشكيله البلاغي. وقد أدى تعميق التأمل في "أرض المدامع" للكاتب المغربي البشير الدامون إلى استخلاص نمطين من التصوير يتحكمان في النسيج الاستعاري للنص، وهما يتفاعلان باستمرار ليكشفا رؤية الكاتب واستراتيجيته الجمالية التي يتوخى من خلالها التأثير في القارئ. يمكن تحديد هذين النمطين في: صور التيه من خلال التركيز على استعارة الظلام- وصور الحلم من خلال الاستناد إلى استعارة النور. وكأن الرواية تحولت إلى استعارة كبرى ذات طرفين متقابلين هما: الظلام والنور.
1- صور التيه واستعارة الظلام:
تطالعنا الرواية بهذه الصورة:
"أعبر بحرا من الليل.
بعيدا تترامى أمام عيني شبكة أنوار معلقة على منحدرات جبلين، تغيب بين المنعرجات لتظهر من جديد. ماء السماء الهامي يجعلها تبدو خافتة. أتكئ على نافذة الحافلة، أرمي نظراتي، تتراءى لي الجبال المحيطة بمدينة تطوان كفكي حيوان خرافي ضخم انفتحا ليبتلعا المدينة وأضواءها".
كل مكونات هذه الصورة توحي بالتيه؛ تغرق البطلة التي نجهل اسمها في الظلمة، الأنوار المعلقة بعيدة وخافتة، تظهر وتغيب، الجبال المحيطة بتطوان تبدو مثل فكي حيوان خرافي يبتلع المدينة وأضواءها ويحولها إلى عتمة دائمة. هذا النسيج الاستعاري المكثف في الصورة يختزل فكرة تحاول الرواية توصيلها لدى القارئ يمكن وصفها بـ "البحث عن الذات في عالم متخلف". تقوم هذه الصورة على تكثيف مجازها؛ ليس الأسلوب هنا زخرفة فحسب، بل إنه يتوخى وظيفة ما؛ لنقل إنه يحفز على توصيل رؤية النص ومقاصده. تختزل الصورة إذن أحد مقاصد النص الرئيسة المتمثلة في حيرة الذات ولا يقينها في عالم يعاني الاستبداد والتخلف وانعدام الحرية.
إن صور التيه التي تملأ الرواية بصيغ مجازية مختلفة، تتساند جميعها لتؤكد أطروحة النص؛ فبطلة الرواية الرئيسة، ابنة الدار الكبيرة، اللقيطة التي لا تعرف أصولها، والحالمة بالتغيير، ستخوض رحلة البحث عن الذات سعيا إلى اكتشاف هذه الأنا أو هذا اللغز الذي يماثل في الرواية موضوع الكنز المؤرق لكل الشخصيات التي ستخوض المغامرة بحثا عن هذا الكنز. بيد أن تأمل صور التيه في الرواية يؤدي بنا إلى اكتشاف نمطين من الموضوعات المسيطرة على النسيج الاستعاري، هما: النور والظلام. هذا ما توضحه هذه الصورة التي تندرج في سياق أحداث 1984 التاريخية:
"قارب النهار من نهايته، أشعة الشمس تنسحب من كوات المحل يتبعها نورها. اعتمر محل الدرازة (*) ظلام تثقبه ألسنة ضوء تتسرب عبر الكوات من الساحة. كان الضوء المنبعث من المصابيح الكهربائية القليلة خافتا وهو ينثر ظلالا كئيبة في هذا الليل الذي أعيشه خوفا وقلقا. سواد بارد برودة قلبي ينشر بكثافة ظلاله على جنبات ساحة السوق ومداخل الدروب. مغص حاد في بطني. الليل والرعب يجثمان علينا. من بعيد يصلنا صراخ وشتائم وصوت رصاص".
مرة أخرى نلمس توظيفا مكثفا لصور الظلمة والنور؛ زوال النهار وانسحاب الشمس والنور الخافت من جهة.. يوازيه انتشار الظلام وهو ينثر ظلالا كئيبة. تعمد هذه الصور إلى تعميق الشعور بالقلق والخوف والتيه في ذات البطلة. ترد هذه الصورة في سياق تاريخي مرتبط بالأحداث التي عرفتها فاس؛ حيث تم قمع المظاهرات بالرصاص والقوة المفرطة. يتجادل النور والظلام في الصور الروائية ويكشف احتدامهما في النص عن حافز خفي؛ إنه جدل يبرر وظيفيا كيف تضطلع المجازات والاستعارات بوظائفها العملية في الشرح والتعليل والتحفيز. فحين تقول البطلة في هاتين الصورتين:
"سألون العتمة التي تغلني ببياض ناصع"
"هكذا أصبحت أرى الحياة، ظلمة تلونها خيوط فضية بيضاء"
تكشف هاتان الصورتان عن الطريقة التي يتوسل بها الكاتب في بناء شخصياته التائهة والكشف عن إشكالية وجودها؛ حيث النور والظلام باعتبارهما نسيجا استعاريا يتعارضان داخل كل صورة؛ وهما يعمقان فكرة التيه التي تؤرق البطلة وتدفع بها إلى خوض المغامرة؛ سواء مغامرة النضال أو مغامرة البحث عن الكنز في سراديب القصر.
تتردد صور الظلام والنور إذن في النص ضمن أشكال مختلفة وصيغ متباينة عبر التراكم الكثيف للمجازات، وهي صور تنزع معظمها إلى التلبس بسمة الشاعرية التي تتجسد نصيا في البوح والتأمل الداخلي والمونولوج الذي يطبع بنية الخطاب السردي. وإذا كانت استعارة الظلام تكشف عن حافز التيه في ذات البطلة الحائرة، وتبرر لنا نزوع الكاتب إلى جعلها شخصية غير سوية متناقضة مترددة حالمة قوية وخائفة في آن؛ فإن ماضي الشخصية وتاريخَها يعللان حالة الهذيان التي ستغمر ذاتها في نهاية الرواية وتدفعها إلى حالة الصفاء والحلم والتوق إلى النور بعد سلسلة من المغامرات التي خاضتها في سبيل تحقيق تلك الغاية. بيد أن طلب النور وتحقيقه صيغ في النص بطريقة تدرجية عبر توالي الصور الموحية. على هذا النحو يمكن القول إن البياض الذي ترجوه البطلة على امتداد الصور الروائية في النص سيتحقق في النهاية، تدعمه سلسلة من الصور الاستعارية والبلاغية.
ثمة عنصران يهيمنان على الصور الكثيفة في الرواية؛ الظلام والنور. فبينما تغرق البطلة في السواد يحثها النور الآتي من بعيد على مواصلة الطريق والحلم. وتمثل استعارة النور نقطة تحول في الرواية، تدعمها سلسلة من الصور التي تؤكد توق البطلة إلى التغيير في الذات.


2- صور الحلم واستعارة النور:
توجد البطلة في نهاية الرواية في قلب الضوء أو النور. فبعد رحلة الخوف والتخفي في دار الباشا خوفا من الاعتقال، ها هي تخوض رحلة البحث عن الكنز في سراديب القصر مع السيد وولديه أمير وعبد النور. لكنها لم تكن في الحقيقة سوى رحلة البحث عن الذات وإدراك هذه الأنا الملغزة والمحيرة.
إن الظلام الذي يضطلع بدور مهم في تشكيل صورة البطلة، حيث يعبر عن حيرتها ويصور تيهها العميق، يمكن اعتباره أحد الحوافز التي تدفع هذه الشخصية إلى محاولة البحث عن النور. فكل القلق الذي عاشته وهي تناضل من أجل القيم النبيلة، وكل الخوف الذي تربص بها وهي تناضل وتواجه وتحلم، كل ذلك صيغ سرديا في النص بوساطة النسيج الاستعاري والصور البلاغية التي تمتح من السواد خصوصيتها. إنها صور موغلة في التيه والظلمة واللايقين. هذا ما عبرت عنه البطلة بقولها:
"حالتي المرضية طالت شهورا، كآبة قاتمة منعت عني الأنوار، صارت نصلا ينخرني. خوف، قلق، برد، فهذيان. تمكنت مني الحمى. عظامي تطأطئ".
إن النور الهارب، أو الحافز الهارب في النص، يمكننا من إدراك التوجه الجدلي لشخصية البطلة. فهي لا تتصرف بدون حافز سببي يعلل لنا حيرتها وتخبطها، بل إنها تسعى إلى تحقيق مطلب النور بوصفه استعارة للأمل، على نحو ما تسعى إلى بلوغ دنيا جديدة بلا خوف أو ظلم. وإذا كانت علة البطلة نتاجَ تأملها العقلي في الحياة ومآزقها المختلفة، فإن بلوغ النور يمثل مطلبا روحيا تجسده المشاعر اليقينية الخالصة، وكأن البطلة انكفأت على ذاتها تتأملها لتحقق توازنها المفقود.
يسهم الاستخدام الكثيف والرمزي لاستعارة النور، في تبرير التحول الذي تعيشه البطلة وهي تتمرد على قلقها النفسي الذي حولها إلى كائن هش مسكون بالحيرة والتردد. وهذا ما يفسر لنا طبيعة الصور المستخدمة التي تمتح من العالم الروحي مادتها وخصائصها. فالبطلة تغوص في ذاتها وتجربتها المتناقضة وأحاسيسها الهاربة لتستمد منها نور اليقين. هذا الحافز الهارب (النور) يمكن اعتباره في مستوى مجرد رمزا للخلاص، وهو ما يفسر لنا الاستخدام المتكرر للحوار الداخلي (المونولوج) حيث تجادل الشخصية ذاتها بحثا عن اليقين والسكينة.
هكذا تشكل صور النور حافزا على بلوغ الطمأنينة والتخلص من ميراث الأرق والحزن والقلق. إنها تمثل داخل النسيج الاستعاري للرواية لحظة تحول في الذات من حالة يأس إلى حالة مغامرة وفعل. ويدفعنا هذا إلى القول إن رحلة البحث عن الكنز ليست سوى بحث عن جوهر الأنا واكتشاف الوجود. سيقود الحب والحلم البطلة إلى خوض رحلة البحث عن الكنز وعن الذات، بدافع من الصور الممهدة لهذه المغامرة.
إن النور الذي يضطلع بدور مهم في كشف باطن الشخصيات، يدفعنا إلى القول إن غزارة الصور في النص تتوخى التعبير عن الأعماق الإنسانية المضطربة. إنها تخدم غرضا واضحا هو: الكشف عن تحولات الذات والتاريخ في أعماق الإنسان الحالم والحائر وفي بنية مجتمع متناقض. هذا الإنسان الذي لا يتوقف عن محاولة تلمس هويته المفقودة في مجتمع يعاني غياب الحرية والعدالة وسطوة التخلف الاجتماعي.
تعتقل البطلة في فاس بعد مشوار من الهروب، تتعرض للتعذيب الشديد، لكن ذلك لم يمنع من تدفق صور النور في نهاية الرواية. إن هذا الاختيار الواعي لاستعارة النور وإضفاءها على الشخصية الرئيسة في الرواية صيغ بتدرج يوازي تحول الحبكة السردية من مرحلة الثورة والاندفاع والتمرد على المجتمع، إلى مرحلة التأمل الذاتي في الوجود والأحاسيس.
لقد خاضت البطلة رحلة البحث عن الكنز وعن النور وعن الذات يتنازعها الخوف واللا يقين، لقد كانت في الحقيقة تتقدم في حيرتها وهي تخوض المغامرة. (لقيطة تحب أميرا- ثائرة تبحث عن كنز- مناضلة تختفي في القصر- حاملة للمبادئ عاشت في دار العاهرات إلخ). ولعل التحول في الرواية من الظلمة إلى النور يوازيه كذلك تحول من العقلانية إلى محاولة التلبس بالخيال والأحاسيس الخلاقة. فهاهي البطلة في قلب التعذيب والظلمة تحلم بحوريات يسبحن بها في "قلب بحيرة من نور".
(*) مكان صنع الحصير.