عبد الحميد بك العبادي وذكريات الحج

19/09/2016 - 11:29:14

عرفة عبده علي - كاتب مصري

للمؤرخ العظيم عبد الحميد بك العبادي فضل كبير على التاريخ الإسلامي تعرفه حق المعرفة أجيال تخرجت على يديه، على مدار أكثر من أربعة عقود منذ عام 1917، واستمعت لمحاضراته القيمة أجيال من الشباب، ظلت تحتفظ بأجمل الذكرى لما سمعت وظلت تحتفظ بصور الماضى الإسلامى فى مجده وعزته، والتى رسمها ونقشها فى الأذهان – رسما بسيطا ونقشا حيا – حتى لم يجدوا عناء فى حملها كأنما صاغها من نفوسهم، ولا نجاوز الحق عندما نقول إن أجيالا من المؤرخين وأستاذة الجامعة اتخذوا من علم العبادى أساسا لدراستهم فى التاريخ الإسلامى.
ولد العبادي بالإسكندرية فى مارس 1892. وفيها أتم تعليمه الابتدائى والثانوى. ثم التحق بمدرسة المعلمين بالقاهرة وتخرج فيها عام 1914. ودرس أيضا القانون وحصل على ليسانس الحقوق. وشارك مع طه حسين فى وضع أول مشروع دراسة عن الحياة الإسلامية للعصور المتعاقبة على ظهور الإسلام، غير أن أحمد أمين قام بمفرده بتنفيذ المشروع فكتب فجر الإسلام، وضحى الإسلام، وظهر الإسلام، وهذا أعظم ما كتب في هذا الشأن.
بدأ الدكتور العبادي حياته العلمية بالتدريس فى مدارس الجمعية الخيرية الإسلامية بطنطا والقاهرة وعُين عام 1917 أستاذا للتاريخ بمدرسة القضاء الشرعى، وكان بين زملائه المرحوم أحمد أمين. وظلا صديقين حميمين فى لجنة التأليف والترجمة والنشر، كما كان صديقا للشاعر عبد الرحمن شكرى. وعندما افتتحت الجامعة المصرية بالقاهرة عام 1925 اختير العبادي أستاذا للتاريخ الإسلامى بكلية الآداب، وظل يعمل بها إلى أن أنشئت جامعة الإسكندرية عام 1942، فنقل إليها أستاذا للتاريخ الإسلامى بكلية الآداب ثم عميدا لها، وظل يشغل هذا المنصب عشر سنوات إلى أن أُحيل إلى التقاعد عام 1952، وفى أثناء تدريسه بالجامعة انتدب للتدريس بجامعة الأزهر وكلية دار العلوم وكلية الآداب بجامعة عين شمس، كما قام بالتدريس فى دار المعلمين العالية ببغداد ثم عُين أستاذا للتاريخ بمعهد الدراسات العليا التابع لجامعة الدول العربية وظل يشغل هذا المنصب إلى أن اشتد به المرض وسافر إلى لندن للعلاج لمدة ثلاثة شهور ثم عاد إلى مصر وتوفى فى أغسطس 1956. وكان العبادى عضوا بكثير من الهيئات العلمية والثقافية ومنها لجنة التأليف والترجمة والنشر ومجلس إدارة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، ومجمع اللغة العربية، وعضوا مراسلا بالمجمع العلمى العربى بدمشق كما مثل مصر والجامعات المصرية فى عدد من المؤتمرات الدولية ومنها مؤتمر المستشرقين، وكم من أجيال فى هذه المعاهد والمحافل العلمية أفادت من محاضراته وأبحاثه.
ومن مؤلفاته "صور من التاريخ الإسلامى" وكتاب عن الدولة العباسية والأندلس وله كتاب مجمل تاريخ الأندلس، وترجم إلى العربية كتاب "علم التاريخ" تأليف هرنشو، كما ترجم مشتركا مع محمد بدران كتاب "تاريخ المسألة المصرية" الذى ألفه تـيودور وتشيستين (صديق مصطفى كامل ومحمد فريد) وحقق بالاشتراك مع الدكتور طه حسين كتاب نقد النثر المنسوب لقدامة بن جعفر، وراجع كتاب "الحضارة الإسلامية" الذى ترجمه عن الإنجليزية الأستاذ جاويد. ونشر الكثير من المقالات التاريخية، والأدبية فى الصحف والمجلات.
عاشق الصحراء
وكان العالم الجليل محبا للترحال، خاصة فى الصحراء التى عشقها، والتى علمته من دروسها وأسرارها ومكنون أمرها ما لم يكن يبلغه بالدرس وبالقراءة، فكتب: "لقد أسعدنى الحظ فسافرت فى الصحارى وسلكت طرقها ومسالكها غير مرة... تجولت فى صحراء مصر الغربية وتنقلت بين واحاتها العتيقة المتقادمة، وضربت فى صحراء مصر الشرقية مرتادا شعابها وأوديتها وشم جبالها، وسلكت من جزيرة العرب ما بين جدة ومكة، وما بين مكة والمدينة، كما جزت بادية الشام وعبرت البرية المترامية الواقعة بين الشام والعراق، وأشهد لقد علمتنى هذه الأسفار من أمر الصحراء ما لم أكن أعلم، ووقفتنى فى أسرارها ومكنون أمرها على ما لم أكن لأبلغه بالدرس والقراءة، مما جهدت.. الصحراء تبعث فى نفوس أهلها وعشاقها الرجولة الكاملة، والإيمان الصادق، والعبقرية التامة".
ومما يفسر عشقه لصحراء العرب، أن سمات شخصيته انسجمت مع سماتها، فهى واضحة نقية، لا تعرف المصالحات وتحرر المرء فلا يعتقد إلا فى جوهر الحقائق المطلقة.
رحلة الحج
وكعادة مكة المكرمة فلها مع كل قاصد حكاية، ومع كل زائر موعد، فتشحذ ذاكرة الجميع بسيل من المعانى المتنوعة، وتجسد بتفردها عبقرية الأماكن الجاذبة، فتوحى بفيض من ذكريات "رحلة العمر".. وعندما رحل د. عبد الحميد العبادى لأداء فريضة الحج عام 1938، كان حريصا على تسجيل مشاهداته وانطباعاته، بأسلوبه المتميز الشيق الممتع، السهل الممتنع، مجسدا ذلك التجاذب بين الوجوه والأمكنة، وقبل ذلك، فقد أجاد التعبير عن المشاعر والرؤى التى تكتنز رحلة الحج، بداية من فراق الأهل والولد، استجابة لنداء خليل الرحمن: من فراق المحب إلى لقاء الأحب، فكتب:
"سارت بنا السفينة تشق عباب البحر متياسرة نحو المشرق، وماهى إلا أن تراءت سواحل الحجاز، حتى عرا الركب نوع من الوجد والهيام يعرفه العشاق المعاميد، ويعرفه المقربون الواصلون من الصافية.. وحاذت بنا السفينة "رابغة" فأذن مؤذنها أن أحرموا أيها الحجاج، فما هي إلا سويعات قلائل حتى خيل إلى أن أهل السفينة قد استحالوا ملائكة أطهارا".
وأسرع العبادى بتدوين انطباعاته وكتب "وبلغنا النزل الذى أعد لمقامنا بأعلى مكة، فقذفنا فيه بمتاعنا، ثم أسرعنا نؤم الحرم لنطوف بالكعبة ونسعى بين الصفا والمروة، وإن أنس لا أنسى مشهدنا وقد انتظمنا موكبا واحدا وأخذنا ننحدر من المعلاة فى جوف الليل البهيم ونسير رويدا رويدا، ومطوفنا بين أيدينا يهتف ملبيا بصوته الأجش، فنردد نحن التلبية بأصوات منبعثة من أعماق قلوبنا، فتتجاوب بأصدائها جنبات الطرق وتمضى صعدا فى السماء، لقد كان المشهد رهيبا رائعا، ومنه عرفت كيف تسمو الروحانية فى الإنسان على المادية متى استغرقته الفكرة السامية وتولاه الإيمان العميق.
ثم يقف المطوف ويقف الموكب لوقوفه، فإذا بنا قبالة باب عظيم من أبواب الحرم الكثيرة، وتحتبس الأنفاس، وتجب القلوب، وتمتد الأبصار، كأنما تريد أن تلقف بنظرة واحدة منظر ذلك المسجد الرحب الذى كان يضم فى تلك الساعة من الليل عشرات الألوف من الطائفين والقائمين والركع السجود، وكنت قد قرأت فى بعض الكتب وصف الحرم المكى فلم يشق على أن تبين معالمه لأول مثولى فيه، فهذه الكعبة مؤتزرة بالسواد ومحتلة قرارة المسجد ووسطه، وهذا الحجر الأسود يتزاحم الناس على استلامه، وهذا حجر إسماعيل، وهذا المطاف من حول الكعبة يتدافع الطائفون فيه تدافعا، وهذا مقام إبراهيم، وتلك بئر زمزم يردها الطائفون ويشربون منها عللا بعد نهل، وهذا سائر المسجد من حول ذلك كله، والمسجد فى جملته مسقوفة حواشية، وأما سائره فسقفه السماء وفرشة الحصباء، وتطل عليه جبال أبى قبيس وقعيقعان والصفا والمروة.
كم للتعبد فى هذه القبعة بعينها من معانى التوجه المباشر إلى الواحد القهار المسخر لقوى الطبيعة، والمصرف لها على هذا النحو الذى لا يحتمل جدلا ولا مراء!.. هنا يجد الإنسان نفسه وجها لوجه أمام ما يُعرف فى الفن الرفيع والأدب العالى بالعظيم والجليل حسا ومعنى"!
من وحى الوقوف بعرفه
والمتأمل فى انطباعات العبادى سيدرك من خلال أسلوبه وثقافته ومشاعره ملامح المزج بين الأدب والدين فى تعادلية تحمل ذوب العقيدة ورقة الأحاسيس وألق اللغة ورصانه التعبير وروعة البيان فى إيقاع فنى وثراء فكرى متنوع، ونمضى فى تتبع وقائع رحلته:
"إذا كان الحرم المكى يوحى إلى نفس معنى ما هو قوى ورائع وجليل، فإن للوقوف بعرفه – وهو أهم مناسك الحج – وحيا آخر ومغزى عظيم الشأن.. وعرفات جبل يبعد عن مكة نحو عشرين كيلوا مترا، ويشرف على هضبة مترامية الأطراف ينزلها الحجيج فى مضاربهم وخيامهم، معهم أزوادهم ورواحلهم وسياراتهم التى تقلهم، فإذا كان وقت الوقوف بعرفه أخذ الحجاج يخرجون من خيامهم فيصعدون إلى الجبل ويدعون الله ويضرعون إليه، ويستغفرونه لذنوبهم وخطاياهم، ثم يعودون وقد طفلت الشمس للغروب مطمئنين واثقين من ذنوبهم حطت عنهم واستقبلوا صفحة جديدة من حياتهم بيضاء يرجون ألا يكتب لهم فيها إلا كل ما هو خير لهم، ولقد وقفت بعرفه مع الواقفين، ودعوت الله مع الداعين، وأشهد المنظر رائع بل هائل! لقد جاءوا الله جميعا كما خلقهم، وكما يقبضهم، وكما ينشئهم النشأة الأخرى، لقد ردوا فى ذلك اليوم المشهود إلى الأصول التى يتساوى فيها الناس جميعا، وعلموا أن ما سواها متاع الغرور".
فى المدينة المنورة
واكتملت سعادة المؤرخ الكبير ببلوغ "طيبة" فتطيب من خير بقاع الأرض، يغمره "شوق مختلف" إلى مثوى خاتم المرسلين "حبيب الله" وسجل خواطره وهو يخطو إلى مشارفها متمثلا تاريخها وعظمة ماضيها، ثم متجولا فى خططها وطرقها، متعرفا على معالمها ومعاهدها:
"وإذا كان الحج بركنيه العظيمين من طواف بالكعبة ووقوف بعرفة يوحى معانى الجلال والبساطة، فإن فى الحجاز مشهدا ثالثا من الحج ولم يفترضه الشارع على الناس، ولكن شهوده واجب على المسلم فى شرعه الذوق السليم على أقل تقدير، ذلك زيارة قبر الرسول فى المدينة المنورة، ولقد قصدنا الزيارة بعد أن قضينا مناسك حجنا وكنت طوال الطريق من مكة إلى المدينة يهزنى شوق يختلف عن ذلك الذى كانت تضطرم به جوانحى عند توجهنا إلى مكة، لقد كان الشوق الأول شوقا إلى المجهول غير المعلوم إذا صح هذا التعبير، أما الثانى فكان شوقا إلى المعلوم غير المجهول، إلى إنسان أثير حبيب.
ولقد صدق من أطلق هذا الوصف الجميل على الثاوى بالمدينة عليه السلام، فهو حبيب إلى الله الذى اصطفاه لتبليغ رسالته، وهو حبيب إلى الإنسانية بما أسدى إليها من صنيع باق على وجه الزمان.
شارفنا المدينة فتواردت على الذاكرة أحداث ذلك البلد الذى يعد فى مقدمة البلدان التى أثرت فى تاريخ العالم أبلغ التأثير.. وطفقنا نتجول في خطط المدينة وطرقها الضيقة الملتوية وننشق بها ريح القدم وعظمة الماضي ونتعرف معالمها ومعاهدها: هنا بركت ناقة الرسول لأول قدومه المدينة... تلك آكام اليهود، هذا أثر الخندق، ذلك جبل أحد، تلك سقيفة بني ساعدة، هذا البقيع، وهذا مهوى الأفئدة ومحط الرحال، هذا مسجد محمد بن عبد الله وموضع قبره الشريف. ألا لقد رأيت في أسفاري قبور كثير من عظماء الشرق والغرب، وأشهد أني لم يأخذني شيء من الرهبة والهيبة التي أخذتني عندما وقفت حيال قبر الرسول العربي العظيم.
والمسجد النبوي تحفة فنية رائعة تعرف فيه خفة الروح والوقار والهيبة. وقد لزمه الطابع الذي كان له على عهد الرسول، طابع منزل الرسول ومجلس الرسول ومسجد الرسول، فأنت إذا استقر بك المقام فيه أحسست أنك في منزل صديق حميم أو أخ كريم. كل شيء فيه يبعث فيك الأنس وينفي عنك الوحشة، فأنت في منزلك، على حد تعبيرنا المألوف، تلك السقوف العالية تتدلى منها الثريات الوهاجة، وتلك البسط الوثيرة، وتلك النقوش المذهبة تغشى الجدران، وتلك المحاريب الأثرية النفيسة، وتلك القبة الذاهبة فى السماء، كل ذلك فيه معنى اللطف ومعنى الأنس، وإن شئت فقل فيه معنى الإنسان الصادق والإنسانية الصحيحة، الحرم المكى يريك معنى الإله والألوهية، والحرم المدنى يريك معنى الإنسان والإنسانية.
كل ما فى المدينة جميل: جمال فى الطبيعة تعرفه فى الماء والزرع والسهل والجبل، وجمال فى الخلق تعرفه فى دعة أهل المدينة، الذين رضى أسلافهم الأنصار برسول الله قسما وحظا فى حياته وبعد مماته، ثم جمال ثالث فى المسجد وفى الذكرى التى يثيرها.
أما بعد فإن الجلال بمكة، والبساطة بعرفه، والجمال بالمدينة. ولست أعرف قطرا آخر أجمع لهذه المعانى الثلاثة من الحجاز".
ما دونه العبادى، ومن سبقه من الرحالة والمؤرخين والأدباء، يؤكد أن أدب الرحلة الحجازية سيظل حافلا بالمعطيات، كما ستظل مكة المكرمة والمدينة المنورة يحويان فى ذاكرتهما كل الحكايات التى لا تنتهى!