نيفيل شوت .. روائي لا يعرفه القارئ العربي

19/09/2016 - 11:28:14

شرقاوي حافظ - مترجم مصري

تحدث بعض العرب عن الطريق النرويجي في بورتسموث، بل ذهب البعض عندما تحدث عن أدباء خمسينيات القرن العشرين عن نيفيل النرويجي، والأغرب أن البعض قال إن نيفيل شوت نرويجي الجنسية! والحقيقة أن الطريق الذي يطلق عليه اسم نورواي في بورتسموث، وطريق نيفيل شوت في هامبشاير بالإضافة لكثير من المنشآت سواء في بريطانيا وأستراليا وأمريكا التي تحمل اسم نيفيل شوت، كل ذلك منشآت تم إطلاق اسم نيفيل شوت عليها تخليدا لذكراه. ولم تقتصر الذكرى على أنه مهندس متميز في علم الطيران فأطلقوا اسمه على منشآت في مطار بورتسموث أو على بعض الأكاديميات العلمية الخاصة بالطيران، ولكن لأن اسم نيفيل شوت انطلق في سماء الأدب نجما حققت مؤلفاته أعلى الإيرادات، ولغاية العام الحالى تحظى مؤلفاته بعرضها في تليفزيون بريطانيا وأستراليا والولايات المتحدة، وتحولت كثير منها إلى أفلام سينمائية قام ببطولتها أشهر نجوم السينما حينذاك مثل جريجورى بيك وآفا جاردنر، وأعيد إنتاجها مرات بممثلين آخرين، وتقنية متغيرة، وفي أي تصنيف عالمي لأفضل مائة رواية أدبية باللغة بالإنجليزية تحتل رواياته مراكز متقدمة.
ولأن العرب يجهلون نيفيل شوت فترجموا الطريق الذي يحمل اسمه في مطار بورتسموث بالطريق النرويجي، ولم يدركوا أن هذا الاسم لكاتب وروائي اسمه نيفيل آرثر هاملتون نورواي شوت. ولد في 17 يناير 1899، وتخرج في كلية الهندسة بتفوق وعمل تحت اسمه نيفيل آرثر هاملتون نورواي في مجال الهندسة، وتحت اسم نيفيل شوت في مجال الأدب؛ لكي لا يتأثر عمله الهندسي الذي كان جله في الطيران الحربي ولا سيما أنه شارك في الحرب العالمية الأولى باسمه الأدبى. وعلى حد قول ابنته إن نيفيل كان يصرف مرتبه من الهندسة ليشترى كتبا، وكان يقرأ لآخر لحظة من حياته، وتقول أيضا إنه كان يقول: "لم أقرأ بما فيه الكفاية"، وقد أفاده عمله في الهندسة في تكوين خلفية لرواياته غير الخلفية المعتادة في ذلك الوقت، وهى الروايات التي تقف بين الأدبية البحتة والخيال العلمى البحت.
ورغم أن رواية "ستيفن موريس" باكورة رواياته إذ كتبها عام 1923، فإنها لم تنشر إلا عام 1961. وكذلك الأمر مع روايته الثانية "قيادة الطائرة" التي كتبها عام 1924 ولم تنشر إلا عام 1961. وكانت انطلاقته الحقيقية في رواية "مقزز جدا" عام 1928 والتي نشرت في أمريكا وتناول فيها قضية العدالة الاجتماعية والاشتراكية. استمرت روايات نيفيل شوت في التألق حتى جاءت رواية "مدينة تشبه أليس" عام 1950 وحققت أعلى المبيعات في بريطانيا وأستراليا وأمريكا، وتلتها رواية "القداس" عام 1954، ليتربع نيفيل شوت على قمة مبيعات الرواية، إلى أن جاءت "على الشاطئ" عام 1957 ليدخل بها عالم السينما، ويلفت الدراما إلى رواياته التي أعيد طبعها وتحول معظمها لأفلام سينماائية ومسلسلات تليفزيونية. ثم جاءت رواية "وصى من غرفة العدد" عام 1960 لكى يختم بها رحلته الأدبية، بل حياته بشكل عام حيث توفي في 12 يناير 1960 تاركا وراءه ميراثا أدبيا يبلغ 23 رواية وسيناريو.
تتميز روايات نيفيل شوت بمعالجة قضايا إنسانية، فقد كان ضد العنصرية التي كانت تمارس حينئذ حتى بين الجنود، ويروى عنه أنه كان يفضل التعامل مع الجنود السود ويخالطهم، وتناول أيضا في رواياته مشاكل الطبقة الدنيا في العالم والطبقة المتوسطة وكان ينادى بوجوب أن تمد الطبقة العليا يدها للطبقات الدنيا لكى تتحقق المساواة والعدالة الاجتماعية.
وبالتوازى مع تفوقه في المجال الأدبي كان نيفيل شوت متفوقا في مجال الهندسة، بل قام بمعالجة معادن الطائرات وتنبأ ببعض المشاكل العلمية في توازن الطيران، ولم يمنعه من أن يتبوأ أعلى المراتب الملكية إلا التلعثم الذي كان يعانيه فوقف حائلا أمام هذا المنصب. ولما نال درجة كبير مهندسي الطيران، عقد قرانه في مارس 1931 على الطبيبة ماري فرانسيس، وأنجبا ابنتين هما هيثر، وشيرلي.
كان نيفيل يهوى الطيران حتى أنه قاد طائرة خاصة ليذهب بها إلى أستراليا عام 1948، ويعود مرة أخرى إلى بريطانيا، غير أن تلك الرحلة جعلته، بعد أن ساء الوضع في بريطانيا عقب الحرب العالمية الثانية، أن يفكر في الذهاب إلى أستراليا مجددا عام 1950، ولم يعد منها، إذ استقر فيها للنهاية حيث كانت في ذلك الوقت تابعة لبريطانيا ضمن الكومنولث، وظل فيها مواطنا إنجليزيا يتمتع بالرعاية، ورغم ذلك ناهض كل المعاملات العنصرية ضد سكان أستراليا الأصليين "الأبوريجينال". فتناول في بعض رواياته مشكلة هؤلاء السكان، بل مشاكل الأقليات بوجه عام.
يستخدم نيفيل شوت أسلوبا شائقا في البناء الدرامى لرواياته ويسبر غور النفس البشرية ويذهب بالقارئ إلى الماضى ثم يعود به إلى المستقبل والحاضر متنوعا في الأسلوب وفي السرد الذي يعتمد على السارد من خارج العمل، والسارد من الداخل في حين آخر.
وإذا كانت المكتبة العربية تخلو من أعمال هذا الكاتب الفذ فإن سلسلة "روايات الهلال" تبادر بتقديم هذا الروائى المتميز للقارئ العربي، وتسلط الضوء على أعمال لم يحجبها سوى تركيز المكتبة العربية على كتاب بعينهم، وعلى نوعية أعمال بعينها رغم أن معظم الذين تجاهلتهم المكتبة العربية يتفوقون إبداعيا وغزارة على كثير ممن اهتمت بهم. ويكفي أن نقول إن روايات نيفيل شوت كان يتم نشرها على هيئة حلقات مسلسلة في أكثر من 40 صحيفة عالمية في ذات الوقت، وإن المكتبة الحديثة لأفضل مائة رواية في القرن العشرين اختارت ثلاث روايات له في الترتيب السابع عشر والسابع والعشرين والسادس والخمسين. وإن كان نيفيل شوت قارئا نهما أنفق ما لديه قبل أن يموت بشهور ليشترى كتبا بزعم أنه لم يقرأ بما فيه الكفاية، فإن أباه كان يتصف بذلك أيضا حيث أورثه كما من الكتب العلمية التي كان مولعا بها ليصبح نيفيل مزيجا من العلم والأدب حتى قال عنه أحد الكتاب "إن نيفيل شوت عقلية لا تهدأ حتى تستكشف كل ما هو غريب من أماكن أو أفكار مزودا بتنظير علمى جعله يصطدم مع الواقع قافزا إلى الأمام".
وإن كان نيفيل نال تكريما في مجال الأدب فقد كرمته الأكاديمية الملكية العسكرية لما قدمه من مساهمات عسكرية، ومن هذا التكريم إطلاق اسمه على عدة منشآت عسكرية منها طريق نورواي بمطار بورتسموث، الذي للأسف فسره أحد المترجمين بطريق النرويج نسبة لدولة النرويج، وما حدث ذلك إلا لأن العرب جهلوا روائيا عبقريا سطع نجمه في سماء الغرب بأعمال لا تزال تملأ شاشات السينما والتليفزيون في الدول الناطقة بالإنجليزية خارج بريطانيا وفي بريطانيا. شكرا لدار الهلال لهذه المبادرة الرائعة التي لا تخرج إلا من دار عريقة تهتم بالأدب من أجل الأدب، وليس من أجل أسماء الأدباء التي صنعها الإعلام، وصنعتها السياسة.