القاتل المجهول في الأدب

19/09/2016 - 11:31:03

ممدوح فراج النابى - ناقد مصرى

رصدَ الأدب في حراكه وتفاعله مع الواقع وإشكالياته الكثير من الظواهر التي كانت في أغلبها نتاجات سياقات اجتماعية واقتصادية وسياسية بالغة السوء، وقد ترك كثير منها تأثيرًا وأصداءً مع الجمهور بعد وقوعها. كيف اعتمد الأدب في كثير من النصوص على تيمة القاتل المجهول، كواحدة مِن التيمات التي بَرَعَ الكُتَّاب في تحميلها أبعادًا ومعاني أكبر من معناها المباشر بغياب القاتل، أو حتى مجرد البحث عنه، إلى أبعاد ودلالات مختلفة؟
من ذلك ما جاء في صيغة رمزية كالرغبة في التخلّص من الظلم والدعوة للتحرّر مثلما حدث في رواية نجيب محفوظ «رادوبيس» 1943 فيتجه السّهم المجهول، أو ما سماه محفوظ في عنوان رمزي (سهم الشعب) في نهاية الرواية صوب الملك، لكنه يحيد عن هدفه، ومع هذا فقد حمل تفسيرات عِدَّة منها أنه تعبير عن مشاعر الغضب والسُّخط من سياسة الملك الذي انصرف إلى راقصة قصر بيجه «رادوبيس» وأهمل الشعب وأموره، فكما يقول الكاهن طاهو مُحملاً لها كل ما حدث: «لقد كان جمالك لعنةً على كل من رآه. لقد عذَّب قلوبًا بريئةً، وخرَّب قَصْرًا عَامرًا، زلزل عرشًا أمينًا، ولوّث قلبًا شريفًا، إنه لشؤمٌ ولعنةٌ». وفي «اللِّص والكلاب» 1961، يتكرَّر الأمر ذاته وإن كان القاتل ليس مجهولاً وإنما معلوم؛ فسعيد مهران اللّص الخارج من السّجن، بعدما فقد زوجته بعد أن انتزعها منه صديقه عليش، وعدم اعتراف ابنته به، يتوجّه إلى قصر رؤوف علوان أستاذه الذي علّمه السّرقة فيتنكر له بعد أن صار رئيس تحرير. محاولة الاعتداء من قبل «سعيد مهران» ليست موجّهة إلى رؤوف علوان وحده بل إلى من زيّفوا المبادئ، وداسوا على القيم الأصيلة. وكأنها اقتصاص من رموز الفساد الذين حرّضوه ثمّ نفضوا أيديهم منه، لكن تنتهي الرواية بمُحاصرة الشُّرطة لسعيد مهران، وإطلاق الرصاص عليه من جميع الجهات، فيبادلهم الطلقات العشوائية مجهولة الهدف، حتى يستسلم في نهاية الأمر بلا مبالاة بعدما فشل في أن يسيطر على شيء ما ليقاوم به.
وفي مجموعة محفوظ «دنيا الله» 1962 قصتان.. الأولى بعنوان «القاتل»، وهي تتحدّث عن شخص مُتسوِّل يُدعي بيومي يجد نفسه في وكسة بعد أن يخرج من السجن، فلا يجد عملاً أو حتى أحد يقبل به في العمل فيتساءل عما يفعل في «وكسته هذه أين وماذا يفعل؟»، حتى يقابل في ليلة حالكة وسط تساؤلاته وهو على شفير أزمة جديدة المعلم عليّ، وبعد حوار قليل يطلب منه أن يقتل الحاج عبدالصمد الحباني، رفض ثم انصياع بعد إغرائه بخمسين جنيها، وتورط في العملية، والغريب أنه لا يرتبط بعلاقة بقاتله. أما القصة الثانية فهي بعنوان «ضد مجهول»، فتدور حول حوادث قتل كثيرة دون معرفة مَن القاتل، حتى أن الضابط المــُكلَّف محسن عبد الباري أثناء سعيه لتقصي الحقيقة يفشل فيشعر بالهزيمة، ثم يلجأ إلى الشعر الصوفي الذي يحبه، فيضطر آسفًا إلى تقييد القضية ضد مجهول، وبعد شهر يقتل لواء قديم من رجال الجيش بالطريقة نفسها، ومضت الإجراءات بلا فائدة، فالجريمة موجودة بلا شك بدليل وجود جثة الضحية، ولكن كلها ترتكب بلا مجرم. فيهتز الرأي العام وبخاصّة بعد أن وقعت الجريمة الثالثة، وكان ضحيتها شابة في الثلاثين، فرغم أنها كانت مريضة بالتيفود منذ عشرة أيام، وتوقع لها ذووها الموت بالمرض، إلا أن المجرم المجهول كان أقرب إليها من المرض. ثم عثر الجنود بعدها بشهر علي جثة متسول عريان، وقد قتل بالطريقة نفسها، ثم سقط جسم من ترام بعدها بأيام، وتبين أنه مقتول بالطريقة نفسها، فيصاب الضابط المكلف بالجنون فيتفقد الشرطة والمخبرين، ويتفحص الوجوه والأماكن، ويمضي في يأس تام، ويناجي يأسه طويلا، وهزيمته المرة، ويودُّ لو يقدم عنقه إلي المجرم شرط أنْ يعفي الناس من حبله الجهنمي، لكن الإدارة التابع لها الضابط تشعر بأن خطأً لا بدّ من إصلاحه فينقل الضابط إلى الأرياف جزاء له على فشله، ولكن المأمور يدخل مكتبه، فيجده مقتولا بالطريقة نفسها. ويأمر المأمور بكتمان الخبر عن الصحف.
كانت القصة تمثل اتجاه محفوظ الرمزي، فالقصة في الأصل تجريدية ولا قاتل بالمعني الحقيقي، حيث الحكمة التي يريد أن يوصلها محفوظ أن الموت لا يفرِّق ويأتي بغته لذا يجب علينا أن نتجاهله وهو الرد الفعلي عليه، لكن فكرة القاتل المجهول، مكمنها أن الشيء الذي نبحث عنه ربما هو قريب منا جدًا على نحو ما حدث مع المأمور ذاته.
في قصة نجيب كان القاتل مجرد وهم، ووجود جثث وضحايا مختلفي المشارب تأكيد لواقعيتها فقط، لكن الأمر يختلف عند توفيق الحكيم في رواية «يوميات نائب في الأرياف» 1937، حيث القاتل رغم أنه مجهول وتُقيد القضايا ضدّ مجهول إلا أنّه في نهاية الرواية يوجِّه الاتِّهام ليس لشَخصٍ كما يجب أنْ يكون وإنما للسُّلْطة. فالحكيم يصف حياة البؤس في الريف وما يعانيه من إهمال وإقصاء، ويبدأ روايته بالعثور على جثة قمر الدولة علوان مقتولاً، وتنتهي الرواية بالمحقِّق أثناء تقفيل محاضر النيابة بعد أن فشل في إيجاد القاتل، فيَعثرُ المحقق على ملف قضية قمر الدولة علوان الذي فشل في العثور على قاتله الحقيقي، فينظر إلى ملف القضية ويحدِّث نفسه في منولوج هكذا: "إن هذا المجنى عليه قد مَات وانتهى مثل غيره من مئات المجنى عليهم في هذا المركز والمراكز الأخرى في القطر، ذهب دمهم جميعًا أرخص من الحبر الذي حبرت به محاضر قضاياهم، وانتهى ذكرهم عندنا رسميًا في ذلك الإجراء الأخير البسيط، تحفظ القضية لعدم معرفة الفاعل ويكتب للمركز باستمرار البحث والتحري، فيجيب المركز بعبارة آلية مألوفة محفوظة يحرِّرها كاتب الضبط في حركة آلية وهو يقضم شرش جزر «جار البحث والتحري» وهي كلمة الوداع التي تقبر بها القضية نهائيًا".
وفي قصة «مَن قتل مريم الصافي» من مجموعة قصصية بالاسم نفسه لمحمد المنسي قنديل، يأخذنا الكاتب في قصة أحداثها لا تختلف عن قصة الحكيم، حيث تتعدَّد جرائم القتل دون معرفة القاتل أو حتى التعرف إلى أصحاب الجثث، وبما أن الضابط يعاني أزمة هروب أمه، التي يخال صورتها في كل مكان، وسطوة والده الذي يقهره في كل تصرفاته، فما إن لمح مريم المرأة ـ التي سافر زوجها إلى ليبيا وتركها وحيدة تعمل كالرجل ـ حتى احتفظ بصورتها في ذهنه. وينتهز فرصة العثور على جثة قيل إنها لزوجها، ويتوجه إليها في منزلها؛ لينتزع منها اعترافًا، يوجِّه إليها الأسئلة وهي تنكر الاتهامات الموجهة إليها، حتى تتداخل الصور؛ صورتها الشبقية التي لم تفارقه منذ أن رآها، وصورة أمه الهاربة، فيهم باغتصابها وهو تحت نوازع شتى، حتى تغلب على وعيه صورة الأب فينتهي بقتلها، مدفوعًا بعقدة إلكترا، وعقدة أوديب أيضًا. ثم يأمر الخفير بأن يُلقي الجثة في قاع النهر لتستقر هي الأخرى مع الجثث المجهولة، ليطل السؤال من قتل مريم الصافي؟ وكأن القاتل مجهول.
من أشهر نماذج الأدب العالمي للقاتل المجهول راوية "العطر" للكاتب الألماني باتريك زوسكيند، وتحكي عن جان باتيست غرنوي، الذي قتل رغبة في الامتلاك، ليس امتلاك الأجساد بل امتلاك الروائح، منذ أن بهرته رائحة فتاة شارع «دي ماريه» ذات الشَّعر الأحمر، فهَامَ خلفها، ولم يشعر بالارتياح إلا بعد أن تملَّك رائحتها، ثم ما واصله بعد ذلك من استخراج عطره الخاص من أجساد الفتيات، والذي على إثره قتل ما يقرب من خمس وعشرين فتاة، استخلص من أجسادهن تلك الرائحة التي صار بها محبوبًا من قبل الآخرين كتعويض لحالة الرفض والنفور من غياب هويته التي لازمته، وأرَّقته كثيرًا.