اللص والذئاب .. مأساة شاعر عاش بين وحوش الصحراء

19/09/2016 - 11:35:07

أحمد حسين الطماوى - كاتب مصرى

عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى
وصوّت إنسان فكدت أطير
قرأت هذا البيت منذ زمن طويل فى كتاب "ليالى سطيح" لحافظ إبراهيم دون أن يذكر اسم قائله، ثم قرأته فى كتاب "حديث عيسى بن هشام" لمحمد المويلحى الذى أغفل اسم الشاعر، وقد استثارنى البيت فأخذت أبحث عنه فى كتب التراث، لأعرف بواعث الشاعر على قول بيته، ووقفت على أن الأحيمر السعدى هو صاحبه، وأن البيت قيل فى قصيدة، وللأسف لا توجد فى كتاب واحد وقد استطعت أن أجمع منها عشرة أبيات من كتب متفرقة، ويضيق المقام عن إثباتها كلها وسنورد منها ماله صلة قوية بموضوعنا.
وقد حفظ كثيرون بيت "عوى الذئب" دون بقية الأبيات ودونوه فى بعض الكتب بمفرده، كذلك انفصل عن قائله، حتى أن كثيرين يحفظونه- دون معرفة اسم الشاعر، مما صرف القراء عن معناه الخابى.
البيت كما فهمه الناس
وسر خلود هذا البيت أن كثيراً من الناس والأدباء ألبسوه معنى يتجاوب مع حالاتهم الشعورية، وهذا المعنى يتعلق بظلم الإنسان وغلظ قلبه، فضلا عن أنانيته وجشعه وكذبه... حتى أن شخصا يهرب من شخص إذا سمع صوته، أو لمح ظله، أما استئناس الشاعر للذئب فى نظر الناس فهو مجرد مبالغة وخيال متلبس بالوهم، فالذئب لا يستأنس ولا يؤتمن. وقد علق حافظ إبراهيم فى "ليالى سطيح" على البيت قائلاً:"أى والله لقد صدق القائل ما خلق الله خلقا أقل شكراً من الإنسان، ولا أطبع منه على افتراء الكذب والبهتان".
وجاءت أقوال المويلحى فى كتابه سالف الذكر عن البيت فى حدود إدانة الإنسان، والتنديد بأفعاله الشائنة.
ومع الأديبين الكبيرين، وغيرهما من القراء الحق فى تناقلهم بيت الأحيمر حسب معناه البادى، فما من إنسان إلا وأصابه من ضرر من خبائث صديق، وألمت به نوائب من جار أو قريب، وساءت ظنونه وبخاصة إذا وقع عليه غبن وعسف من غيره، لذلك يجد القارئ فى تعبير الأحيمر مصرفاً لآلامه فيردده ليتبرد صدره.
البيت كما فهمناه
ولكى نفهم الكلام فإننا يجب أن ننظر إلى ما قيل ومن قال، والذين يقولون بموت المؤلف خاطئون، ففى الأدب لا نستطيع فصل الروح عن الجسد، أى لا بد وضع القائل بجانب مقالته عين هنا وعين هناك.
وبالرجوع إلى كتب التراث، فى شأن الأحيمر، وقفت على أهم أخباره، ووجدت كتاب "سمط اللآلى" يقول عنه: هو الأحيمر بن فلات بن الحارث بن زيد السعدى، ويقول عنه الآمدى فى "المختلف والمؤتلف" "ليس بمرفوع النسب عند سعد بن زيد بن تميم" ويعده البكرى فى كتابه "اللآلى فى شرح آمالى القالى" من شعراء الدولتين الأموية والعباسية، ولكن محمود شاكر يرجح فى هوامشه على كتاب "الوحشيات" لأبى تمام أنه شاعر عباسى، ويستند فى هذا إلى ما قاله ابن قتيبة فى "الشعر والشعراء": "وهو متأخر، وقد رآه شيوخنا، وكان هربه من جعفر بن سليمان" وهناك رواية ذكرها المسعودى فى تاريخه "مروج الذهب.." ترجعه إلى عهد الدولة الأموية، وقد يكون عمره امتد إلى أوائل الدولة العباسية.
وأهم أخبار الأحيمر ومعالم حياته تفيد أنه كان لصا خارجاً وصعلوكا عاديا، سلابا نهابا، قال عنه الآمدى: " كان فاتكا مارداً" وقال عنه البكرى الأنبى فى شرح "أمالى القالى": "كان لصا خارجا" وعده صاحب "محاضرات الأدباء" ضمن لصوص العرب، وفى كتاب "مجموعة المعانى" لمؤلف مجهول طبعة الجوائب سنة 1301 هـ تجد شعر الأحيمر فى باب "التلصص والتسرق".
وكان شأنه شأن الشعراء الصعاليك فى الجاهلية الذين خلعتهم قبائلهم لأفعالهم الشائنة، واحتموا بالجبال، واعتصموا بالفلوات وهاجموا القوافل، وأغاروا على المنازل مثل عروة بن الورد، وأبى خراش الهذلى، والسليك بن السلكة، وتأبط شرا والشنفرى وكلهم شعراء، والأحيمر من طائفتهم، ارتكب جرائم فظيعة، وأتى أفعالا آثيمة، وصار موضع مؤاخذة ومطلوبا للمحاكمة، فآثر الفرار وأقام فى القفار آنسا بالذئاب.
والمعانى المستخفية فى بيت الأحيمر وفى ضوء لصوصيته، وكثرة جناياته هى خشيته من الإنسان لأنه هو الخطر الحقيقى عليه.
إذ قد يمسك به ويسلمه لأعدائه أو يرجفه ويرعده ويعطله عن السطو، بينما لو أبصر الذئب أو سمع عواءه، فإنه يأنس به ويأمنه، لأن الذئب لن يمنعه من السرقة، أو يسلمه للشرطة واستئناس اللص بالذئب، كما سنبين، حقيقة وليس مجازا أو خيالا لأنه لطول مقامه فى الصحراء ألف الذئاب، ويذكر ابن قتيبة فى "الشعر والشعراء" قول الأحيمر: "كنت أغشى الظباء وغيرها من بهائم الوحش فلا تنفر منى لأنها لم تر غيرى قط، وكنت أخذ منها لطعامى ما شئت". وقد طاف الأحيمر بالبلدان وجال بين العراق والشام، وطوحت به الأيام إلى اليمن وفيها ولج أو كاد أرض وبار، فرارا من الوالى، وفى "الشعر والشعراء" يقول الأحيمر "ظننت أنى جزت نخل وبار، أو قد قربت منها، وذلك لأنى كنت أرى فى رجع الظباء النوى، وصرت إلى مواضع لم يصل أحد إليها قط قبلى".
ولأن الليل حكمه الظلام، وطبيعته العتام، وستر اللصوص من العيون الراصدة، فإن الأحيمر يفضله على النهار وينذر للشمس النذور إذا هى غابت ولم تشرق، إنه يود أن يمضى حياته مع الليل الداجى فى مسراه، يقول فى القصيدة التى منها بيت "عوى الذئب".
فلليل إذ وارنى الليل حكمه
وللشمس إذا غابت على نذور
استصحاب الذئاب
أما حديث الشاعر عن استئناس الذئاب فلا نجد فيه مبالغة كبيرة، ولا يعزب عنا أن لص ذلك الزمان القاطن تقريبا فى الصحراء، ويجوس فى ثنايا المسالك ومنحنيات الجبال والتلال ألف مشاهدة الذئاب وغيرها مما جعله لا يتهيبها، ومن يطالع شعر الصعاليك يدرك أنهم يكثرون من ذكر الذئاب، ويدبجون حكايات عنها تفيد الألفة معها، وقد أثبت كتاب "الشعر والشعراء" عدة أبيات للأحيمر يروى حكايته مع ذئب يقول:
أرانى وذئب القفر إلفين بعدما
بدأنا كلانا يشمئز ويذعر
تألفنى لما دنا وتألفته
وأمكننى الرمى لو كنت أغدر
ولكننى لم يأتمنى صاحب
فيرتاب بى مادام لا يتغير
والأبيات واضحة، وكلمة يشمئز فيها، تشرح الحالة النفسية الداخلية للذئب والشاعر فكل منهما تقبض من الآخر وذعر ونفر كراهة ولا شك أن الشاعر كان يخشاه ويخاف من أذاه، وكذلك الذئب، ولكن الذئب اقترب من الشاعر دون إشعاره بالأذى، وكان فى إمكان الشاعر رميه، ولكن كلا منهما ثبت أمام الآخر حتى ذهب النفار، وزال الروع.
وهذه الأبيات تعمق بيت الأحيمر "عوى الذئب.." ويلفت الشاعر نظرنا إلى أن الذئب ائتمنه فى حين لم يأتمنه صاحبه الإنسان، والخلاصة أن كلا منهما لم يضمر مساءة للآخر.
ولم ينفرد الأحيمر بألفة الذئب، وإنما استصحب قبله الشنفرى الذئاب والنمور والضباع والوعول بعد أن خلعه أهله، وتبرءوا منه وأقام فى البادية بين الحيوان الوحشى، يقول فى "لاهية العرب" المنسوبة إليه مخاطبا أهله:
ولى دونكم أهلون: سيد عملس
وأرقط زهلول وعرفاء جيأل
هم الأهل الأدنون لا السر ذائع
لديهم ولا الجانى بما جر يخذل
وسيد (بكسر السين) من أسماء الذئب، ومن أسمائه الأخرى أطلس وأوس، وسرحان وذؤالة ولغوس، وسيد عملس ذئب سريع وأرقط زهلول النمر الأملس، وعرفاء جيأله أنثى الضبع لها عرف طويل غزيرة الشعر، وهذه الوحوش ليست هى أهله الجدد فحسب وإنما هى المقربة لديه، وتنصره إذا ارتكب جناية ولا تفشى أسراره، وطبعا يعاون الذئب اللص على السرقة، لأن اللص والذئب لصان، وهكذا تتوقف أشعار اللصوص على طبيعة مجتمعهم الذى تتحرك فيه الحيوانات البرية حركة واسعة دون أن تمس الشاعر بأذى وهو بينها عاكف عليها.
وهناك تجربة أخرى لشاعر إسلامى خالط الذئب وتعشى معه فى ليل قاتم الآفاق، والشاعر هو الفرزدق (ولم يكن لصا وإنما هو شاعر علم صاحب جلالة فى دولة الشعر وقيل إنه حافظ على ثلث اللغة) وكان يوقد نارا ويشوى لحما فى هزيع الليل المتأخر، وجاءه ذئب يتلمس الطعام، يقول الشاعر.
وأطلس عسال وما كان صاحبا
دعوت بنارى موهنا فأتانى
فلما دنا قلت ادن دونك إننى
وإياك فى زادى لمشتركان
فبت أسوى الزاد بينى وبينه
على ضوء نار مرة ودخان
إلى أن يقول:
تعش فإن واثقتنى لا تخوننى
نكن مثل من يا ذئب يصطحبان
وظل الفرزدق يحادثه وكأنه يناجيه ويبره ويطلب منه عدم الخيانة، والأطلس العسال هو الذئب الذى يهتز أثناء سيره، وقال شاعر آخر:
تقابل الذئب مع الإنسان
واصطحبا تصاحب الأخوان
حتى إذا جاعا تلقى الذيب
إشارة يفهمها اللبيب
ومر يعدو قانصا دجاجة
وجاء فيها قاضيا للحاجة
فشقها الإنسان واشتواها
وجلسا معا ليأكلاها
وتدل هذه التجارب على أن الإنسان بإمكانه تعويد حيوانات البوادى على الألفة، وتهذيب طباعها، وقد استأنس الإنسان منذ أزمان بعض الحيوانات، وحولها إلى خدمته وحراسته مثل الحمر والكلاب والبقر والأفيال، ويقول العقاد فى مقال عنوانه "الحيوان يصادق أعداءه" نشره الهلال عدد مايو 1950 "وليس تعويد القط والفأر أن يتصافيا ويشتركا فى الطعام بأصعب من تعويد الذئب أن يحرس الطفل، ويحمى الشاة ويقتل فى سبيلها من كان أخا من إخوان العائلة فى غابر العصور"
ولا تعجب بعد هذه الأمثلة من استئناس الأحيمر للذئب وقد استأنسه غيره، ومما يساعد على عدم التهيب من الذئب أنه "إذا رأى الإنسان مبطئا خطوه وهو ساكن سكت عنه" كما يقول أبو حيان التوحيدى فى "الإمتاع والمؤانسة".
وليس معنى هذا أننا ننفى عن الذئب أنه خبيث خوان، مغامر هجام، وويل لإنسان قابل ذئبا جوفه خلا من الطعام، وقد أورد القدماء حكايات كثيرة تفيد مكره وعلى سبيل المثال حكاية الأسد والذئب وابن آوى والجمل فى "كليلة ودمنة" وحكاية الجدى السالم والذئب النادم فى كتاب "مفاكهة الخلفا" لابن عرب شاه وحكاية الأسد والثعلب والذئب النمام فى كتاب "أخبار الأذكياء" لابن الجوزى وغيرها.
منطق اللصوص
وهؤلاء الشعراء اللصوص، ومنهم الأحيمر يؤمنون بمبادئ خطيرة منها أن الأموال التى فى حوزة الأغنياء ليست لهم وحدهم، وإنما هى ملك للجميع، ولم يخص الله بها أحدا، ويقول أحد هؤلاء الصعاليك:
وأسرق مال الله من كل فاجر
وذى بطنه للطيبات أكول
ويقول الأحيمر السعدى فى القصيدة التى منها بيت "عوى الذئب"
وإنى لأستحيى من الله أن أرى
أجرر حبلا ليس فيه بعير
وأن أسأل المرء اللئيم بعيره
وبعران ربى فى البلاد كثير
فاللصوص يرون أن المال هو مال الله، وأن البعران هى بعران الله وهو قول صحيح، ولكن امتلاك هذا المال يجب أن يكون حلالا وكسبه بالسعى لا بالسرقة والسلب.
والخلاصة أنه قد يكون استئناس الأحيمر للذئب ممكنا، أما الإنسان الذى يطير منه إذا سمع صوته فإنه مظلوم فى البيت، لأن من يمنع لصا من السرقة أو يساعد على الإمساك به إنسان نافع للمجتمع، وقد لقى الأحيمر جزاءه، ويكفى أنه عاش حياة مأساوية فى البيداء بعيدا عن الأنس الحقيقى بين الأصدقاء والأقرباء.