حسين شفيق المصرى أمير الشعر الحلمنتيشى

19/09/2016 - 11:26:05

حسين شفيق المصرى حسين شفيق المصرى

محمد رضوان

تمر فى الثلاثين من شهر سبتمبر (أيلول) الجارى الذكرى الثامنة والستون لرحيل فارس الشعر الحلمنتيشى حسين شفيق المصرى الذى أثرى المكتبة العربية بشعره الفكاهى بألوانه التى ابتكرها مثل الشعر الحلمنتيشى والمشعلقات والمشهورات وغيرها من فنون الشعر الفكاهى.
وللشاعر ايضاً قصائد وجدانية غنائية مثل قصيدته "ختم الصبر بعدنا بالتلاقى" التى تغنى بها الموسيقار فريد الأطرش فى غنائياته المبكرة الأولى، ولم ينشر للشاعر فى حياته وبعد رحيله ديوان يجمع قصائده ومشعلقاته سوى مجموعة تحت عنوان "أبو نواس" الجديد جمعها وأصدرها تلميذه الشاعر محمد عبد المنعم "أبو بثينة" بعد رحيل الشاعر الذى أثرى المكتبة العربية بهذا اللون الفكاهى الفريد فى الشعر العربى.
ولكن من هو ؟
ولد حسين شفيق المصرى بالقاهرة عام 1882 لأبوين تركيين فوالده محمد نور كان مثالاً للتركى المتلاف المتعجرف، حيث كان يمتلك عزبة بالقليوبية، والكثير من الدور والضياع، وعندما مات أضاع كل شئ: الأرض، والقصر، والأملاك أما أمه فكانت السيدة إقبال هانم التى عمرت طويلاً حتى رأت ابنها من كبار كتاب وشعراء مصر، وتوفيت عام 1922 بالقاهرة وكانت هذه السيدة جارية ضمن السبايا التى أخذت فى حرب المورة، وبيعت فى مصر واستقرت فى قصر الأميرة أمينة هانم أم الخديو عباس، ومن هذا الخليط اليونانى التركى، جاء حسين شفيق المصرى، الشاعر الضاحك، والفيلسوف الساخر، وابن البلد الأصيل! وقد وصفه الكاتب الساخر محمود السعدنى بقوله:
"ظل حسين شفيق المصرى يتدحرج طول حياته ويتقلب فى مهن كثيرة، من كاتب محام إلى مصحح فى الجرائد إلى زبون دائم أحياناً فى مقاهى القاهرة وعلى أرصفتها الشهيرة، ومن خلال هذه المهن الغربية استطاع العبقرى أن يرى الحياة كما لم يرها أحد من قبل.. فقد كانت له مهنة واحدة غير رسمية، هى مراقبة الناس وملاحظة عاداتهم.
"ولقد عاش حسين شفيق المصرى حياة أقرب ما تكون إلى حياة أبى نواس.. أعزب لم يتزوج.. سكير لا يفيق.. مبذر أنفق نقوده وأنفق صحته وأنفق أيامه فيما لا يفيد..
"لم يتفرغ لشئ ولم يهدأ أبدا ولم يستقر.. وظل يتدحرج من أعلى إلى أسفل حتى وصل إلى القاع ولكن فنه الأصيل رغم الضياع كان يشده دائماً إلى الحياة التى تموج من حوله.. ينقد مظاهرها المختلفة نقد فنان أصيل. وفى نهاية أيامه رفع هراوة ضخمة وهوى بها على رأس الحكومة التى كانت قائمة وقتذاك. إن الفنان حسين شفيق المصرى ينقدها وينقد رجالها ونظمها وتقاليدها، فيبتكر شخصية الشاويش شعلان عبد الموجود، ومن خلال المسكين شعلان انصبت هراوة شفيق المصرى على كل ما فى الحياة من تناقضات بشعة وقيم زائفة ومن خلال الأسئلة والأجوبة تبدو براعة شفيق المصرى فى كشف عورات النظام الاجتماعى الذى كان يرزح تحت عبئه الشعب.. وكذلك تبرز أصالة حسين شفيق كفنان.. وعبقريته فى الغوص إلى أعماق المأساة التى كانت تعيش فيها مصر..
***
كان حسين شفيق المصرى عبقرياً موهوباً، ذا خيال زاخر خصب، فهو لم يكن مجرد كاتب أو شاعر بل كان مدرسة يتلقى عنها أدباء الجيل دروساً عميقة فى الأدب والشعر والفكاهة، لما يتمتع به من خصوبة الخيال، واتساع الأفق والقدرة على الخلق والإبداع.
لقد ظل طيلة خمسين عاماً يضحك الناس بما يخترعه من أسباب الفكاهة والتهريج والإبداع ولكنه كان إذا غضب لكرامته أو لوطنه، انطلق قلمه يصب على خصومه شواظا من نار.. فكانت كتاباته الشعرية والنثرية صورة دقيقة للحياة السياسية والاجتماعية فى مصر على مدى خمسين عاماً..


ولقد ربح كثيراً، ولكنه كان - كأبيه - متلافاً إلى حد التهور، كريماً، عف النفس، لا يبقى على مال ولا يرد محتاجاً، ولا تعرف يمينه ما تصرف يساره، وهو فى كرمه وتبذيره لا يحفل بما يأتى به الغد.. كان يعيش ليومه، ويترك الغيب لعلام الغيب، مستعيناً فى ذلك بفلسفته الأبيقورية التى تمثل فيها أستاذه أبو نواس:
سواء عليّ أدار يمينا
بى الدهر أم دار دهرى شمالاً
فأنى أرى كل شىء يمر
فينسى سوى ما يشين الرجالا
وأعلم أن المصير الزوال
وماذا يؤمل باغ زوالا
هكذا عاش حسين شفيق المصرى، فيلسوفاً ساخراً، يقابل تجهم الأيام بابتسامته الحلوة، حتى أن بعض عارفيه زعموا أنه لو أراد أن يعبس لما طاوعته أساريره!
وكان إلى هذا كله جم التواضع موفور الحياء مما دفعه إلى ترفعه عن التماس أسباب النفع من معارفه، رغم صلاته الوثيقة بمعظم رجالات الدولة فى عصره، ولكنه كان يتجاوز أزماته المادية دون أن يشكو أو يتبرم، فإذا اشتدت الأزمة راح ينفض همومه فى أشعار شجية تسيل عذوبة وصدقاً وحرارة:
تعففت حتى قيل إن له غنى
وأكثر مالى لو علمت قليل
وطولبت بالإحسان، ولست بقادر
عليه، فقالوا : إنه لبخيل
فأيقنت أن البخل والفقر واحد
وأن بخيل الأغنياء ذليل
وكان يطوى همومه فى صدره، فإذا ناء بها أغرقها فى الكأس، عله ينسى أحزان قلبه، وهموم نفسه، حتى أنه شاب قبل الأوان، مما دفعه إلى الإعلان عن فلسفته المادية فى الحياة:
عجب الناس من شحوبى وضعفى
ومشيبى ولم يشب أصحابى
ويظنوننى مريضاً ومنهم
من يرى أن بى هزال اكتئاب
لست أشكو هما وما بى داء
أننى بعت بالشراب شبابى
فاطربوا واشربوا وشيبوا وموتوا
وقد تعرض للاضطهاد، لمواقفه الوطنية الصادقة، فقضى بحبسه شهراً، فبلغ من عدم احتفاله بهذا الحكم أن ذهب بنفسه إلى سجن مصر وطالب أن يسجنوه، دون أن ينتظر حتى تدعوه النيابة، وكانت وجهة نظره فى ذلك أن وقوع البلاء خير من انتظاره.
ولم يحنقه من السجن سوى جفاف الخبز ورداءته، مما دفعه إلى توجيه قصيدة لمدير السجن، قال فيها:
والخبز كالآجر إلا أنه
من خبزكم لا ينفذ المسمار
خبز لو اتخذ رغيفاه رحى
يوم تسير طحنها الأحجار
ولو أن بيتا يبتنى من خبزكم
فنى الزمان ولم يشق جدار !
وبسبب موهبته الفذة فى الجمع بين عدة مواهب : من صحافة وشعر وزجل وفكاهة سماه أحد الأدباء "ألف صنف"، وكان إخوانه ينعتونه "بالكشكول" ولكن تلميذه محمد عبد المنعم "أبو بثينة" شاء أن يطلق عليه "أبو نواس الجديد" حيث ذكر أوجه التشابه بين شاعرنا وبين الحسن بن هانئ "أبو نواس" فقال : "كلاهما لم يكن خالص العروبة، الأول ينتسب إلى الفرس، والآخر ينتسب إلى الترك، ولقد كان أبو نواس ماجنا محبا للخمر واللذات ويشاركه فى بعض هذه الخلال حسين شفيق لا فارق بينهما إلا أن القديم كان متهتكاً والجديد لم يكن كذلك، وفى شعرهما تشابه فى الجنوح إلى السخرية وميل إلى الفكاهة والدعابة، وفى أشعارهما رقة ونظرات فى فلسفة الحياة وفهم لدقائقها".
وقد أثارت ازدواجية حسين شفيق المصرى حيرة الناس، فقد كان متمكنا من اللغة العربية وفى نفس الوقت أحد شعراء العامية، وكان من أسرة ثرية، وكان فقيراً يتضور جوعاً، وكان من أم يونانية وأب تركى، ولكنه كان قاهرياً صميماً ووطنياً مخلصاً يحب مصر ويعشق الأحياء الشعبية: حوارى الدرب الأحمر وأزقة السيدة زينب وحى الحسين بمقاهيه وأسواقه ومواطنيه.
كان محرراً بجريدة "الجوائب" التى كان يصدرها خليل مطران، وفى جريدة "مصر"، وفى الوقت نفسه كان يكتب فى مجلة "الشجاعة" و"الخلاعة" و"المسامير" و "السيف".. وكان مؤلفاً مسرحياً كتب روايات جيدة لمسرح نجيب الريحانى.، وكان شاعراً ماجناً، متفرغاً لكتابة المشعلقات والمقطعات والشعر الحلمنتيشى وعلى الربابة وفى نفس الوقت يكتب أشعاراً وطنية لاذعة، وكان يربح آلاف الجنيهات، ومات وليس فى جيبه مليم واحد!
وقد عرف الأديب الصحفى محمد فهمى عبد اللطيف شاعرنا عن قرب، وتعرف على خلاله وسماته، فقال يصفه:
"عرفت حسين شفيق المصرى وأنا فى مطلع الشباب، وكان هو قد خلع برد الشباب : رجلاً متطامن النفس. أعمش أرمش، عريض الألواح مرتفع الأكتاف، مدلى الكرش، يمشى وكأنه، من ثقل كرشه وانحسار بصره. أتان مقيدة كما كان يقول عن نفسه، وقد قال لى أنه كان فى شبابه متناسق الجسم، متناسب القوام أملد العود، وكانت الغيد الحسان لا تبخل عليه بالنظرة والغمزة، أما العمش والرمش فذلك شئ لازمه منذ أول حياته".
وقد بدأ حسين شفيق المصرى حياته الأدبية يكتب المقالات والشذرات الجادة والهزلية فى الصحف والمجلات فى العقد الأول من القرن العشرين، ثم تولى تحرير جريدة "السيف" وهى جريدة هزلية أسبوعية أصدرها أحمد عباس عام 1910، ولكنه تنحى عن تحريرها إلى حسين شفيق وكانت الجريدة تصدر بكلمة جادة رصينة فى الحالة السياسية والاجتماعية أما جميع أبوابها فكانت تكتب بأسلوب فكاهى لاذع، وكان يكتبها كلها حسين شفيق، وكان يلاحق بفكاهاته وقفشاته أبناء الذوات والأعيان، والإدارات الحكومية فى الوزارات والمصالح وأقسام البوليس، وقد راجت تلك الجريدة رواجا كبيرا وبخاصة بين الشباب، ثم أصدر مجلة "الناس" وكانت فكاهية على غرار "السيف" وقد عاش الرجل يكافح ويناطح فى هذا المجال أيام الحرب العالمية الأولى (1914-1918) على الرغم من عنت سلطات الاحتلال الإنجليزى بالصحافة وأصحاب الأقلام بها، ولما شبت الثورة الشعبية بقيادة الزعيم سعد زغلول عام 1919، انطلق حسين شفيق بفنه الضاحك الساخر يؤجج ضرامها وينفخ فى جذوتها، وقد عاش إلى آخر حياته على الوفاء والولاء للوطنيين من رجال الوفد، ولما تحطم السيف" و "الناس" على صخرة الأحداث، اشتغل فى مجلة "الكشكول" ومع أن مجلة الكشكول كانت معارضة لسعد زغلول ولسياسة الوفد، فقد كان يحرر فيها بابا بعنوان "دائرة المعارفة الوفدية"، قد نال هذا الباب رواجا كبيرا بين الناس. وكان الرجل حريصا على ألا يمس الوفد بكلمة سوء فى هذه المجلة المعارضة التى احترفت التشنيع على الوفد وإنما كان صاحب المجلة يحرص على بقائه لأنه كان دعامة من دعائم رواجها وذيوعها بين الناس.
وتولى حسين شفيق المصرى رياسة تحرير مجلة "كل شىء والدنيا" التى كانت تصدرها دار الهلال، وفى دار الهلال حلق الرجل بفنه، ووجد المجال رحبا لاستخدام كل مواهبه وملكاته. على أن آثاره القلمية والفكاهية كانت لا تنقطع عن النداء فى أى يوم وكان أصحاب المجلات الجادة والهزلية يحرصون عليها على أنها لون له أثره فى رواج هذه المجلات" ثم انتهى به المطاف رئيساً لتحرير مجلة الفكاهة التى كانت تصدرها دار الهلال عام 1927 التى تجلت فيها مواهبه فى كتابة الشعر الفكاهى الضاحك.
الشاعر الضاحك!
النكتة كما فسرها علماء النفس والفلاسفة، إنما هى محاولة لإعادة التوازن داخل النفس المضطربة القلقة، التى هزتها أحداث زعزعتها عندما وقعت خارجها ونفذت إليها، فرأت تلك النفس أن تستعيد توازنها بالضحك أو افتعاله. وذلك حسب تحليل السفير الشاعر أحمد عبدالمجيد الذى يرى أن الإنسان الضاحك، أو الذى يصنع الضحك، هو إنسان رقيق المشاعر مرهف الحس فالإنسان الضاحك، على قدر استجابته للضحك، أو قدرته على إثارته، نراه سريع الاستجابة للبكاء إن دعا داعيه، أو حدث ما يحمله عليه، فهو مرهف الحس كقول شاعر لماح :
إذا أنا لم أضحك فقدت مشاعرى
وإن أنا لم أحزن فقدت شعورى
وقد كان حسين شفيق المصرى شاعرا فكاهيا من الطراز الأول، نظم أرقى قصائد الشعر الفكاهى الضاحك وأطلق عليه "الشعر الحلمنتيشى" حيث كان يعارض مطالع القصائد القديمة بقصائد فكاهية ضاحكة فبدأ بمعارضة "المعلقات السبع" التى نظمها بعض الشعراء الجاهليين بقصائده "المشعلقات" ثم نظم قصائد أخرى يعارض بها القصائد المشهورة فى الشعر العربى كله، قديمه وحديثه وسماها "المشهورات".
شاعر المشعلقات
وقد بدأ مشعلقاته بمعارضة المعلقة المشهورة للشاعر الجاهلى طرفة بن العبد التى مطلعها:
لخولة أطلال ببرقة ثهمد
تلوح كباقى الوشم فى ظاهراليد
فعارضها حسين شفيق بقوله:
لزينب دكان بحارة منجد
تلوح بها أقفاص عيش مقدد
وقوفاً بها صحبى على هزارها
يقولون لا تقطع هزارك واقعد
أنا الرجل الساهى الذى تعرفونه
حويط كجن العطفة المتلبد
أما شعره الحلمنتيشى، فهى قصائد فكاهية على أوزان القصائد المشهورة فعارض قصيدة شرف الدين عمر بن الفارض التى مطلعها:
سائق الأظعان يطوى البيدطى
منعما عرج على كثبان طى
فقال حسين شفيق يعارضها :
وإذا لاقيت من أهواه قل
للذى أهواه من يهواك جى
إننى اشتقت إليه وأرى
من هواه النار تشوى القلب شى
فى فؤادى لحبيبى عزبة
زرعت شوقا وفيها الدمع رى
وبأرض الحب أشجار لها
ثمر يأكله المشتاق نى
إننى من وحشتى فى ظلمة
ومحياه كلوب فيه ضى
وله فى العيد عندى بدلة
وقفت بالخمسميت قرش عليّ
ويعارض قصيدة جرير التى مطلعها :
أقلى اللوم عازل والعتابا
وقولى إن أصبت لقد أصابا
فقال حسين شفيق بأسلوبه الساخر اللاذع:
أفستانان فى شهر وهذا
عليّ الثوب من عامين ذابا
تريد ملابسا فى كل يوم
وقد ملأت ملابسها الدولابا
وهذا البالطو ألبسه زماناً
طويلا حتى شعر البالطو شابا
يا ستى يا عينى يا روحى قولى لى
أما تدرين أنا "ناس غلابا"
دنا ماهيتى "يا دوب" تكفى
ألم نعقل وقد شفنا العذابا
وليس أبى وليس أبوك باشا
فلا تتعنطزى وتقولى "بابا"
أليس أبوك غلباناً كحالى
وفى الأعياد ما أكل الكبابا
"فلايميها" ودينك وارحمينى
من المصاريف تقلت والحسابا
ومن أبدع مشعلقاته معارضته لقصيدة أبو العتاهية:
ألا مال سيدتى مالها
أدلا فأحمل إدلالها؟
فقال حسين شفيق :
أظن الولية زعلانة
وما كنت أقصد ازعالها
أتى رمضان فقالت هاتولى
زكيبة نقل فجبنا لها
ومن قمر الدين جبنا ثلاث
لفائف تتعب شيالها
وجبت صفيحة سمن وجبت
لوازم ما غيرها طالها
فقل لى على إيه بنت الذين
بتشكى إلى أهلها حالها؟
تقول لهم جوزى هذا فقير
كإنى أضعت لها مالها
ولا والنبى لا أخاف أباها
ولا عمها. لا ولا خالها
ولو كانوا ناسا من اللى فى بالى
لما سمعوا قط أقوالها
دى جارتها قد زعلت زوجها
فجاب العصاية وأدى لها
وقد عميت بعد ما سابها
وشافت من الدنيا أهوالها
فإن عملت مثلها زوجتى
فإخص عليها - وعقبى لها
وعارض قصيدة محمود سامى باشا البارودى فى قصيدته:
سواى بتحنان الأغاريد يطرب
وغيرى باللذات يلهو ويلعب
فقال حسين شفيق فى مشعلقته:
وأجلس وحدى ع القراءة عاكفا
ولى لمبة فيها شريط ملهلب
أمقق عينى طول ليلى ولمبتى
مسورقة والسقف منها مهبب
وآكل مشا فيه أحدق جبنة
مفلفلة منها دموعى تشلب
وليس سميرى غير قلة مية
مزفتة فيها خروق تسرسب
وعارض قصيدة ابن هانىء الأندلسى:
أسهام لحظك أم سيوف أبيك
وكئوس خمر أم مراشف فيك
فقال حسين شفيق :
يا بنت زى البنك الكثير فلوسه
لم تعجبى أحدا فما خطبوك
أكلام مسخرة وجهل فاضح
لا أنت فالحة ولا أهلوك
المال يذهب والجهالة وحدها
تبقى وبختك بالعصى يديك
الخاطبون على سنية أقبلوا
يتسابقون وأنت قد تركوك
ويذكر مؤرخه وتلميذه محمد عبدالمنعم "أبو بثينة" أنه كان من أبر الناس بأهله، وكان من أبرز خلاله الكرم البالغ إلى حد الإسراف، وما كان يحب أن يرد سائلاً ولو علم أنه غير محتاج، وكثيرا ما كان يعطى كل ما معه وينقلب إلى بيته لايملك قرشا واحداً.
وكما كان مسرفا فى ماله كان مسرفا فى صحته فى شبابه، ولما تجاوز الأربعين تزوج ثم طلق ولم ينجب، وأقلع عن كثير مما كان يوقعه إليه طيش الشباب، وكان فى قلبه رأفة ورقة، وكانت دموعه قريبة.
وعندما رحل عن دنيانا يوم الخميس 30 سبتمبر عام 1948 بداره بحى السيدة زينب لم يترك مالا ولا عقارا، ولكنه ترك ثروة شعرية وأدبية نفيسة ستظل ذخيرة ومدرسة فى أدب الفكاهة الرفيع، وفن الاضحاك الراقى رحل عن دنيانا وعلى شفتيه بسمة كبيرة، وفى قلبه أسى دفين، وهو يهمس لمن حوله:
لم تدع لى الأيام دمعا يراق
فبكائى الذهول والإطراق
ويطاق الحزن الذى يلد الدمع
وليس الحزن العقيم يطاق
ما بقائى من بعد خيرة قومى
وثوائى وكل يوم فراق؟
وهكذا انطوت صفحة هذا الشاعر الفكاهى المجدد الذى اشتهر بشعره الحلمنتيشى وشعر المشعلقات وغاب تراثه الشعرى عن قراء العربية، وقد حاولت انصافه فى بعض ما كتبته عن فرسان الشعر الحلمنتيشى فى بعض مؤلفاتى آملاً أن ينشر تراثه الشعرى الكامل الذى تفرق فى مجلات الفكاهة والأسمار القديمة حتى تكتمل الصورة لتراثنا الشعرى الفكاهى فى العصر الحديث.