مايكل فاراداي .. من موزّع جرائد إلى مخترع عظيم

19/09/2016 - 11:27:19

حسن أحمد جغام - كاتب تونسى

دقّ جرس المدرسة فتدفّق التّلاميذ نحو الباب في صخب كبير، فانسلّ من مقدّمتهم طفلٌ رثّ الهندام بائس الوجه، ومضى يجري متعثّرا في الأزقّة لاعبا حينا ومهرولا حينا آخر نحو منزله المتواضع.
كان هذا الطّفل ينتظر نهاية حصّة الدِّراسة ليتنفّس الصّعداء، فهو لم يعد يطيق قسوة معلِّمته جافة العواطف، التي أمرت يوما بإحضار عصا لتأديبه، لأنّها لم توفّق في إصلاح عيب لديه في النّطق، إذ كان ألثغ لا يستطيع نطق حرف «الرّاء»، فحاولت أن تخلّصه من ذلك العيب عن طريق السخريّة، وعندما وجدت أن السخريّة لم تنفع، عزمت على اللّجوء إلى الضرب واللّطم، فاشتكاها مايكل إلى أمِّه التي ضاقت ذرعا بتصرّفات هذه المعلّمة العانس مع ابنها، وكانت الأمّ ترى أنّ صحّة ابنها أهمّ من تعليمه، فأخرجته من المدرسة بعد عامين من التحاقه بها.
وبعد أسبوع من الغياب عن الدّروس، تلقى أبوه رسالة من مدير المدرسة، جاء فيها: «يؤسفني سيّدي أن أعلمكم بأنّ ابنكم المدعوّ مايكل فاراداي» المولود في 22 سبتمبر سنة 1791 قد تقرّر طرده من المدرسة نهائيّا لغيابه غير الشّرعيِّ».
لم تظهر على الطفل مايكل أيّ بشائر تنبئ عن مواهب أو نبوغ، إذ كان – كما قال هو عن نفسه - «تلميذا عاديّا في مدرسة عاديّة، أمضي ساعات فراغي من المدرسة إمّا في المنزل أو في الشارع ألعب «البلي» أو متأمّلا في غروب الشمس!»... غير أنّ والديه كانا مقتنعين بأنّ ابنهما لا يستحقّ كلّ هذا التعسّف من معلّمته ومدير مدرسته، وكانا يريان لابنهما مستقبلا مشرقا لا يلوح من المدرسة.
وكان الأب يعمل في الحدادة ليوفّر لقمة العيش لأسرته الفقيرة، وضاق به شظف العيش في قريته، فعزم على النزوح بعائلته إلى لندن واستأجر مسكنا حقيرا فوق إسطبل عربات في حيِّ «مانشستر»، وكان آنذاك حيّ الفقراء والمتشرِّدين، لكنّ هذا النّزوح لم يغيِّر من الحال شيئا، وكان مايكل يستلم من أبويه رغيف خبز صباح كلّ يوم اثنين، فيقسِّمه بعناية إلى أربع عشرة قطعة متساوية، يتناول منها قطعتين كلّ يوم، إحداهما للإفطار والأخرى للعشاء.
ظل شبح التّعاسة مرافقا لهذا الطّفل، فعلاوة على الفقر والخصاصة فقد كان سريع الإصابة بالأمراض، وكانت أمّه تعطف عليه وتسعى لإسعاده أكثر من إخوته وتقول لزوجها دائما: "إنّ في ذهن مايكل ذكاء وقّادا يتأجّج بمرور الأيّام، ألم تلاحظ أنّه كثير التّفكير وميّالٌ إلى النِّظام".
وبلغ فاراداي سنّ الثانية عشرة، فرأى والداه ضرورة أن يعمل ليساعدهما فبحثا له عن عمل، ويشاء القدر أن يقبله أحد الورّاقين، وكلّفه بتوزيع الصّحف على زبائن المحلّ، يقرؤونها بالأجرة في الصباح، ثم يعود فيجمعها منهم في المساء، كان ينهض مع بزوغ الفجر كلّ يوم، ليحمل على كاهله الواهن حزمة ثقيلة من الصحف، ثم يمضي بها من شارع إلى شارع وسط ضباب لا يكاد يتبيّن طريقه فيه. وقد أحبّه كلّ من قدّم له صحيفة لخفّة روحه ولسلاسة كلامه. يذكر أحد الزّبائن قال لصاحب الورّاقة: إنّ مايكل كان غلاما ذا عينين لامعتين، فوق رأسه خصلة من الشعر البنيّ... وما أراد أن يقوله معظم الزّبائن إنّهم مسرورون من خدمات هذا الطفل النشيط. فكان صاحب المحلّ نفسه مسرورا بما يسمع عنه، لذا رقّاه بعد سنة، وأرسله ليتلقّى تدريبا مجانيّا في تجليد الكتب في مؤسّسته، فرأى فاراداي أنّ هذا العمل الجديد هبةٌ من السّماء، لأنّه أمدّه بما كان يصبو إليه، فهو لم يقتصر على التّعامل مع الكتب خارجيّا فقط، بل كان يتعمّق في جوهرها، فرأى عالما سحريّا ينفتح له، وراح يلتهم الكتب التي كانت ترد للتّجليد، وكانت الكتب العلميّة أحبّ إلى نفسه، وكان شغوفا بالمقالات التي تكتب عن الكهرباء، وكان يقتصد بعض النّقودِ لشراء الكتبِ العلميّة، فيقرؤها أكثر من مرّة، وأدّت به مطالعته لهذه الكتب إلى التفكير في صنع جهاز كهربائيّ بسيط، كان يلهو به في منزله.
وكبر حبّ فاراداي للبحوث الكهربائيّة، فكان يجهد نفسه في تجليد الكتب حتى يتمكّن من الخروج باكرا من الورشة ليتوجّه إلى قاعة المحاضرات ليتابع باهتمام بالغ ما يقوله الأساتذة في الفلسفة الطبيعيّة، لكنّ حضور هذه المحاضرات لم يكن مجانّا، فكان يدفع معلوما عن كلّ محاضرة يستمع إليها فساءت حالته المادِّية وذهب ليشتغل عند ورّاق آخر لأنّه عرض عليه أجرا أعلى من الأوّل. لكنّه لم يكن مرتاحا لمؤجِّره الجديد الذي كان حادّ الطّبع، ولم يكن له عطف مؤجّره الأوّل ولا ذكاؤه، فتأزّم الوضع بينهما، ووجد فاراداي نفسه عاطلا عن العمل، فعاد يبحث من جديد عن عمل في ورشة تجليد أخرى.
وفي هذه الفترة الحرجة مات أبوه في خصاصة وضنك شديدين، وبقيت الأمّ تعاني أشدّ حالات البؤس، لكنّ الفقر المدقع لم يمنع فاراداي من الحضور خفية في بعض المحاضرات التي كان يقدّمها العالم الشهير «السِّير همفري ديفي» الذي كان أحد أساطين العلم آنذاك. وهكذا نهل فاراداي قسطا آخر من رحيق العلم، تقدّم به خطوة جديدة إلى الأمام نحو المستقبل المشرق.
وأثناء استماعه إلى بعض محاضرات «ديفي»، فكّر في نسخ هذه المحاضرات بخطّ جميل، ثم جلّدها تجليدا متقنا، وأرسل إليه هذه النسخة مع رسالة يتوسّل له فيها بأن يلحقه بدائرته العلميّة، لكنّه لم يتلقّ ردّا، فحزّ ذلك في نفسه، وكان يعود في كلّ يوم إلى المنزل كئيبا بائسا يائسا ومرهقا من جرّاء بحثه عن العمل.
وذات ليلة، سمع فجأة صوت عربة تتوقّف أمام المنزل، فاهتزّ لطرق الباب، ثم سمع صوتا يقول: "افتح يا مايكل فأنا سائق السِّير همفري أحمل إليك رسالة". فقفز فاراداي من مكانه وفتح الباب، ثم اختطف الرِّسالة من يد السّائقِ وفتحها فقرأ فيها: "انتظرني في مكتبي غدا صباحا" همفري.
قضّى فاراداي ليلته وبوارق الأمل تداعب مخيلته، وفي الغد لم يصدّق فاراداي أنّ «السِّير همفري» عيّنه عاملا في مختبره، وكانت وظيفته في الواقع هي غسل الزّجاجات وتلميع المكاتب وكنس أرضية المخبر. فعمل فاراداي بكدّ وإخلاص، لأنّه اعتبر نفسه قد ارتقى من مجلّد كتب إلى فرّاش في معمل السِّير همفري! ولكنّه كان لا يفارق مؤجِّره حين يكون في المخبر، ولم تمضِ عن عمله سوى مدّة وجيزة حتّى برهن فاراداي "لديفي" على أنّه ليس منظِّف الزّجاجات فقط، بل مفكّرٌ ذو ذكاء وقّاد، ممّا جعل الأستاذ يشرّك التلميذ مشاركة حقيقيّة في إجراء بعض التجارب. وصار فاراداي يرافق «السِّير همفري» إلى عدّة بلدان ومناطق يبحثان فيها، ويجريان اختباراتهما العلميّة الخطيرة، وقد أصيب كل من ديفي وفاراداي إصابات شديدة أثناء إجرائهما بعض هذه التجارب، حتّى أنّ فاراداي كاد يفقد يده على إثر انفجار مركّب "الكلوراين" وهو غاز الكلور والأزوت، لكنّه لم ينج من بعض الجروح والحروق التي ألزمته الفراش مدّة.
ولكنّ هذا الحادث لم يثنِهِ عن مواصلة أبحاثه مع «السِّير همفري»، رغم ما حدث معه من مشاحنات كانت تفتعلها بينهما زوجة «السِّير همفري» الشِّرِّيرة، وقد قال عنها: "إنّها امرأة عدوانيّة متسلّطة، تسعى دائما إلى تجريحي وإذلالي"، وفعلا كانت هذه المرأة تمعن في قهره وإذلاله حتى بلغ بها تشفِّيها إلى الاعتراض عن حضوره في حفل عشاء أقامه في «جينيف» الفيلسوف السويسري «دي لاريف» على شرف بعض رجال العلم. وقد خصّص لفاراداي مكانا على المائدة كبقيّة المدعوّين، فثارت ثائرة زوجة ديفي واعترضت على تلك المساواة، وأصرّت على أنّه ليس إلا خادما لزوجها، ممّا أظهر اشمئزاز الحاضرين من تصرّف هذه المرأة الحمقاء.
لكنّ فاراداي أظهر كثيرا من الحكمة والتّسامح، حتى اهتمّ به رجال العلم الحاضرون وتحدّثوا معه في عدّة مواضيع، فكانوا كأنّهم يتحدّثون مع أحد كبار الأساتذة، لما أبداه من سعة المعرفة في مجال الكهرباء واطّلاع واسع في مجالي الفيزياء والكيمياء.
استمرّ همفري وفاراداي يعملان جنبا إلى جنب مكتشفين غوامض الطبيعة مفسّرين رموزها، وأصبح الأستاذ يعتمد على تلميذه في كثير من المسائل، بعد أن اقتنع تماما بمقدرته لدرجة أنّه طلب منه، أن يصحبه كمساعد فلسفي في المحاضرات التي سيلقيها في عدد من العواصم الأوروبيّة.
حتى قبل أن يبلغ هذا التعاون بين الرجلين، حين كان ديفي على وشك أن يصل إلى أعظم اكتشافاته، سأله أحدهم: "ما أعظم اكتشافاتك؟" فأجاب على الفور "مايكل فاراداي"!
وبدأ نجم فاراداي يسطع في الأوساط العلميّة، فقبل محاضرا مساعدا في المعهد الملكيِّ للبحث العلميِّ بلندن، فارتفع دخله وتحسّنت حاله، وتعرّف على إحدى الفتيات الحسان بالمعهد، فتزوّجها فكانت مخلصة له بارّة به، ووقفت إلى جانبه في أبحاثه، وسهرت معه اللّيالي في مخبره، وكانت دائما تخشى عليه من الصّعقات الكهربائيّة التي كانت تحدث أمامه أحيانا وهو ممسكٌ بعدّة أسلاك لا يعرف مفعولها إلاّ هو. وكان في تلك الفترة يعرف أنّ التّيّار الكهربائيّ يمكنه أن يمغنط قطعا من الحديد الموضوعة بالقرب منه، ففكّر في القيام بالعمليّة العكسيّة: أن يمرِّر سلكا في مجال مغناطيسيّ محاولا توليد الكهرباء، فأخفق في المرّة الأولى ثمّ حاول ثانية وثالثة، ولكنّه أخفق كذلك، إلاّ أنّه لم يستسلم وأقرّ العزم على تحقيق هدفه، لأنّه كان واثقا من أنّ حساباته لم تكن خاطئة.
وأخيرا وفي سنة 1831 لفّ فاراداي 220 مترا من السِّلك حول أنبوبة من الورق المقوّى، ووصل طرفي السِّلك بمقياس كهربائيّ، وأدخل في الأنبوبة عمودا مغناطيسيّا، وكان كلّما حرّك هذا العمود المغناطيسيّ داخل الأنبوبة دفعا وجذبا، أشار المقياس إلى تولّد تيّار كهربائيّ.
وكان هذا الاكتشاف الخطوة الأولى في اختراع جهاز توليد التّيّار الكهربائيِّ الذي يعرف «بالدِّينامو» الذي كان منطلق تطوّر الكهرباء في العالم، وأوجد بذلك ظاهرة الاستحثاث الكهراطيسيِّ وهي أساس عمل مولِّدات الكهرباء.
وقد تعجب بعض علماء الفيزياء والكيمياء المعاصرين من عبقرية فاراداي الذي كان إلمامه بالرياضيات ضئيلا، ولم يتعدّ في دراسته المرحلة الابتدائيّة، الشيء الذي جعل هؤلاء العلماء لا يتصوّرون كيف أتمّ أعماله العظيمة.. ثم يرون أنّ جهل فاراداي بالرياضيات ساعده في إلهامه، واضطرّه للبحث عن تفسير للظواهر الكهربيّة والمغناطيسيّة ووضع مفهوم بسيط غير رياضي(*).
وقدّم فاراداي اختراعه في السّنة نفسها إلى المعهد الملكيِّ للبحث العلميِّ، فأدهش أساتذته واعتبروا عمله اختراع العصر بحقّ، وكانت له أيضا اختراعات أخرى، مثل اكتشاف مادّة البنزين في الفحم، واختزان الطّاقة والمغناطيسيّة المغايرة... وقد كان لاختراع مولِّد التّيّار الكهربائيِّ فضلٌ كبيرٌ في اكتشاف الهاتف وتحسين التلغراف والإنارة المتواصلة.
لقد فتح هذا الاختراع لفاراداي آفاقا رحبة فتوالت عليه الدّعوات لتقلّده عِدّة مناصب علميّة، إذ عرض عليه الأستاذ "تيندال" رئاسة الجمعيّة الملكيّة، ولكن فاراداي رفض هذا المنصب المشرف قائلا: «يجب أن أظلّ مايكل فاراداي البسيط»، وكان موقفه هذا على أساس أنّ حياته مسخّرة للعمل في المخابر لا في المكاتب.
ردّ فاراداي على اقتراح تيندال يجعله مثالا صادقا للتواضع، سيما وقد سجل في مذكّراته كلّ شيء عن حياته، ونشرت في سبعة مجلّدات، وممّا قاله عن مستواه التعليمي: «كان تعليمي من النوع العادي جدّا، لا يتعدّى الإلمام بالقراءة والكتابة والحساب في إحدى المدارس الصباحيّة العامة، وكنت أقضي وقتي خارج المدرسة، إما في المنزل أو في الشارع».
وواصل فاراداي حياته في مخبره، وكان لا يخرج منه إلا لحضور محاضرة مهمة وإثراء نقاشها، أو لشراء آخر ما طبع من الكتب حول البحوث العلميّة، حتّى عاجله الموت يوم 25 أغسطس 1867، في هامبتون كورت بإنجلترا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) جيمس نيومان، وميشيل ويلسون: رجال عاشوا للعلم، ترجمة أحمد شكري سالم. الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة.